يمكن القول بأن العملات الرقمية، هي عبارة عن تمثيل نقدي للقيمة، بمعنى أنها عملات وهمية تتكون من أكواد، وتنشأ من خلال قيام المنصة المُصدرة لها، ويقوم من يريد امتلاكها بإدخال بياناته، عبر تطبيقات رياضية، ثم الإجابة على كل ما يطرح عليه من أسئلة، وبعد ذلك يتم إعادة تسمية النقود الحقيقة باسم رقم جديد (بتكوين أو الإيثيريوم، أو غيرها)، يقوم المشتري بتحويل النقود المادية مقابل امتلاك هذه النقود الرقمية، التي يتم تخزينها على المنصة المصدرة لها، وعندما يريد مالك هذه العملة المشفرة استرداد أمواله، تقوم الجهة المصدرة بتحويلها إليه على هيئة نقود حقيقة، مضافًا إليها الأرباح، أو مخصوم منها الخسارة، طبقًا لقانون العرض والطلب في أسواق بيع العملات المٌشفرة,
وتتصف هذه النقود بأنها عبارة عن وحدات إلكترونية، ولا يمكن تداولها إلا بعد تحويلها إلى نقود حقيقة، لشراء السلع والخدمات، كما أنها غير متجانسة، وقابلة للانقسام يمكن تحويلها إلى وحدات أقل، يجعل التعاملات بها مرنا وسريعا.
أولا: نشأة النقود الرقمية: ظهرت العملة المُشفرة لأول مرة في عام 1987م، على يد المُبرمج " ديفيد هيوم" ولكنها واجهت مقاومة شديدة، مما أدى إلى فشل المحاولة الأولى.
وحتى يتم إقناع العملاء بالتعامل بها، طرح كل من: دوغلاس جاكسون وباري داوني، أول عملة رقمية مغطاة بالذهب بالولايات المتحدة الأمريكية في 1996م، تم عمل أكثر من مليون حساب، ولكن هيئة المُحلفين الفيدرالية، اتهمت المتعاملين بها بتهم غسيل الأموال.
وبعد عدة محاولات ظهر البتكوين عام 2008 تحت اسم رمزي "ساتوشي ناي موتو" كنظام جديد للدفع الإلكتروني المُشفر، وتمت أول عملية شراء للسلع بالعملة الرقمية في ولاية فلوريدا الأمريكية، مايو 2010م، حيث تم شراء قطعة بيتزا بمبلغ 10 آلاف بتكوين، وبما يعادل 25 دولار، وانتشر بعد ذلك تداول البيتكوين وغيره من عملات على شبكة الانترنت. ويُعد البتكوين من أكثر العملات الرقمية المستقرة، لأنها مرتبط بأصول احتياطية كالدولار..
ثانيًا: سوق العملات الرقمية في العالم وسبل تأمينها: بلغ عدد العملات المشفرة في إبريل 2025 أكثر من 17 ألف عملة، يستخدمها حول العالم نحو 861 مليون مستخدم، بمعدل نمو يقدر بنحو 15.60٪ سنويًا. وتقدر القيمة السوقية للعملات الرقمية المسجلة بالمنصات الرقمية، في بداية عام 2026، بنحو 2.3 : 3.57 تريليون دولار، مع حجم تداول يومي يتراوح بين 100: 220 مليار دولار، ويستحوذ البيتكوين على نحو 58% من حجم التعاملات.
وتزعم المنصات المصدرة لهذه العملات، بأنه يتم تأمينها باستخدام تقنية "البلوك تشين" أو سلسلة الكتل، وهذه التقنية تقوم على تُخزَّن البيانات في سجلات موزعة، بطريقة مُشفَّرة وغير قابلة للتغيير لتوفير الأمان، ويتم التحقق من المدخلات عبر عُقد الشبكة بواسطة خوارزميات توافق الآراء، مما يُشكل نظامًا لا مركزيًا في الحماية، يضمن سلامة الشبكة، بحيث تكون نسبة الأخطاء صفرا.
ومن المتوقع أن يتم التوسع في استخدام تقنية "البلوك تشين" في تطبيقات الهواتف المحمولة، وهذا الأمر سوف يجعل كل هاتف بمثابة صراف آلي للعملات المُشفرة والنقدية في آن واحد..
ثالثًا: الدول التي تقر التعامل بالعملات الافتراضية: أكثر الدول التي تستخدم العملات الرقمية هي كل من: الولايات المتحدة وكندا وبعض الدول الأوروبية مثل: مالطا، وبريطانيا وفرنسا، في آسيا كل من هونج كونج، وسنغافورة. ولم تمنع مجموعة السبع الأوروبية في عام 2015م، استخدام العملات الرقمية، ولكنها طالبت بسن قوانين مشددة لتنظيم هذه العملية، كما أن محكمة العدل الأوروبية في أكتوبر 2015م، دعمت شرعيتها عندما اعتبرتها عملة تقابل الحصول على السلع والخدمات
وفي مجال امتلاك البنية التحتية لأجهزة الصراف الآلي للعملات الرقمية في العالم، فسوف نجد الدول الغربية تستحوذ على نحو 92% منها، حيث يوجد بالولايات المتحدة وحدها نحو 30247 آلة، بما يوازي 77.7%، وتليها كندا بنحو 3839 وحدة، وبما يعادل 9.9%، أما أوروبا فيوجد بها نحو 1727 آلة، وبما يعادل ل 4.4%، أما آسيا وباقي دول العالم لا يوجد بها سوى 8% وذلك حتى مارس 2026م.
