09 - 08 - 2026

"هل هذا لير؟".. مغامرة بصرية تعيد طرح أسئلة "الملك لير"

ضمن العروض التي أثارت اهتمام جمهور الدورة التاسعة عشرة من المهرجان القومي للمسرح المصري، جاء عرض "هل هذا لير؟" لجامعة القاهرة بوصفه تجربة لا تراهن على إعادة إنتاج النص الشكسبيري، بقدر ما تراهن على تفكيكه وإعادة طرح أسئلته من خلال وسيط بصري مختلف، هو مسرح العرائس، فالعنوان نفسه لا يعلن اليقين، وإنما يبدأ باستفهام : هل هذا لير؟، وكأن العرض يدعو المتفرج إلى مراجعة الصورة الراسخة عن الملك العجوز وعن السلطة، وعن الإنسان الذي يتحول تدريجيًا إلى دُمية تحركها شهواته وأوهامه.

منذ اللحظة الأولى، يضع العرض المتلقي أمام عالم تتداخل فيه الأجساد البشرية مع العرائس، فلا يعود من السهل التمييز بين من يقود الآخر؛ هل الإنسان هو من يحرك الدمية، أم أن الدمية هي التي تكشف هشاشة الإنسان؟ هذا الاختيار الإخراجي لم يكن مجرد حيلة بصرية، بل أصبح اللغة الأساسية التي تُقرأ من خلالها الحكاية، مانحًا النص بعدًا فلسفيًا يتجاوز إعادة سرد مأساة شكسبير، وقد لاقى العرض إشادة خلال مشاركته في مواسم نجوم المسرح الجامعي، قبل أن يواصل حضوره في المشهد المسرحي المصري باعتباره إحدى التجارب الجامعية اللافتة.

لا يقدم العرض الملك لير باعتباره شخصية تاريخية أو بطلاً تراجيديًا تقليديًا، وإنما يحوله إلى رمز للإنسان الذي يظن أن امتلاك السلطة يعني امتلاك الحقيقة، ومع كل قرار يتخذه، تبدو الخيوط التي تتحكم فيه أكثر وضوحًا، وكأن السلطة نفسها تتحول إلى خيوط ماريونيت غير مرئية. هنا ينجح العرض في تحويل العرائس من عنصر تشكيلي إلى استعارة درامية بالغة الذكاء.

أحد أهم إنجازات العرض يتمثل في الاقتصاد في استخدام الوسائل المسرحية، فلا يعتمد على ضخامة الديكور أو كثافة المؤثرات، بل يبني عالمه عبر الحركة والإضاءة والإيقاع، حيث ساهمت هذه العناصر في خلق فضاء بصري متغير باستمرار، يسمح بانتقال الأحداث دون افتعال، ويمنح المشاهد فرصة للتركيز على الدلالات أكثر من انشغاله بالزخرفة المسرحية.

كما يحسب للمخرج أنه لم يقع في فخ التقليد الشكسبيري، ولم يحاول منافسة العروض الكلاسيكية لـ«الملك لير»، بل اختار أن يبتعد عنها عمدًا، فالعرض لا يعيد بناء النص الأصلي بقدر ما يستعير روحه وأسئلته الكبرى: (السلطة – الغرور – الخيانة – الحقيقة – الجنون)، ومن خلال هذا الابتعاد، استطاع أن يمنح العمل استقلاليته الفنية.

على مستوى الأداء، قدم فريق التمثيل نموذجًا يؤكد تطور المسرح الجامعي المصري. فالتعامل مع العرائس يتطلب انضباطًا جسديًا ودقة في الإيقاع، لأن الممثل لا يؤدي الشخصية فقط، بل يخلق حياة كاملة للدمية التي يحملها. وقد نجح أغلب الممثلين في تحقيق هذا التوازن، فجاء الأداء منضبطًا وخاليًا من المبالغة، مع قدرة واضحة على الانتقال بين التعبير الجسدي والصوتي دون فقدان الإحساس الداخلي بالشخصية.

ورغم هذا النجاح، فإن العرض لم يخلُ من بعض الملاحظات النقدية. ففي عدد من المشاهد، بدا الاعتماد على الصورة البصرية أكبر من الحاجة الدرامية، فأصبح الإبهار التشكيلي يسبق تطور الحدث. كما أن الإيقاع تباطأ نسبيًا في المنتصف، نتيجة إطالة بعض اللوحات الحركية التي كان يمكن اختصارها دون أن تخسر الفكرة شيئًا. كذلك احتاجت بعض العلاقات بين الشخصيات إلى مساحة أكبر من البناء النفسي، حتى يصبح التحول الدرامي أكثر تأثيرًا.

إلا أن هذه الملاحظات لا تنتقص من القيمة العامة للعمل، بل تؤكد أن التجربة تملك طموحًا بصريًا كبيرًا يحتاج فقط إلى مزيد من التكثيف الدرامي، فالرهان على الصورة وحدها قد يغري أي مخرج، لكن قوة المسرح تظل في التوازن بين الفكرة والمشهد.

ويحسب لجامعة القاهرة أنها قدمت عرضًا يعكس تطور الحركة المسرحية داخل الجامعة، ويؤكد أن المسرح الجامعي لم يعد مجرد مساحة للتدريب، بل أصبح قادرًا على إنتاج عروض تنافس في المهرجانات الكبرى، وتطرح رؤى فنية جادة، وقد جاءت مشاركة الجامعة بهذا العرض ضمن سلسلة من النجاحات التي حققتها على مستوى المسرح الجامعي، بما يعكس استثمارًا حقيقيًا في المواهب الشابة والإبداع الطلابي.

إن العرض لا يجيب عن السؤال الذي يحمله عنوانه، بل يتركه مفتوحًا أمام الجمهور. هل هذا لير؟ ربما نعم، وربما لا. فكل سلطة تُعمي صاحبها، وكل إنسان يظن أنه يتحكم في مصيره بينما تقوده خيوط غير مرئية، يحمل شيئًا من لير. ومن هنا تنبع قوة العرض؛ إذ لا يكتفي بإعادة إنتاج مأساة شكسبير، بل يحولها إلى سؤال معاصر عن الإنسان في زمن تتعدد فيه الأقنعة، وتختلط فيه الأدوار، حتى يصبح الجميع، بطريقة أو بأخرى، عرائس تبحث عن اليد التي تحركها.
--------------------------------
بقلم: أمنية طلعت المصري