09 - 08 - 2026

بين الأرقام وواقع الإصلاح الاقتصادي: لماذا تزداد معاناة المصريين، في حين تصفق المؤسسات الدولية؟

بين الأرقام وواقع الإصلاح الاقتصادي: لماذا تزداد معاناة المصريين، في حين تصفق المؤسسات الدولية؟

في الهوة السحيقة التي تفصل بين لغة المؤشرات الجافة ولغة الجوع اليومي، بين جداول النمو المجردة وصرخات الأمهات الباحثات عن قوت أطفالهن، يتشكل سؤال وجودي يعلو على كل معادلة اقتصادية: هل تقاس حياة البشر بمعدلات النمو المجردة، أم بمساحات الحريّة التي يملكونها لاختيار مصائرهم؟ 

هذا السؤال، في جوهره، ليس سؤالاً اقتصادياً فقط، بل هو سؤال وجودي عن ماهية الإنسان وقيمته في عالم يُختزل فيه وجوده إلى رقم في جدول، ويُقاس فيه نجاح الدول بمقدار ما تنتجه لا بمقدار ما تحافظ عليه من كرامة لأبنائها، وحين نقترب من هذه المعضلة المعرفية، نجد أن أمارتيا صِن قد منحنا مفتاحاً لفك اشتباك الأرقام بالمعاناة، إذ عرّف الفقر بأنه ليس مجرد عوز في الدخل، بل "حرمان من القدرات الأساسية" التي تمكّن الإنسان من الحياة الكريمة والاختيار الحر. 

فالفقر، بهذا المعنى، ليس حالة سلبية تُصيب المرء نتيجة قلة المال، بل هو فعل إيجابي يُمارَس ضده عبر سحب أدوات وجوده الإنساني منه، وتحويله من فاعل إلى مفعول به في معادلة سياسية لا يملك فيها صوتاً ولا اختياراً، ومن هذا المنظار الفلسفي، يكتسب تحذير الخبير الاقتصادي المصري جودة عبد الخالق - أستاذ الاقتصاد بجامعة القاهرة ووزير التموين الأسبق - ثقلاً منهجياً يتجاوز خطاب المعارضة إلى رؤية نقدية قائمة على قراءة بنيوية للسياسات، إذ يعلن أن سياسات الحكومة الحالية "تُفقِر المصريين إفقاراً متزايداً"، نابعاً من تشخيص علمي لا من انطباع سياسي عابر، مما يحيلنا إلى التساؤل: كيف يمكن لسياسات تُعلن إصلاحاً أن تفضي إلى إفقار ممنهج، إن لم تكن هي ذاتها تعيد تعريف الإصلاح بما يخدم غير المواطن؟

فإذا انتقلنا من دائرة التنظير إلى حقائق المؤسسات الدولية، يزداد المشهد غموضاً وإثارة، وتتضاعف الأسئلة الوجودية حول طبيعة الحقيقة في عصر تستطيع فيه الأرقام أن تلبس أقنعة متعددة، فوفق أحدث تقديرات البنك الدولي، بلغ معدل الفقر الوطني في مصر خلال العام المالي 2021-2022 نحو 33.5% من السكان، وبمقاييس خط الفقر الدولي للدول متوسطة الدخل الأدنى (4.20 دولار يومياً تعادل القوة الشرائية لخط الفقر لعام 2021)، وقفزت المعدلات خمس نقاط مئوية بين عامي 2022 و2024. أما مؤشر الفقر متعدد الأبعاد - الذي تضعه برامج الأمم المتحدة الإنمائية بالتعاون مع مبادرة أكسفورد للفقر والتنمية البشرية - فيكشف عن صورة أكثر عمقاً: 21% من المصريين، أي واحد من كل خمسة، يعانون حرماناً متراكماً يمتد إلى ستة أبعاد متشابكة تشمل الصحة والتعليم والإسكان والعمالة والحماية الاجتماعية والأمن الغذائي، بمتوسط شدة حرمان يبلغ 37%، مما يعني أن الفرد في هذه الشريحة يُحرم من أكثر من ثلث متطلبات الكرامة الإنسانية في آنٍ واحد. 

