05 - 08 - 2026

دكتور خالد عزب ابن خلدون العصر الحديث

دكتور خالد عزب ابن خلدون العصر الحديث

يؤكد مؤرخو الحضارات أن الحضارة تُبني بالجوانب المادية واللامادية للمجتمعات، ولا يمكن للمجتمع أن يتفرغ للجانب اللامادي إلا بعد توفير قدر كبير من الأمان المعيشي، فلا يمكن لمجتمع يعاني من الجوع وقلة المال أن يتجه للفنون والعمارة والموسيقى وغيرها من الألوان الثقافية التي ترتقي بحياة المجتمع.

على أن الجوانب الثقافية هي التي ترتقي بالإنسان وتُجمِّل الحياة وتضفي عليها قيمة إنسانية عالية، وفي الحضارة المصرية القديمة الكثير من تلك الألوان الثقافية التي حفرها الفنان المصري على جدران المعابد والمسلات وداخل جدران المقابر، وكذا الكثير من الصناعات الزخرفية والتوابيت، فضلاً عن التحنيط والتقدم المذهل في كافة فنون الطب، حتى توصل المصري القديم لإجراء جراحات متقدمة في العظام والمج والقلب والأسنان.

ولما استنامت الحضارة المصرية القديمة وتقبلت وجود أغراب يحكمون البلاد لفترات طويلة خمدت شعلة تلك الحضارة، وصارت أطلالاً تحت الرمال انتظرت قروناً طويلة حتى جاء منْ يفتش عن أسرارها ويستخرج كنوزها للعالم، ومتاحف العالم الكبرى ممتلئة بتلك الروائع والكنوز.

ولما جاء اليونان لم يكن لديهم من القدرة على إنشاء حضارة مماثلة، فلما سمع سقراط ذاته عن عظمة أهرامات الجيزة قال مقولته الشهيرة" اعرف نفسك".

وجاء الرومان الذين لم يهتموا بالإنسان ولم يرعوا البنيان، وعطاءهم الحضاري قليل وبسيط للغاية.

ثم جاء الإسلام بثقافة دينية عميقة، تربط الإنسان بالإله مباشرة، وتحترم الأديان السابقة ومعتقدات الشعوب، ولما فتح المسلمون البلاد الحضارية (بلاد فارس- الشام – مصر) تأثروا بعمارة تلك البلدان ومدنها الكبرى، وبعد قرن من ظهور الإسلام ظهرت الشخصية الإسلامية في العمارة الإسلامية، سواء في التنظيم العمراني للمدن، وعمارة المساجد الجامعة الكبرى، وعمارة الأسواق والتجارة، والمنشآت المائية، وكذلك دور الحكام والقضاء وغيرها الكثير، هذه العمارة هي النهضة الكبرى التي توصل إليها الإنسان المسلم سواء في دمشق أو بغداد أو القاهرة أو تونس أو الأندلس في قرطبة وأشبيلية وغرناطة وغيرها الكثير، وحين دخل المعز لدين الله الفاطمي وأسس مدينة القاهرة، وخطط لبناء الجامع الأزهر لنشر المذهب الشيعي فإنه أقام هذه العمارة وفق رؤية وفلسفة إسلامية، وقد تحدث ابن خلدون (تونس 1332- القاهرة 1406م) في مقدمته الشهيرة عن هذا العمران وارتباطه بالإنسان.

وفي عصرنا الحديث حين نطالع في إصدارات المكتبة العربية لا نكاد نجد أكاديميين وخبراء كثيرين يحدثوننا عن أهمية العمارة بالنسبة للإنسان، وفي كتاب التاريخ الإجرامي للجنس البشري لكويلن ويلسون (ترجمة دكتور رفعت علي، المركز القومي للترجمة 2025م) أكد العلماء أن العمارة لها دور كبير في علاقة الإنسان بالجريمة، فكلما ساءت المساكن وضاقت الشوارع وحُرمت الناس من الشمس والهواء زادت الجريمة، وقد أجرت الولايات المتحدة الأمريكية تجربة على بعض المناطق السكنية المكتظة التي ترتفع فيها معدلات الجريمة، حيث نقلوهم للسكن في مجمعات سكنية أكثر رقياً وإنسانية (بها حدائق ومتنزهات)، فقلت معدلات الجريمة بنسبة تصل إلى 75%.

وهذا كله يعني أن السكن والعمارة لهما دور كبير في تشكيل اجتماعية الإنسان وتفاعله مع أفراد المجتمع بالسلب والإيجاب.

