أسهمت نشأة وليد جنبلاط، زعيم الطائفة الدرزية بلبنان، في بيت يحترف السياسة في تشكيل فكره ونظرته للحياة، ومنحته تعقيدات السياسة في لبنان مجالًا خصبًا لاكتساب الخبرات؛ تارة بالدراسة، وتارة أخرى بالممارسة.
بعيدًا عن أفكار المحاصصة والطائفية واختلاف التوجهات، التي تفت من عضد الدول وتتنازع كياناتها، تحرص الأسر اللبنانية العريقة سياسيًا على دراسة أبنائها للتاريخ، وتعلم فنون السياسة، ودمجهم في معتركاتها، استعدادًا للحظة يتقدم فيها الأبناء خطوة للأمام، في الوقت الذي يتراجع فيه الآباء خطوة للخلف، والأسباب مختلفة.
تكرر مشاهد التوريث في كثير من بيوت زعماء لبنان؛ ففي يونيو 2023 تراجع وليد جنبلاط نحو الظل، وتولى ابنه تيمور قيادة الحزب التقدمي الاشتراكي الذي أسسه جدّه كمال جنبلاط قبل عقود. وقبله، خلف سعد الحريري والده رفيق الحريري في قيادة تيار المستقبل إثر اغتيال الأخير عام 2005. وفي تيار المردة، ورث سليمان طوني فرنجية الحفيد الزعامة عن جدّه سليمان فرنجية. وتكرر المشهد ذاته في حزب الكتائب حين تولى سامي الجميّل الزعامة خلفًا لوالده أمين الجميّل. تيارات وأحزاب سياسية، تتوارثها الأجيال، واحدًا بعد آخر.
في حلقات أسبوعية، يقدم الإعلامي أحمد منصور شهادة السيد وليد جنبلاط على العصر. يعلم منصور أنه أمام رجل من طراز مختلف، لذا يقف أمام دقات ساعة الزمن ما استطاع إلى الوقوف سبيلاً، فإذا لم يكن هناك بُد تمهل وتباطأ وتثاقل، يبحث منصور عن صور للمشاهد الواحد من أكثر من زاوية، إن لم يكن كل الزوايا، يريدها صورًا نابضة بالحركة والصوت، وحبذا لو أمكنه النفاذ إلى ما خلف الصورة، والسيد وليد يتنقل بين التواريخ كعصفور قلق يراوح بين براح الأرض والفضاء، حتى مع يقينه بأنهما مكتظان بالفخاخ والنبال.
فضلاً عن أنه كان جزءًا من التاريخ، يمتلك وليد جنبلاط رؤية استشرافية، قد لا تتوافر لدى الكثيرين في الوطن العربي، أسهمت النشأة في بيت سياسي يمتلك الزعامة، والاختلاط بدوائر مختلفة في الوطن العربي، ومعاصرة، فضلاً عن المشاركة في أحداث جمة كان لها تأثيراتها المتتابعة على لبنان والمنطقة، هذا إلى جانب ولع الرجل بالقراءة والاطلاع على أحدث ما يصدر من كتب في مجالات التاريخ والسياسة، ساعدت كل هذه العوامل في أن يكون الرجل سياسيًا أقرب في نظرته للمستقبل إلى بعد نظر زرقاء اليمامة.
لذا، كان كلما قفز جنبلاط بالأحداث عامًا أو عامين، أعاده منصور في صبر وهدوء إلى حيث كان. وجنبلاط لا يقفز في شهادته ليداري أو يُجمل، لكنها سياقات الأحداث السياسية التي تلتف حول نفسها وغيرها كعيدان المكرونة السباجيتي في طبق بلا قرار.
دفن جنبلاط والده المغدور، ووقف معترضًا طريق من رفعوا راية الثأر من عشيرته، وحبس نهر دم. كان يعلم أن القاتل لا يسكن التلة المجاورة، وإنه يقيم خارج الحدود، بل ويعلم من هو وأين يقيم، ومع هذا، وفي سبيل الحفاظ على العشيرة والتوازنات، زار القاتل في عرينه وصافحه وجهًا لوجه، وكان في حديث العيون، ما يُغني عن حديث الألسنة.
غير أن أكثر ما استوقفني في شهادته، لم يكن حديثه عن السياسة ولا عن الحرب، وإنما تلك المفارقة التي لخصت طبيعة المرحلة كلها، وعبرت عن مستوى شفافية قلما يتكرر.
عفوي هو السيد جنبلاط في شهادته، لا يداري أخطاء، ولا يحمل في جيبه صبغات تجميل، بل إنه لا يجد غضاضة في السخرية من بعض تصرفاته الشخصية، وتحمل تبعاتها السلبية؛ عندما خلت بعض مقاعد مجلس النواب، لم يجد حرجًا في تعيين نفسه نائبًا، وقد كان. وفي الوقت الذي يحرص فيه الدروز على قراءة كتب الحكمة المقدسة لديهم، لا ينشغل هو بذلك الأمر. لكن المفارقة الكبرى جاءت حين ذكر أنه، خلال توليه حقيبة وزارة السياحة في وزارة رشيد كرامي منتصف الثمانينيات، وفي الوقت نفسه كان زعيمًا لدروز الجبل، بما فيها الميليشيات التابعة.
كانت هذه حال العديد من المسئولين؛ وزراء نهارًا وزعماء عشائر مساءً؛ الأمر الذي أطلق عليه البعض وصف "وزير في الصباح، وقائد ميليشيا في المساء!"، فيهزّ جنبلاط كتفيه بعفوية، ويوافق بلهجته اللبنانية اللطيفة على وصف رجل الشارع، قائلًا: (إيه نعم). جملة عابرة، لكنها تختصر طبيعة لبنان في تلك المرحلة كلها؛ وقتٌ كانت الدولة والميليشيات فيه تتقاسمان البلد!
--------------------------
بقلم: د. م. محمد مصطفى الخياط
[email protected]






