في سابقة تعيد رسم ملامح الجيوبوليتيك العالمي، يقف ترامب - الذي يمثل قيادة أعظم قوة وجيش في العالم - متراجعاً أمام إيران للمرة الخامسة. هذا التراجع المتكرر لم يأتِ صامتاً، بل كان مسبوقاً في كل مرة بتهديدات أمريكية كارثية توعدت بـ "التدمير" و"فناء الحضارة". تنوعت أشكال هذه التهديدات؛ فتارة لوّح بضرب جزيرة "خرج" النفطية، وتارة باحتلال الجزيرة ذاتها، ومرة أخرى بفتح مضيق هرمز بالقوة العسكرية. ورغم كل هذا الضجيج، كانت النتيجة دائماً هي التراجع، متدثراً بحجج واهية لتبرير حفظ ماء الوجه؛ مثل الادعاء بأن باكستان تدخلت للوساطة، أو أن إيران وافقت وتراجعت، أو بحجة أن دول الشرق الأوسط هي التي طلبت التهدئة.
التهديد مقابل التهديد: معضلة الفاعلية والنجاعة
في الجولة الأخيرة، هدد ترامب بضرب كل شيء حيوي، مركزاً على محطات الطاقة وآبار النفط. لكن في كل محطة من محطات هذا الصراع، كان التهديد الإيراني يقابل الوعيد الأمريكي بوعيد أقوى، وأشد نجاعة، وأكثر قدرة على التنفيذ الفعلي.
بالأمس، تجلى هذا في رسالة إيرانية واضحة وحاسمة: إغلاق شامل لكل شرايين الملاحة، وتحديداً مضيقي "باب المندب" و"هرمز"، بالتزامن مع تحريك كافة القوى التابعة لها في ساحات العراق، ولبنان، واليمن. هذا التكتيك يفسر كيف تدير طهران المعركة؛ فهي لا تعتمد على المواجهة النظامية المباشرة مع الجيش الأمريكي، بل على خنق الخصم جغرافياً وعسكرياً من خلال جبهات متعددة تجعل السيطرة الأمريكية مستحيلة.
"العمى الاقتصادي" وإنهاء ممالك الخليج
التصعيد الإيراني لم يقف عند خطوط الملاحة، بل وجه تهديداً مباشراً وواضحاً لدول الخليج: لن يبقى بئر بترول واحد أو مصفاة تعمل في الخليج كله، سواء للغاز أو النفط.
تفسير هذا التهديد يضعنا أمام سيناريو كارثي؛ فضرب آبار النفط والبنية التحتية يعني دخول العالم في حالة من "العمى الاقتصادي العالمي" التام، حيث ستتوقف محركات الصناعة وتنهار أسواق المال. والأهم من ذلك، أن هذا الاستهداف يمثل إنهاءً لممالك الخليج والقضاء المطلق على معاني "دويلات النفط". فهذه الكيانات تستمد وجودها ووزنها السياسي والاقتصادي بالكامل من هذا المورد، وتدمير بنيتها التحتية يعني محوها عملياً من خارطة التأثير العالمي.
إعماء الرادارات والشرارة الأخيرة
التاريخ العملي يثبت قاعدة راسخة: "إيران إن هددت نفذت". ومن خلال قراءة هذه المعطيات، يتضح أن هذه الحرب -بشكلها الشامل - لن تنتهي إلا باستفزاز أمريكي أخير لإيران يكسر حافة الهاوية.
بموجب هذا الاستفزاز، ستنطلق الشرارة التي ستدفع إيران لضرب كافة آبار النفط، ولكن هذا لن يحدث بطريقة عشوائية. التوضيح الفني لهذا الهجوم يكمن في أنه سيأتي بعد عملية معقدة يتم فيها "إعماء كل الرادارات"، وتدمير أغلب منظومات الدفاع الجوي الأمريكية المتطورة مثل منظومات "ثاد" (THAAD) و"باتريوت" (Patriot). هذا الإعماء التكنولوجي سيعطل التفوق التقني الأمريكي، ويجعل السماء والبنية التحتية مكشوفة بالكامل أمام الصواريخ والمسيرات، لتنفيذ التهديد بإنهاء عصر النفط الخليجي.
---------------------------------
بقلم: عز الدين الهواري






