من صانع الفرص البديلة إلى الحارس الأمين لمسرح الفلاحين
تحولت الندوات الفكرية بالدورة التاسعة عشرة من المهرجان القومي للمسرح المصري، برئاسة الفنان محمد رياض، إلى مساحة ثرية لاستعادة تجارب صنعت تاريخ المسرح والدراما المصرية، وفتح نقاشات جادة حول مستقبل الفنون الأدائية وعلاقتها بالجمهور. وبين تكريم الكاتب والسيناريست وليد يوسف، والاحتفاء بالمخرج صبري ناصف، ومناقشة إشكالية «المسرح الراقص بين الشعبي والنخبوي»، رسمت الفعاليات على مدار يومين صورة لمهرجان لا يكتفي بعرض المسرح، بل يعيد قراءة تاريخه، ويطرح أسئلة مستقبله.
وليد يوسف.. عشرون عامًا من الصبر انتهت بـ "الدالي"
جاءت ندوة مناقشة وتوقيع كتاب وليد يوسف .. صانع الفرص البديلة لتقدم قراءة مختلفة في رحلة أحد أبرز كتاب الدراما والمسرح، حيث أدارها الناقد أحمد خميس الحكيم، بمشاركة الكاتب وليد يوسف والناقد باسم صادق مؤلف الكتاب.
منذ اللحظات الأولى للندوة، أكد أحمد خميس الحكيم أن وليد يوسف لم يصل إلى مكانته عبر طريق ممهد، بل عبر سنوات طويلة من الصبر والإصرار، مشيرًا إلى أن كثيرًا من نصوصه المسرحية توقفت قبل التنفيذ رغم اكتمال البروفات، وأن تجربة مثل "مات الملك" كادت تدفع أي كاتب إلى الابتعاد عن المسرح، إلا أن يوسف تمسك بمشروعه حتى نجح في فرض حضوره.
وأوضح الحكيم أن الكاتب انشغل منذ بداياته بقضايا المجتمع المصري، وحرص على كتابة نصوص تشتبك مع الواقع والتاريخ في آن واحد، وهو ما جعله يحظى بثقة عدد من أبرز المخرجين، من بينهم خالد جلال، وعصام السيد، ومحسن حلمي، وأشرف زكي، قبل أن يشكل مسلسل «الدالي» نقطة التحول الكبرى في مشواره.
نور الشريف... الشريك الذي غيّر المسار
بدوره، كشف وليد يوسف أن لقائه بالفنان الراحل نور الشريف اختصر ما يقرب من عشرين عامًا من رحلة الكفاح، مؤكدًا أن نجاح «الدالي» لم يكن بسبب اختلاف جودة الكتابة، وإنما بسبب المنصة الجماهيرية التي وصل من خلالها العمل إلى ملايين المشاهدين.
وقال إن نور الشريف لم يكن مجرد ممثل يؤدي دوره، بل كان شريكًا حقيقيًا في صناعة العمل، يمتلك ثقافة استثنائية، ويقرأ باستمرار، ويتابع الوثائق والمراجع التاريخية، ويشارك في تطوير الشخصيات والأحداث، خاصة أن المسلسل تناول التحولات الاقتصادية والاجتماعية في مصر عبر عقود طويلة.
واستعاد يوسف بداياته الأولى مع المسرح، حين دفعه أحد أساتذته في المرحلة الإعدادية إلى قراءة عشرات النصوص المسرحية، قبل أن يتجه إلى دراسة السيناريو بنفسه من خلال أعمال أسامة أنور عكاشة ومحسن زايد وصالح مرسي، مؤكدًا أن أول مشهد كتبه وهو في الخامسة عشرة من عمره كان الشرارة التي صنعت مسيرته.
باسم صادق: النجاح الحقيقي هو القدرة على صناعة فرصة جديدة
أما الناقد باسم صادق، فأوضح أن عنوان الكتاب لم يكن اختيارًا أدبيًا فحسب، بل توصيفًا دقيقًا لمسيرة وليد يوسف، الذي اعتاد تحويل الأزمات إلى بدايات جديدة، فعندما تعثرت نصوصه المسرحية، لم يتوقف، بل انتقل إلى السيناريو، وبدأ في دراسة مدارس مختلفة في الكتابة، حتى نجح في بناء مشروعه الخاص.
