بعد الضربات المميتة التي وجهتها الصواريخ الإيرانية على القواعد الأمريكية في الخليج والأردن والعراق، ومع تراجع مخزونات أمريكا من الصواريخ الاعتراضية الباهظة الثمن، فضلا عن عجزها الفاضح أمام تطور ودقة الصوارخ والمسيرات الإيرانية، أعلنت الولايات المتحدة عن اخلاء تلك قواعدها في الخليج والعراق، وإعادة تمركز قواتها داخل أراضي دولة الكيان الصهيوني. وهو ما يوحي بالخطوة القادمة من الحرب. فمن الواضح أن الولايات المتحدة لم تعد قادرة على مواصلة الحرب بالوتيرة الحالية. وذلك لأن النصر فيها أصبح، ببساطة، غير ممكن. فمجرد القصف الجوي أو الصاروخي لن يؤدي الى تسليم الإيرانيين بالهزيمة، كما أن الغزو البري مكلف وصعب في جغرافيا معقدة تسكنها أمة عريقة وكبيرة كالأمة الإيرانية. وقد ينتهي بفضيحة عسكرية لن تمحى من سجل التاريخ العسكري في العالم. بل إن الإيرانيين يصبحون أكثر تصلبا وعنفوانا ورغبة في الثأر لضحاياهم كلما ازدادت خسائرهم المادية أو البشرية. كما أنهم مسلحون ببنية عقدية وثقافية تجعلهم على استعداد تام لدفع أفدح الأثمان والتضحيات. وذلك، لأن الخيارات المتاحة أمامهم لا تخرج عن: إما النصر، وإما ضياع الدولة والأمة والحضارة الإيرانية بالكامل. خاصة أن هذه الحرب قد أسفرت عن أن الإيرانيين وان لم يكونوا على قدر قوة الأمريكان، فإنهم ليسوا ضعفاء ولا يمكن الاستهانة بقوتهم، مطلقا. فقد برهنوا عن امتلاكهم لقدرات عسكرية وتكنولوجية، تجعلهم قادرين على تحقيق ردود قوية وسريعة ودقيقة، في الآن نفسه.
ومن ثم، لم يعد أمام صانع القرار الأمريكي سوى خيارين:
الخيار الأول: الانسحاب من الخليج والتسليم بهيمنة إيران على مضيق هرمز (وباب المندب عن طريق الحوثيين، حلفاء ايران). وهذا الأمر لو تم على هذا النحو فإنه لن يعني سوى هزيمة تاريخية منكرة للولايات المتحدة، وسيتبعها تغيرات استراتيجية كبرى على صعيد تراتبية الهيمنة والنفوذ الدوليين، وعلى صعيد المشروعات الاقتصادية والاستثمارية التي تحاول أمريكا تحقيقها لتأكيد حضورها، بوصفها القوة العظمى الوحيدة في العالم، ومنع الصين وروسيا من تحقيق أي تقدم قد يهدد وضعيتها المتنفذة تلك. (تتمثل تلك المشروعات في: انشاء طريق البهارات من الهند الى إسرائيل عبر الامارات والسعودية والأردن. وممر "زنجزور" النفطي، من أذربيجان الى المتوسط عبر سوريا واسرائيل، وصولا الى بسط الهيمنة الكاملة على مصادر الطاقة والممرات الملاحية في الشرق الأوسط (والعالم)، بغية التحكم في معدلات النمو المقلقة التي يحققها الاقتصاد الصيني، فضلا عن التحكم في حركة الاقتصاد الروسي والأوروبي والشرق آسيوي.. الخ).
وإذا تحقق هذا السيناريو، وخسرت أمريكا الحرب على النحو المذكور، فإن وضعيتها الجيواستراتيجية في العالم ستنهار الى ما دون وضعية القوة العظمى، وربما تصل حركة انهيار أحجار الدومينو إلى داخل المعسكر الغربي، والولايات المتحدة نفسها. وهو ما لن يقبله أو يسمح به ترامب ولا أي قائد أمريكي، بأي حال، ومهما كانت الأثمان.
وإذا تم هذا السيناريو فإن الأثر نفسه سيحدث على مستوى تراتبية النفوذ الإقليمي في منطقة الشرق الأوسط، حيث ستنتهي كل المشروعات الإسرائيلية المتعلقة بما يسمى "الشرق الأوسط الجديد". وربما تصل النار الى ثوب المشروع الصهيوني، ومعه إسرائيل، نفسها. ففي تلك الحالة ستتراجع قدرات وأدوار القطب الأكبر الداعم لها (أمريكا) وستختل موازين القوى الحاكمة للوضع الراهن في المنطقة.
لذلك فإنني أقول أن هذه الحرب حاسمة ومحورية، بالنسبة لمستقبل المنطقة والعالم، إلى أمد طويل قادم.
وحتى لايحدث هذا السيناريو الكارثي بالنسبة لكل من أمريكا وإسرائيل، فالمتوقع أن تواصل الدولتان الحرب حتى آخر رمق، ومهما كانت الوسائل والسبل. وهو ما يفتح الباب للخيار الثاني.