وعلى الرغم من ذلك سوف نجد أن نسبة استخدام الأموال الرقمية في هذه الدول ضئيل للغاية، إذا ما قورن باستخدام وحدات النقد التقليدي، فعلى سبيل المثال، بلغ التعامل بالعملات الرقمية في شهر إبريل عام 2021 بالولايات المتحدة الأمريكية نحو 300 مليار دولار، مقابل التعامل بنحو 113 تريليون دولار في نفس الفترة بمعدل 3 في الألف تقريبًا، وهي نسبة غير مؤثرة، وتستخدم في تسوية معاملات حقيقية خصما من رصيد العملات الرقمية.
رابعًا: الدول التي تمنع استخدام العملات الافتراضية: الدول التي تمنع التعامل بها كل من: روسيا والصين، وجنوب إفريقيا، والجزائر، والمغرب، وبلجيكا، ومصر، والمغرب، وقد حظر البنك المركزي المصري التعامل بها إلا بعد الحصول على ترخيص بذلك، حتى لا تستخدم في العمليات الإرهابية وغسيل الأموال، كذلك البنك المركزي الأردني يحظر استخدامها.
وهذا المنع يتفق مع موقف بعض المؤسسات المالية الدولية، فعلى سبيل المثال نجد أن صندوق النقد الدولي، قد حذر من خطر استخدام العملات الرقمية خوفًا من الاحتيال والنصب وغسيل الأموال، أما بنك التسويات الدولية، فيرى أن هناك صعوبة في التعامل بها، نظرًا لتغيير قيمتها ارتفاعًا وانخفاضًا، وهذا يعطي انطباعًا بعدم الثقة. أما البنك المركزي الأوروبي فقد منع الدول الأعضاء من إصدار العملات الرقمية.
خامسًا: مخاطر العملات الرقمية: من أهم الأخطار التي تواجه المستثمرين في العملات المُشفرة ، صعوبة السيطرة على الأسواق، لأن تقلب الأسعار نتيجة للعرض والطلب، أو تلاعب المصدرين لها، أو احتمالات الاختراق، كل ذلك يهد بخفض قيمتها السوقية بنسب قد تصل إلى 80% في بعض الحالات.
وتكمن المخاطر الاقتصادية التي تواجه الدول، في تحول جزء من رأس المال، بعيد عن أسواق الإنتاج السلعي، من أجل تحقيق الأرباح السريعة، أضف إلى ذلك المخاطر الأمنية، والتي تتمثل في جرائم غسيل الأموال، أو تمويل تجارة المخدرات والإرهاب.
ويتطلب تعدين هذه العملات، أو التحقق منها، استخدام طاقة كهربية كبيرة، فعلى سبيل المثال بلغ استهلاك الطاقة من أجل التحقق من البيتكوين، بالولايات المتحدة الأمريكية، في يناير 2021، نحو 150 مليون تيرا هاشة في الثانية، وهذا الاستهلاك الكبير يرفع معدلات انبعاث غاز ثاني اكسيد الكربون، الذي يلوث البيئة.
سادسًا: مستقبل العملات الرقمية: لم تكن هناك حاجة إلى العملات الرقمية، من أصله، لأن كافة التحويلات المالية الدولية، تخضع لنظام السوفت، وهي نظام تابع لجمعية الاتصالات المالية العالمية بين البنوك، والذي تأسس في بلجيكا عام 1973، وبدأ العمل به في عام 1977، وهو نظام يمثل شبكة آمنة وفائقة السرعة للمراسلة المالية، التي تربط بين أكثر من 11.5 ألف مؤسسة مصرفية في 200 دولة، وأن هذه المؤسسات المصرفية تتعامل في أموال تحميها الدول عبر قوانينها الراسخة.
كما أن هذه البنوك، تتيح للأفراد فرص متنوعة، كالاستثمار في البنوك، أو في شراء أذونات الخزانة، علاوة على الاستثمار في الأسهم والسندات، ومن حيث السرعة يمكن للفرد الذي يحمل بطاقة الصراف الآلي "الفيزا"، أن يسحب النقود بأي عملة، في أي مكان بالعالم، أو تسوية مشترياته، ومن حيث الأمان لا يوجد أفضل من المؤسسات المصرفية التي تشرف عليها الدولة الوطنية.
في حين أن العملات الرقمية، التي يدفعها ثمنها المشترى، أو يقبض قيمتها البائع، والتي لا تخضع لرقابة مركزية، عبارة عن تحويلات نقدية تمر عبر نظام سويفت، وكل ما يحدث هو تسجيلها بالمنصات على هيئة أرقام كودية، لحين استرداد قيمتها، بالدولار، أو اليورو، أو الين وغيرها.
الخلاصة: يمكن وصف العملات الرقمية، بأنه تلاعب بالألفاظ بإطلاق اسم جديد على النقود، وذلك لتبرير الاتجار بالمال، في عملية يمكن تسميتها بالقمار المالي، لأن الأرباح أو الخسائر التي تنشأ عن استخدام هذه العملات، وانما تحدث نتيجة التلاعب في حجم العرض، في مواجهة تذبذب الطلب، أو بتلاعب مصدرها بالخفض لتحقيق الربح، أو الرفع المؤقت لجلب عملاء جديد، وبالتالي سيظل مستقبلها مرتبط بالخداع، وجرائم غسيل الأموال، ومستقبلها في عصر الذكاء الاصطناعي، مرهون برفع درجات الوعي لدى العملاء.
----------------------------
بقلم: د. صلاح شعير
* أديب وخبير اقتصادي - مصر