وأشار إلى أن نشر النصوص المسرحية كان أحد أهم رهانات الكاتب، لأنه كان يؤمن بأن النص المنشور يعيش أطول، ويمنح المخرجين وفرق الأقاليم فرصة لاكتشافه، كما أكد أن قصور الثقافة لعبت دورًا محوريًا في اكتشاف موهبته، بينما ترك كل من نور الشريف وكرم مطاوع أثرًا عميقًا في تشكيل شخصيته الفنية، إلى جانب تطور نظرته للعلاقة بين الكاتب والمخرج، وإيمانه بحق المخرج في إعادة قراءة النص وتقديمه برؤية جديدة.

صبري ناصف... حارس المسرح الذي رفض الوظيفة واختار الخشبة
وفي محافظة الدقهلية، احتفى المهرجان بالمخرج المسرحي صبري ناصف، من خلال ندوة لتوقيع كتاب «صبري ناصف.. الحارس الأمين لمسرح الفلاحين» للدكتور إيهاب الشربيني، وأدارتها الدكتورة صفاء البيلي.
وأكدت صفاء البيلي أن صبري ناصف يمثل نموذجًا للفنان الذي آمن بأن رسالة المسرح لا تقتصر على العاصمة، بل تمتد إلى القرى والنجوع، حيث استطاع الحفاظ على تجربة " مسرح الفلاحين" لعقود، وتحويلها إلى أحد أهم نماذج المسرح المرتبط بالمجتمع.
من جانبه، أوضح الدكتور إيهاب الشربيني أن الكتاب جاء لتوثيق رحلة إنسانية وفنية تستحق أن تبقى في ذاكرة المسرح المصري، لما تحمله من دروس في الإيمان بالفن والعمل الثقافي الجاد.
زيارة غيرت تاريخ الفرقة
واستعاد صبري ناصف واحدة من أبرز محطات مسيرته، عندما أصر على دعوة الدكتور سمير سرحان لمشاهدة أحد عروض الفرقة داخل قرية المقاطعة، وليس في القاهرة.
وجاء سرحان بالفعل مصطحبًا عددًا كبيرًا من النقاد والصحفيين، لتتحول الزيارة إلى حدث ثقافي لافت، انتهى بدعم الفرقة بمبلغ ألفي جنيه عام 1988، وهو ما منحها دفعة كبيرة للاستمرار.
وكشف ناصف عن موقف آخر جمعه بسرحان، حين عرض عليه العمل بوزارة الثقافة، لكنه اعتذر مفضلًا الحفاظ على استقلاله، مؤكدًا أنه لم يشأ أن يتحول المسرح إلى وظيفة، حتى يظل قادرًا على التعبير بحرية والدفاع عن فرق الأقاليم.
كما تحدث عن الدروس التي تعلمها من الكاتب عبده دياب، خاصة فيما يتعلق بإدارة الإيقاع والصمت فوق خشبة المسرح، مؤكدًا أن استمرار تجربة «مسرح الفلاحين» لم يكن نتاج جهد فردي، وإنما ثمرة عمل جماعي شارك فيه عشرات الفنانين.
ولم يخف ناصف حزنه على تراجع الحركة المسرحية في الأقاليم، مشيرًا إلى أن الفرق كانت تقدم في الماضي عشرات العروض كل موسم، بينما أصبحت العروض اليوم محدودة، مطالبًا بإعادة النظر في آليات الإنتاج والتوزيع حتى يعود المسرح إلى جمهوره الطبيعي.
محمد رياض: المهرجان في كل مصر
وفي ختام الندوة، أكد الفنان محمد رياض أن انتقال فعاليات المهرجان إلى المحافظات يمثل أحد أهم إنجازات الدورات الأخيرة، مشيرًا إلى أن هذه التجربة أصبحت جزءًا أساسيًا من فلسفة المهرجان، الهادفة إلى وصول المنتج المسرحي والثقافي إلى مختلف المحافظات، وليس إلى الفنانين وحدهم.
