10 - 08 - 2026

قبل أن تضيع الثقة بالكامل

قبل أن تضيع الثقة بالكامل

هناك لحظات في حياة الشعوب لا تقاس بالأرقام ولا بالإحصاءات، بل بحجم الألم الذي يسكن قلوب الناس. وهناك أزمات لا تنتهي بانتهاء الحدث، لأنها تترك وراءها شعورًا مريرًا بالخذلان وفقدان الثقة. وما شهدته مصر في ملف الثانوية العامة هذا العام، بالنسبة إلى آلاف الأسر، كان واحدًا من تلك اللحظات القاسية التي لن تُمحى بسهولة من الذاكرة

أكتب اليوم وأنا أب قبل أن أكون صاحب رأي. أكتب وأنا أنظر إلى ابن قضى سنوات عمره بين الكتب والمراجعات والاختبارات، وكان من المتفوقين طوال رحلته التعليمية، حتى وصل إلى الصف الثالث الثانوي وهو يحمل حلمًا مشروعًا كبقية أبناء هذا الوطن. حلم بُني على الاجتهاد والانضباط والإيمان بأن التفوق له ثمن وأن الدولة ستضمن العدالة لكل من بذل الجهد واستحق النجاح

لكن ما حدث هذا العام ترك جرحًا عميقًا في نفوس الطلاب وأسرهم. لم يكن الأمر مجرد أرقام على ورقة أو نتائج على شاشة، بل كان شعورًا عامًا بأن هناك أزمة حقيقية تستوجب الوقوف أمامها بكل شجاعة وشفافية ومسؤولية

إن الغضب الذي اجتاح البيوت المصرية لم يأتِ من فراغ. فالأسر التي تحملت أعباء اقتصادية ونفسية هائلة من أجل تعليم أبنائها لم تعد تقبل أن يتم التعامل مع مخاوفها وكأنها مجرد ضجيج عابر

المواطنون يريدون إجابات واضحة، ويريدون مسؤولين يتحملون مسؤولياتهم عندما تقع الأزمات

ومن هنا فإن أول خطوة ضرورية لاستعادة الثقة هي تحمل المسؤولية السياسية الكاملة عما حدث. إن بقاء وزير التعليم في موقعه رغم حجم الجدل والغضب الشعبي لا يسهم في تهدئة الشارع، بل يزيد من حالة الاحتقان ويعمق الشعور بأن أحدًا لا يُحاسب مهما كانت النتائج

إن المطالبة بإقالة وزير التعليم ليست قضية شخصية، وليست تصفية حسابات مع فرد بعينه، بل هي دفاع عن مبدأ أساسي في أي دولة حديثة: مبدأ المسؤولية والمحاسبة. فالمناصب العامة ليست ملكًا لأصحابها، وإنما تكليف يرتبط بالنجاح والإخفاق، وبقدرة المسؤول على الحفاظ على ثقة المواطنين

لقد أصبح من الضروري أن تصل رسالة واضحة إلى كل مسؤول: مستقبل أبناء المصريين ليس مجالًا للتجارب، وأحلام الأسر ليست أرقامًا يمكن تجاوزها في التقارير الرسمية. فحين يشعر ملايين المواطنين بأن هناك أزمة حقيقية، لا بد أن تكون هناك استجابة حقيقية بحجم الأزمة

والأخطر من الأزمة نفسها هو ما تتركه من آثار على الثقة العامة. فالثقة هي رأس مال الدولة الحقيقي، وإذا اهتزت يصبح إصلاحها أصعب بكثير من إصلاح أي خطأ إداري أو فني. المواطن قد يتحمل الظروف الصعبة، وقد يصبر على الأزمات، لكنه لا يقبل أن يشعر بأن صوته لا يُسمع وأن معاناته لا تجد من يتفاعل معها بجدية.

إن مصر تستحق منظومة تعليمية تزرع الأمل لا الإحباط، وتصنع الثقة لا الشكوك، وتحمي أحلام الطلاب بدلًا من أن تضعها في مهب الأزمات المتكررة. كما تستحق مؤسسات قادرة على الاعتراف بالأخطاء قبل أن تتفاقم، وعلى اتخاذ قرارات شجاعة تعيد للمواطنين شعورهم بأن العدالة ما زالت ممكنة.

اليوم لا يطالب الناس بالمستحيل. إنهم يطالبون بالمحاسبة، والشفافية، وتحمل المسؤولية، وإعادة الاعتبار لطلاب اجتهدوا وأسر ضحت. وهذه المطالب ليست ضد الدولة، بل من أجل الدولة. لأن الدول القوية لا تُبنى بتجاهل الغضب الشعبي، وإنما ببناء جسور الثقة مع المواطنين واحترام مشاعرهم والاستجابة لمطالبهم المشروعة

ويبقى السؤال الذي ينتظر المصريون إجابته: هل تكون هناك قرارات حاسمة تعيد الثقة وتفتح باب الإصلاح الحقيقي، أم يستمر تجاهل الغضب حتى تتسع الفجوة بين المواطنين ومن يفترض أنهم يعملون لخدمتهم؟

إن التاريخ لا يتذكر المبررات بقدر ما يتذكر المواقف. أما أبناء هذا الوطن، فهم يستحقون من الجميع موقفًا يليق بأحلامهم ومستقبلهم.
------------------------------------
بقلم: محمد عبدالمجيد هندي


مقالات اخرى للكاتب

قبل أن تضيع الثقة بالكامل