هنا تبرز المفارقة الأكثر إيلاماً: هذه الأرقام العالمية بقسوتها تصطدم بسكوت رسمي مريب، فالجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء يمتنع منذ خمس سنوات عن نشر بحث الدخل والإنفاق التقليدي، مكتفياً بتسريبات تشير وفق مصادر أكاديمية مطلعة إلى أن نسبة الفقر في تقدير 2023-2024 تجاوزت 37.5%، وهي النسبة التي يرجحها الدكتور جودة، متوقعاً أن تلامس 40% في الواقع المعاش، فيما تتهم منظمات حقوقية محلية الحكومة بتعمد التعتيم على هذه البيانات للالتفاف على شروط الشفافية المقررة في اتفاقية صندوق النقد الدولي، فإذا كانت الأرقام وحدها قادرة على الكشف عن الحقيقة، فما معنى أن تُحتجب الحقيقة ذاتها خلف ستار من التقديرات الرسمية المتضاربة؟ أليس في ذلك دليل على أن الإحصاء لم يعد أداة معرفية، بل أصبح سلاحاً سياسياً يُستخدم لإعادة تشكيل الواقع بما يتلاءم مع سردية السلطة، لا مع واقع المعاناة؟

هذا التضارب الصارخ بين الرواية الرسمية التي تحدثت عن تراجع "الفقر متعدد الأبعاد" إلى 21.2%، وبين تقارير البنك الدولي وصندوق النقد التي ترصد تضخماً بلغ ذروته 38% في أواخر 2023، يفضي بنا إلى سؤال أكثر إزعاجاً، سؤال يهز أركان أي مشروع سياسي: لمن نصنع هذا الاستقرار الاقتصادي؟ صحيح أن صندوق النقد أشاد في يوليو 2025 بارتفاع النمو إلى 4.3% وتراجع التضخم إلى 13.4%، لكن الأوروبيين أنفسهم، عبر تحليلات المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، حذروا من أن أموال الاتحاد الأوروبي المخصصة لمصر قد تعزز "استمرار السياسات الاقتصادية المسببة للتدهور"، وأن الاندماج غير المتماثل في النظام المالي العالمي يُخضع الاقتصاد المصري لمنطق تبعية جديد، حيث تتحول الدولة من طرف فاعل في معادلة التنمية إلى مجرد حلقة في سلسلة إنتاج عالمية لا تملك فيها قراراً مستقلاً، وكأنها أصبحت واجهة لسياسات تُرسم في واشنطن وبروكسل وتُنفَّذ بالقاهرة، بينما يدفع المواطن الثمن. 

وفي خضم هذا الجدل، يطرح الدكتور جودة بجرأة أكاديمية نادرة بديلاً شاملاً يبدأ بفرض ضرائب على رؤوس الأموال الساخنة قصيرة الأجل لكبح هروبها، ويعيد الاعتبار للزراعة والصناعة بوصفهما قطاعين حقيقيين للقيمة، مؤكداً أن أي إصلاح اقتصادي دون إصلاح سياسي جذري ليس سوى "تعديل في الفروع بينما الأصل معوج"، مستعيراً الحكمة العربية: "إذا اعوجَّ الأصل فكيف يستقيم الفرع؟"، فالمعضلة ليست في تفاصيل السياسات المالية بقدر ما هي في بنية الحوكمة ذاتها، التي إذا كانت فاسدة أو غير عادلة، فإن كل ما يبنى عليها سيظل هشاً وقابلاً للانهيار في أي لحظة.