وفي خضم صراع القرن العشرين الطويل بين المعسكر الشيوعي الاشتراكي والمعسكر الرأسمالي، بين الشرق والغرب، ثم الحروب العالمية الأولى والثانية، ثم الحروب الباردة، والتقدم العلمي والتقني المذهل، في خضم هذه الصراعات تضيع فردية الإنسان، ولذلك زادت معدلات الجريمة، حتى ظهر في محيطنا الثقافي الأستاذ الدكتور خالد عزب (13 مايو 1966م) ليكتب في فقه العمارة الإسلامية مجموعة كتب ودراسات ميدانية، منها كتابه الهام العمارة الإسلامية من الصين إلى الأندلس ( دبي 2010م) وكتابه الأكبر: فقه العمران، الدولة والمجتمع والعمارة في حضارة المسلمين (الدار المصرية اللبنانية 2012م) وغيرهما الكثير من الكتب الجامعة والمتخصصة والتي تنبه على قيمة اجتماعية الإنسان من خلال العمارة التي لها خصائص عديدة في التأسيس والإنشاء والتنفيذ، حتى يصل الإنسان إلى العيش في بيت صحي، وحارة أو قرية صحية ومجتمع متكامل وصحيح، تقلُّ فيه الجريمة حتى تنعدم، ويتواصل فيه الناس، ويجدون في هذا المجتمع ما يكفيهم ويغنيهم عن الاستقلال في جيتوهات مستقلة تشبه الكمبوندات المعاصرة والأماكن المسوَّرة بأسوار ومقصورة على ناس تربطهم علاقات مادية فحسب.

وحين نصف الدكتور خالد عزب بأنه ابن خلدون العصر الحديث فإن هذا الوصف يؤكد أن الرجل قد نذر حياته كلها - وما يزال - للفقه العمراني، حيث يقول في مقدمة كتابه فقه العمران:" بدأ مشروع هذا الكتاب معي منذ أن التحقت بكلية الآثار جامعة القاهرة العام 1984م، حيث أتينا من بيئة ريفية متدينة بطبيعتها، ثار جدل بين زملاء الدراسة آنذاك حول دراسة الآثار هل هي حلالٌ أم حرامٌ، ترك بعضُ زملائنا الدراسةَ في الكلية وترك البعض الآخر قسم الآثار المصرية ليدرس الآثار الإسلامية، ولم يكن هناك مَن يتعاطى مع الأثر من منطلق أنه نتاجٌ لحضارة المسلمين، أو أن العظة والعبرة هي محل نظر من القرآن الكريم لآثار القدماء."( فقه العمران: صـ7)

من هذه الفقرة يتبين أن الجامعة المصرية في عاصمة البلاد كانت تعج بالآراء القوية التي ترى حُرمة دراسة الآثار ومعرفة إسهامات السابقين في الحضارة الإنسانية.

ومنذ هذا التاريخ وقد جاوز أربعين سنة - كسنوات تيه بني إسرائيل في سيناء - يكافح في دراسة وتأصيل قيمة معرفة الآثار الإسلامية، وقد خرج على المجتمع المصري والعربي بل والعالمي بهذا الكتاب الرائع؛ ليؤكد من خلاله أن المسلمين حين أسسوا عمارة راقية ارتقت بالإنسان، وقد رأينا الكثير من الرحَّالة الغربيين يشيدون بالعمارة والمدن الإسلامية، بل إن الكثير من هذه العمارة ما تزال موجودة حتى اليوم وهي من معالم المدن القديمة، كما أن السائح أو الزائر يشعر بطمأنينة شاملة حين يزور هذه الأماكن وخاصة المساجد الكبرى المنتشرة في ربوع البلاد، والكثير من البيوت العالية والخانقوات الصوفية وغيرها.

منذ أكثر من أربعين عاماً يكتب دكتور خالد عزب عن العمارة من كافة الجوانب، فله كتاب تحت عنوان" الماء في الحضارة الإسلامية" ( كتاب المجلة العربية، يوليو 2023م) والماء أصل الحياة، وأصل الحضارة، وأصل العمران، فمكة من دون زمزم لم تكن مأهولة بالعمران، فلما ظهرت زمزم هوت الأفئدة إليها، وكذا كافة المدن في الحضارة الإنسانية.

من خلال ذلك كله نؤكد أن الدكتور خالد عزب يهتم بأصل الحضارة ومنشئها واستمراريتها، وكافة ما يؤكده في كتبه ودراساته ولقاءاته الإعلامية من خلال دراسته عن الحضارة الإسلامية في فقه العمران هو ما تتوصل إليه الدراسات العلمية الحديثة في الشرق والغرب.

بقي أن نؤكد على ضرورة قراءة دراسات وكتب الدكتور خالد عزب برؤية حضارية معاصرة؛ لفهم معنى إنسانية وإسلامية الحضارة، وكيف يمكننا الإفادة من تلك الكتب لخلق حياة جديدة، تعبر بالإنسان المصري للمستقبل من خلال فهم المعنى الحضاري للعمران. 

 لكل هذا نطلق على الدكتور خالد عزب ابن خلدون العصر الحديث؛ حيث يقودنا عبر كتبه ودراساته للغد المأمول والمستقبل العظيم الذي يتسع للجميع، مستقبل يخلو من الجريمة والحرب والضياع، مملوءاً بالخير والحق والعدل والإنسانية والرحمة والحب.
----------------------------
بقلم: د. علاء الدين سعد جاويش

مقالات اخرى للكاتب

دكتور خالد عزب ابن خلدون العصر الحديث