ووجه رياض الشكر إلى خالد اللبان، رئيس الهيئة العامة لقصور الثقافة الأسبق، لدوره في دعم انتشار الفعاليات، كما أشاد بحفاوة استقبال أهالي المنصورة، مؤكدًا أن شعار «المهرجان القومي للمسرح... في كل مصر» لم يعد مجرد شعار، بل أصبح واقعًا يتحقق عامًا بعد آخر.
"وصلة" يناقش المسرح الراقص... هل المشكلة في الفن أم في طريقة تقديمه؟
وفي واحدة من أكثر الندوات الفكرية تفاعلًا، واصل مساروصلة فعالياته بندوة بعنوان المسرح الراقص بين الشعبي والنخبوي، أدارتها الكاتبة والناقدة رشا عبد المنعم، بمشاركة المخرج ومصمم الاستعراضات وليد عوني، والدكتورة رجوى حامد.
واستهلت رشا عبد المنعم الحوار بطرح السؤال الذي هيمن على الندوة: هل تكمن النخبوية في طبيعة المسرح الراقص، أم في الطريقة التي يُقدم بها إلى الجمهور؟ مؤكدة أن الأزمة ليست في الفن ذاته، وإنما في آليات التواصل مع المتلقي.
وليد عوني: كل فن جديد يُتهم بالنخبوية
أكد وليد عوني أن كل الفنون الجديدة تعرضت في بداياتها لاتهامات مماثلة، مشيرًا إلى أن تجربة الرقص المسرحي الحديث في مصر واجهت رفضًا واسعًا في البداية، قبل أن تنجح في بناء قاعدة جماهيرية عندما اقتربت من الهوية المصرية، واستلهمت شخصيات ورموزًا مثل تحية كاريوكا، ونجيب محفوظ، وشادي عبد السلام.
وأوضح أن الرقص الحديث لا يعتمد على الحكاية التقليدية، بل على الصورة والرمز والحركة، وأن قيمة العرض تكمن في تعدد قراءاته، لا في فرض معنى واحد على الجمهور، كما شدد على أن التراث الشعبي يظل مصدرًا لا ينضب للإبداع، إذا أعيد تقديمه برؤية معاصرة.

رجوى حامد: الجمهور لا يعادي الرقص الحديث
من جانبها، أكدت الدكتورة رجوى حامد أن الرقص الحديث يمتلك قدرة كبيرة على مخاطبة جميع الفئات، شرط أن ينطلق من فكرة إنسانية واضحة، مشيرة إلى أن الجمهور لا يرفض هذا الفن، وإنما يبحث عن أعمال تمس قضاياه وتخاطبه بلغة بصرية قريبة منه.
وأضافت أن تعدد تأويلات الجمهور يمنح العمل الفني ثراءً أكبر، لأن الفن الحقيقي لا يقدم إجابة واحدة، بل يفتح المجال أمام كل متلقٍ ليعيد إنتاج معناه الخاص.
المهرجان... حين يصبح المسرح حوارًا مع المجتمع
كشفت فعاليات اليومين السابقين أن المهرجان القومي للمسرح المصري بات يتجاوز فكرة الاحتفاء بالعروض إلى مشروع ثقافي متكامل، يوثق تجارب المبدعين، ويعيد الاعتبار لذاكرة المسرح المصري، ويفتح نقاشًا مستمرًا حول قضايا الفن والجمهور. وبين قصص الكفاح التي جسدها وليد يوسف، وتجربة الوفاء للمسرح التي قدمها صبري ناصف، وأسئلة المسرح الراقص التي طرحها مسار " وصلة"، بدا واضحًا أن المهرجان يواصل ترسيخ مكانته بوصفه أحد أهم المنابر الثقافية التي تجمع بين التوثيق، والتكريم، والحوار، في دورة تؤكد يومًا بعد آخر أن المسرح لا يزال قادرًا على صناعة الوعي، تمامًا كما يصنع الجمال.
------------------------------------
كتبت - أمنية طلعت المصري