إذن، من خلال قراءة معمقة لمشهد الأرقام والسياسات، نجد أنفسنا أمام أدلة قاطعة على أن الإفقار ليس مجرد نتيجة ثانوية لسياسات اقتصادية، بل هو أثر مركوب لمنهجية تحويل الدولة من ضامنة للرفاه إلى أداة لإعادة توزيع الخسائر، ومن ثم تتجلى هذه الأدلة في غياب المؤشر النقدي للفقر، إذ تحول الجهاز المركزي للإحصاء منذ عام 2019 من نشر بحث الدخل والإنفاق التقليدي - الذي كان يعتبر النافذة الوحيدة على واقع الفقر النقدي - إلى الاكتفاء بنشر مؤشر الفقر متعدد الأبعاد، وهو مؤشر أظهر تراجعاً مفاجئاً إلى 21.2%، بينما كانت مصر تشهد أقسى أزماتها الاقتصادية من جائحة كورونا إلى حرب أوكرانيا، مروراً بتحرير سعر الصرف ورفع الدعم، الأمر الذي دفع مراقبين إلى وصف هذا التراجع المعلن بأنه أقرب إلى "تجميل للأرقام" منه إلى توصيف حقيقي. 

وكما يقول الدكتور جودة: "الجهاز المركزي أجرى بحثاً للدخل والإنفاق للعام المالي 2023-2024 أظهر أن نسبة الفقر بلغت 37.5%، ورفض نشره"، وفي هذا السياق، يطرح السؤال الفلسفي الأعمق: حين تتوارى الأرقام وتُستبدل بمؤشرات غير قابلة للمقارنة، فإن الدولة لا تخفي الفقر فحسب، بل تعيد تعريفه بما يتلاءم مع سرديتها، وتُخضع الحقيقة لمنطق هندسة الرأي العام لا لمنطق العلم، وهنا يصبح الإحصاء، في جوهره الفلسفي، ممارسة سلطوية تعيد تشكيل الواقع عبر اختيار ما يُقاس وكيف يُقاس، وتُحوِّل الحقيقة إلى سلعة يمكن تشكيلها بحسب الرغبة السياسية، لا إلى مرآة تعكس الواقع الموضوعي.

اللافت أن تقديرات مستقلة ترسم صورة أكثر قتامة، إذ ترى الدكتورة عالية المهدي، عميدة كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة سابقاً، أن النسبة المعلنة "قليلة على الواقع الحالي"، مشيرة إلى أن بحث ميزانية الأسرة للعام 2021-2022 أظهر نسبة فقر بلغت 32% قبل موجات الغلاء الكبرى، وحيث توقعت، بناء على تتبعها لمعدلات التضخم خلال الأعوام 2023 و2024 و2025، أن تلامس النسبة الحالية 37% أو 38%، 

والأكثر إثارة أن تآكل الطبقة الوسطى قد تحول إلى ملمح بارز، وتؤكد بيانات صندوق النقد أن ارتفاع الأسعار قد "أثر بشكل غير متناسب على الأسر ذات الدخل المنخفض والمتوسط"، مما يكشف أن الفقر لم يعد محصوراً في الشرائح الدنيا، بل أصبح سيفاً مصلتاً على رقاب الطبقة الوسطى ذاتها، تذيب مكاسب عمران أجيال في محرقة سياسات تقشف لا تعرف الرحمة، وتحول المجتمع من كيان عضوي متماسك إلى مساحة من التنافس على البقاء، حيث يضطر المعلم والموظف والصانع إلى التنافس على فتات الكرامة، بينما تُباع أصول الدولة في مزادات لا يعرف أحد من يشتريها، ولا لأي غاية تُباع.

وفي تحليل الغرض الحقيقي من هذه السياسات، يتجلى المشهد في استرضاء صندوق النقد الدولي، حيث منذ توقيع اتفاقية القرض الموسع بقيمة 8 مليارات دولار في مارس 2024، تحولت التوصيات الفنية إلى التزامات، تتصدرها ضرورة رفع الدعم عن المحروقات بالكامل بحلول ديسمبر 2025، وهو ما أعلنه المدير التنفيذي للصندوق محمد معيط علناً بتأكيده أن "مصر التزمت بإلغاء دعم المحروقات بالكامل"، ومنذ عام 2014، رفعت السلطات أسعار الوقود 12 مرة، منها ثلاث زيادات في 2024 وحده بنسب تراوحت بين 10 و18%، ثم زيادتين في 2025، لترتفع تكاليف النقل بنسبة 40% وتتضاعف أسعار السلع الغذائية، وخصصت الحكومة في موازنة 2025/2026 مبلغ 75 مليار جنيه فقط لدعم الوقود مقابل 154.5 ملياراً في العام السابق، في تراجع حاد يعكس العزم على إنهاء الدعم. 