الخيار الثاني: وهو ما أرجحه، يتمثل في الاستمرار في الحرب ولكن ليس بطريقة مباشرة، بل عن طريق دول المنطقة نفسها. وهنا يأتي دور المتحالفين مع الولايات المتحدة، أو الواقعين تحت نفوذها. وهم دول الخليج والأردن وسوريا، أو الذين تمتلك أمريكا القدرة على ابتزازهم بملفات أخرى، مثل العراق ومصر، (بالنسبة لمصر، عن طريق ملف سد النهضة، والتسهيلات المالية والاستثمارية الخليجية، والعالمية، مثل العلاقة مع صندوق النقد الدولي، أو معاودة دعم الجماعات الإرهابية.. الخ).
فبعد أن كانت دول الخليج والأردن تكتفي بتقديم التمويل والمطارات والتسهيلات اللوجستية اللازمة لحركة القوات الأمريكية المهاجمة لإيران ويقوم دفاعها الجوي بالتصدي للصواريخ والمسيرات الإيرانية لحماية هذه القواعد والأهداف سواء في الخليج أو في الأردن (لحماية إسرائيل)، إذا بدول الخليج تنخرط بصورة مباشرة في مهاجمة إيران، مثلما حدث من اشتراك كل من الكويت والبحرين في قصف أهداف إيرانية، بتسهيلات استخبارية وإلكترونية (تقديم احداثيات) إماراتية. وكذلك، من قيام السعودية بمهاجمة الحشد الشعبي في العراق، ومهاجمة ما يربو على ثمانية مواقع عراقية. فضلا عن الهجوم على مطار صنعاء. وتتردد أنباء عن حشود سعودية تتجمع تحضيرا لاجتياح بري لأراضي اليمن.
وهو ما يعني انخراط هذه الدول (طواعية أو قسرا) في الحرب، وبصورة مباشرة. ولعل هذا ما خططت لتحقيقه أمريكا وإسرائيل، منذ ما قبل الحرب العراقية الإيرانية عام 1980. وتعمل طوال هذا الزمن من أجل حدوثه.
ولكن لكي يكتمل مشهد تحويل الحرب من حرب أمريكية إسرائيلية على ايران، إلى حرب عربية - إيرانية، بالكامل، فلابد من أن تنخرط فيها أكبر وأهم دولة عربية، ألا وهي مصر. خاصة مع العلاقة الخاصة بين مصر ودول الخليج، فهذه الدول تعد أكبر الداعمين الماليين والاقتصاديين لمصر.
وهنا يأتي دور الحديث عن المسيرة التي أصابت ميناء دمياط، في 29 يوليو، حيث لا بد من إثارة الملاحظات التالية:
1- أن هذه المسيرة صغيرة الحجم ولا تتمتع بقدرات تدميرية كبيرة، بدليل ما نجم عنها من خسائر لا تكاد تذكر. ولا يمكن مقارنة هذه الخسائر بمثيلاتها مما نشاهده في حرب الخليج أو الحرب الأوكرانية.
2- أن صغر حجم المسيرة وضعف قدرتها التدميرية، وعدم اكتشافها من قبل وسائل الدفاع الجوي، المصري المتفوق، أو غيره من الرادارات المنتشرة في دول المنطقة يعني أنها لم تطلق من مكان بعيد كايران أو الحوثيين في اليمن، مثلا. فضلا عن أن ذلك يتناقض مع مصالح إيران التي لا تود توسيع دائرة أعدائها، وبخاصة مع مصر. كما أن آخر ما تريده إيران هو تحويل الحرب على النحو الذي يريده ترامب. والشأن نفسه مع الحوثيين.
3 - وبالتالي فالمسيرة جاءت من مكان قريب حتما. ربما لا يبعد عن بضعة عشرات من الكيلومترات.
والسؤال هنا من الذي يمكن أن يكون قد أطلقها؟؟ هنا لا بد أن نفتش عن المستفيد من القريبين من الميناء. حيث يمكن أن يكون احدى سفن الولايات المتحدة المتمركزة في المنطقة، أو إسرائيل أو أحد حلفائهما في البحر المتوسط، أو أحدى المنظمات الإرهابية التي تعمل بأوامر أمريكية واسرائيلية.
4 - أما عن: لماذا تم إطلاقها على مصر؟؟ ولماذا هي مسيرة صغيرة وغير مدمرة؟ فالإجابة تكمن في كلمة واحدة: هي "الابتزاز".
فإما أن تنصاع مصر لما يراد لها من خضوع للمخططات الأمريكية الصهيونية، والانخراط المباشر في الحرب، وإما أن تواجه من ذلك الصنف من التهديدات ما هو أكبر وأكثر.
لقد أفلتت القيادة المصرية من فخ تهجير فلسطينيي غزة، وفخ محاولة سلخ واحتلال سيناء بواسطة الجماعات الإرهابية، وفخ تحويل ليبيا إلى مرتع للإرهاب، وفخ الحرب الأهلية في السودان، وفخ التهديدات الأثيوبية بالتحكم في مياه النيل، حتى الآن، بنجاح تام. فهل ستنجح في الإفلات من فخ توريطها في حرب ضد أمنها القومي ومصالحها الاستراتيجية في مواجهة الأطماع الامبريالية والمخططات الصهيونية؟؟
أتمنى ذلك وأرجح حدوثه.
----------------------------------
بقلم: د. صلاح السروي






