في تحليل السياسة الخارجية للولايات المتحدة، يبرز أحد الأخطاء الشائعة في اختزال مصدر القرارات الاستراتيجية لواشنطن في نفوذ إسرائيل، وكأن الولايات المتحدة فاعلٌ سلبيٌّ يُدفع إلى الحروب تحت ضغط تل أبيب. وهذه القراءة، وإن كانت تُقرّ بالدور المؤثر لجماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل، إلا أنها لا تنسجم مع النظريات السائدة في العلاقات الدولية والاقتصاد السياسي للسلطة.
فالقوى الكبرى لا تخوض الحروب استجابةً لرغبة حليف، وإنما وفق حسابات المصلحة الوطنية، والحفاظ على الهيمنة، وإعادة إنتاج النظام الدولي الذي يخدم مصالحها. ومن هذا المنظور، تُعدّ إسرائيل جزءاً من البنية الأمنية الأمريكية في غرب آسيا، وليست قوةً قادرة على جرّ واشنطن إلى حرب تتعارض مع مصالحها الاستراتيجية.
وبعد الحرب العالمية الثانية وأفول الإمبراطورية البريطانية، انتقلت قيادة المنظومة الغربية إلى الولايات المتحدة. وبالتوازي مع ذلك، تحولت إسرائيل من مشروع رعته لندن إلى أهم قاعدة جيوسياسية لواشنطن في المنطقة. وتؤدي هذه القاعدة دور «حاملة الطائرات الثابتة» للولايات المتحدة، بما يخدم الحفاظ على تفوقها الاستراتيجي، والسيطرة على البيئة الأمنية الإقليمية، ومنع صعود القوى المستقلة.
وعليه، فإن أي توتر ينشأ بين إيران وإسرائيل ينبغي تحليله في إطار الاستراتيجية الكبرى للولايات المتحدة. فإسرائيل قد تؤثر في مسار صناعة القرار الأمريكي، إلا أن القرار النهائي لا يُتخذ إلا عندما يكون منسجماً مع المصالح البنيوية لواشنطن.
وفي هذا السياق، تكتسب فكرة «المجمع الصناعي العسكري» التي طرحها الرئيس الأمريكي الأسبق دوايت دي. أيزنهاور في خطابه الوداعي أهميةً خاصة. فقد حذّر أيزنهاور من أن الترابط بين الصناعات العسكرية، والمؤسسات الأمنية، والبنية السياسية، قد يدفع السياسة الخارجية الأمريكية نحو حروب متواصلة. ولا يزال هذا التحذير حتى اليوم أحد أهم الأطر النظرية لفهم السلوك الأمريكي.
ومن جهة أخرى، بيّن عالم الاجتماع الأمريكي سي. رايت ميلز في نظريته حول «نخبة السلطة» أن القرارات الكبرى في الولايات المتحدة ليست نتاج إرادة الحكومة المنتخبة وحدها، بل هي ثمرة التفاعل بين شبكات النخب الاقتصادية والعسكرية والسياسية. وبذلك تنتقل دراسة السياسة الخارجية الأمريكية من مستوى الأفراد إلى مستوى البنية.
وانطلاقاً من ذلك، يمكن الحديث عن «مثلث السلطة» في بنية صناعة القرار الأمريكي؛ وهو مثلث تتقاطع مصالح أضلاعه في كثير من الأزمات الدولية مع استمرار التوترات والصراعات.
فالضلع الأول يتمثل في كبرى شركات النفط والطاقة، التي ترى في عدم الاستقرار الجيوسياسي، والسيطرة على طرق نقل الطاقة، وتعزيز اعتماد الأسواق العالمية، ما يحقق مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية.
أما الضلع الثاني، فيتمثل في الصناعات العسكرية والدفاعية العملاقة، التي تستفيد من اتساع رقعة الأزمات عبر زيادة الميزانيات العسكرية، وتوسيع عقود التسليح، وارتفاع صادرات الأسلحة، حيث يُعد اقتصاد الحرب أحد أهم مصادر أرباح هذا القطاع.
ويتمثل الضلع الثالث في تيار الصهيونية المسيحية، وما يرتبط به من شبكات سياسية وإعلامية، ترى في دعم إسرائيل ليس مجرد خيار سياسي، بل جزءاً من رسالة أيديولوجية، وتمتلك نفوذاً ملحوظاً في العمليات الانتخابية وآليات صناعة القرار داخل الولايات المتحدة.
ومع ذلك، فإن هذه الأضلاع الثلاثة لا تمثل مجمل بنية السلطة الأمريكية، ولا ينبغي اختزال السياسة الخارجية لواشنطن فيها وحدها. فهناك عوامل أخرى تؤثر في عملية اتخاذ القرار، مثل التنافس مع القوى الكبرى، والاعتبارات الجيوسياسية، ومتطلبات الأمن القومي، والرأي العام، والكونغرس، والأجهزة الاستخباراتية. غير أنه كلما تلاقت مصالح هذه التيارات الثلاثة مع الأهداف الاستراتيجية للدولة الأمريكية، ازدادت احتمالات تبني سياسات هجومية وخيارات عسكرية.
ومن ثم، فإن المواجهة الأمريكية مع إيران ينبغي فهمها في إطار التنافس على النظام الإقليمي، وتوازن القوى، والحفاظ على التفوق الجيوسياسي الأمريكي، لا باعتبارها مجرد استجابة لرغبة إسرائيل.
إن إدراك هذا التمييز يمثل ضرورةً تحليلية؛ لأن تشخيص مصدر التهديد على نحوٍ صحيح هو الشرط الأساس لبناء استراتيجية مواجهة سليمة. فإسرائيل، رغم كونها لاعباً مؤثراً ويتمتع بنفوذ معتبر، تبقى في نهاية المطاف جزءاً من منظومة القوة الأمريكية، وليست القائد الذي يوجّهها. وإن استيعاب هذه الحقيقة يتيح فهماً أكثر دقةً لتطورات غرب آسيا، ويكشف المنطق الحقيقي الذي يحكم سلوك الولايات المتحدة.
--------------------------------
بقلم: د. جبار سعيداوي
* كاتب صحفي وأكاديمي ـ إيران