لكن التساؤل الفلسفي هنا: حين تتحول السياسات الاقتصادية إلى مجرد تنفيذ لإملاءات خارجية، أين تبقى السيادة الوطنية؟ وأين تبقى فكرة الدولة ككيان يعبر عن إرادة شعبها، لا كمجرد وكيل تحصيل للدائنين الدوليين؟ وبالتزامن، صادق الرئيس في أغسطس 2025 على القانون رقم 170 لتنظيم ملكية الدولة في الشركات، الذي ألغى المادة 27 من قانون شركات القطاع العام، ووسع مشاركة القطاع الخاص في الاستحواذ على حصص الدولة، وذلك في إطار برنامج طموح لبيع حصص في 35 شركة، لترتفع مساهمة القطاع الخاص في الاستثمارات إلى 56.5% خلال ثلاث سنوات، مع توقع تجاوزها 65%، لكن ما يثير التأمل الفلسفي هو تحول الدولة من ضامن للرفاه إلى منظم للسوق، وإعادة تعريف العقد الاجتماعي بحيث يصبح المواطن مستهلكاً في سوق مفتوحة بدلاً من طرف في عقد يضمن له حداً أدنى من العيش الكريم، مما يطرح أسئلة مصيرية: هل يمكن للاقتصاد أن ينمو بينما تتداعى شبكات الأمان؟ وهل يمكن للاستقرار المالي أن يدوم وهو مبني على تآكل القدرة الشرائية للفقراء ومتوسطي الدخل؟ وهل يمكن للدولة أن تحافظ على شرعيتها وهي تنسحب من مسؤولياتها الأساسية تجاه مواطنيها، تاركة إياهم في مواجهة قوى السوق التي لا ترحم؟

في سياق سد العجز المالي بأي ثمن، تعلن الحكومة أن هدفها خفض عجز الموازنة وتقليص الدين العام، وقد نجحت وفق تصريحات وزير المالية في خفض نسبة الدين إلى الناتج المحلي بنحو 13% خلال عامين، وسجلت فائضاً أولياً بلغ 3.5% من الناتج المحلي في 2025، مدعوماً بزيادات ضريبية وضبط للإنفاق، مع توقعات بارتفاعه إلى 5% في 2026-2027، لكن خدمة الدين لاتزال تلتهم نحو 71.2% من إيرادات الدولة، مما يترك حيزاً ضئيلاً للإنفاق على الصحة والتعليم، فيما يذهب الدكتور جودة إلى أن خفض الإنفاق العام، وخاصة على الدعم والخدمات، هو جوهر إفقار المواطنين، وأن رفع الدعم عن الوقود واستمرار ارتفاع الدولار يقتل القدرة الشرائية، معتبراً أن البنك المركزي هو المتسبب الأول في أزمة العملة الحالية عبر سياسات سعر الصرف المرتفعة التي حولت الجنيه إلى سلعة للمضاربة، مما أدى إلى هروب 22 مليار دولار من استثمارات الأجانب في أدوات الدين خلال عام واحد. 

وهنا يتحول سؤال "لمن نبني الاستقرار؟" من سؤال بلاغي إلى سؤال وجودي: هل نبني استقراراً للميزانيات على حساب استقرار الأسر؟ وهل نحقق فائضاً مالياً بتكريس عجز إنساني؟ إن السياسات التي تضع خفض العجز والديون كغاية في حد ذاتها، دون أن تسأل عن الثمن الاجتماعي، تحيلنا إلى تأمل في ماهية الدولة ووظيفتها، وتطرح سؤالاً أخلاقياً: هل العدالة الاجتماعية قيمة يمكن تأجيلها إلى ما بعد تحقيق الفوائض المالية، أم أنها شرط أساسي لاستدامة أي نموذج تنموي؟

أما في استشراف المستقبل، ففي المدى القريب (2026-2027)، ومع اكتمال رفع الدعم عن المحروقات، يتفق الخبراء على أن موجات الغلاء ستستعر بقوة متجددة، إذ لايزال التضخم مرتفعاً عند 20.4% وفق تقديرات الصندوق، ويتوقع البنك المركزي أن يتراوح متوسط التضخم السنوي بين 16% و17% في 2026. والنمو الاقتصادي، رغم توقعات المؤسسات الدولية بتراوحه بين 4.2%  و4.8%، يظل مرتهناً بطابعه الريعي القائم على جذب الاستثمارات الساخنة لا على زيادة الإنتاجية ورفع الأجور، وهو ما يحذر منه صندوق النقد نفسه حين يقر بأن "التقدم المحدود في الإصلاحات العميقة يظل يثقل كاهل النمو"، وتتفاقم أزمة الإسكان مع إلغاء نظام الإيجار القديم بموجب القانون 164 لسنة 2025، الذي يلغي النظام تدريجياً خلال سبع سنوات ويفرض زيادات سنوية إجبارية بنسبة 15%، مما قد يؤدي إلى تهجير نحو 1.6 مليون أسرة (6.5% من السكان) في المناطق المركزية حيث قد تقفز الإيجارات إلى عشرين ضعفاً، لتدفع بشرائح بأكملها من الطبقة المتوسطة إلى هوامش الفقر، وتحول المدن المصرية إلى مرايا للتقسيم الطبقي، حيث يعيش الأغنياء في جزر معزولة من الرفاه، بينما يغرق الفقراء والمتوسطون في بحار من العشوائيات والحرمان.

وفي المدى البعيد (2030 فما بعد)، يلوح نموذج "الدولة الدائنة" مع تزايد الاعتماد على القروض الخارجية وبيع الأصول العامة، حيث تتحدث وزارة المالية عن خفض الدين الخارجي تدريجياً، ويعد صندوق النقد بأن نسبة الدين إلى الناتج المحلي قد تصل إلى أدنى مستوياتها منذ 2016 بحلول 2030، بينما تتراجع أقساط الخدمة من 32 مليار دولار في 2025-2026 إلى 9 مليارات بحلول 2030، ولكن المحللين يحذرون من "مستقبل من التبعية المتعمقة وفقدان السيادة"، حيث تصبح القرارات الاقتصادية رهينة لإملاءات الدائنين لا لمصالح المواطنين، ويتفكك نسيج شبكة الأمان الاجتماعي مع بيع شركات القطاع العام التي كانت توفر فرص عمل ومزايا اجتماعية، مما يحول المجتمع المصري تدريجياً إلى قطبين متباعدين: أغنياء يستفيدون من سياسات التحرير، وفقراء يتحملون تبعاتها، ويظل الرهان الأكبر على الاستثمار الأجنبي المباشر مرهوناً بمناخ استثماري مستقر، تهدده الاضطرابات الإقليمية والاعتماد المفرط على رأس المال قصير الأجل، إذ يحذر البنك الدولي من أن النزاع في الشرق الأوسط يواصل تعطيل التجارة والسياحة والاستثمار، وأن خلق فرص العمل "من المرجح أن يظل خامداً على مدى فترة التوقعات بسبب تحديات سوق العمل والجمود الهيكلي"، وهو اعتراف دولي بأن النمو، حتى لو تحقق، لن يترجم إلى تحسن ملموس في حياة المواطنين، والسؤال هنا: إذا كان النمو لا يخلق وظائف، وإذا كان الاستقرار المالي لا يعني استقراراً اجتماعياً، فما قيمة كل هذه التضحية التي يقدمها المصريون بأجسادهم وأرواحهم؟

في الختام، يتشكل سؤال وجودي يتجاوز الإحصاء إلى الفلسفة الأخلاقية، سؤال يلح بإلحاح الضمير قبل العقل: لماذا يظل السؤال الأبسط - "كم عدد الفقراء في مصر؟" - دون إجابة قاطعة بعد كل هذه السنوات من الأزمات والإصلاحات؟ إن ما يثير القلق ليس حجم الأرقام مهما كانت مؤلمة، بل غياب الشفافية الذي يحول دون معرفة الحقيقة، حيث يحتجب الجهاز المركزي للإحصاء عن نشر بحث الدخل والإنفاق منذ خمس سنوات، ويستبدله بمؤشرات لا تسمح بالمقارنة ولا تعكس قدرة الدخل على تلبية الاحتياجات، وقد كشفت تقارير صحفية عن تدخل أمني مباشر لمنع نشر نتائج بحث 2023- 2024 رغم الانتهاء من إعداده. 

وفيما تصر الحكومة على الترويج لسردية "المؤشرات الإيجابية"، ويشيد صندوق النقد بانخفاض التضخم وارتفاع النمو، يظل المعلم أحمد يبحث عن ثمن التعليم لابنه، معبراً عن ملايين المصريين الذين انزلقت أسرهم من الطبقة المتوسطة إلى دائرة الفقر - إذ تشير التسريبات إلى أن أكثر من أربعة ملايين مصري قد انزلقوا إلى الفقر خلال عام واحد، وهذا الانزلاق الجماعي يعكس حقيقة أعمق وهي أن السياسات الاقتصادية الحالية، رغم إشادات المؤسسات الدولية، تعالج أعراض الأزمة المالية على حساب جذور الأزمة الاجتماعية، ممثلة في تآكل القدرة الشرائية وتفكك شبكات الأمان الاجتماعي، وكأن الدولة قد تخلت عن دورها التاريخي المأمول كضامن للعدالة الاجتماعية، لتتحول إلى مجرد حارس للاستقرار المالي، مهما كان الثمن الذي يدفعه البشر.

وإلى أن تتبنى الحكومة نموذجاً تنموياً يضع الإنسان في قلب المعادلة - لا وقوداً لتصحيح المالية العامة - سيظل سؤال "كم عدد الفقراء في مصر؟" معلقاً، ليس غياباً للبيانات، بل غياباً للإرادة السياسية للاعتراف بالحقيقة، فالحقيقة محجوبة ليس لأن الأرقام غير موجودة، بل لأن هناك من يختار ألا يراها، وهناك من يختار ألا يسمح للآخرين برؤيتها، وفي غياب هذه الرؤية، يظل المستقبل معلقاً بين وعود النمو التي ترسمها المؤسسات الدولية وواقع المعاناة الذي ترسمه حياة الملايين، وتظل العدالة الاجتماعية رهينة لحظة لن تأتي إلا حين يتحول السؤال من "كم عدد الفقراء؟" إلى "لماذا يُسمَح للفقر بالاستمرار؟" 

في النهاية، يكون السؤال الأكثر إيلاماً والأكثر إثارة للوعي ليس عن حجم الفقر، بل عن أسباب استمراره في ظل وفرة الموارد وقوة الدولة، وعن المسؤولية الأخلاقية لمن يمسكون بزمام القرار، وعن الضمير الجمعي لأمة تجد نفسها أمام مرآة الحقيقة، فلا تجرؤ على النظر فيها، وفي هذا الإحجام عن النظر تكمن المأساة الأعمق، لأن التحدي الحقيقي ليس في الفقر نفسه، بل في القدرة على مواجهته والاعتراف بوجوده، كخطوة أولى نحو تغييره، وإلا ستظل مصر، رغم كل مؤشرات النمو، رهينة لسؤال متكرر: كم عدد الفقراء؟ والسؤال الأعمق: متى يتوقف هذا العدد عن النمو؟ 
--------------------------------
بقلم: أحمد حمدي درويش

مقالات اخرى للكاتب

بين الأرقام وواقع الإصلاح الاقتصادي: لماذا تزداد معاناة المصريين، في حين تصفق المؤسسات الدولية؟