09 - 08 - 2026

الوهم الكبير: من علّم العالم التعايش ومن علّمه الإبادة؟

الوهم الكبير: من علّم العالم التعايش ومن علّمه الإبادة؟

لأكثر من 600 سنة بعد الحروب الصليبية، وتحديداً بعد سقوط الدولة الإسلامية في الأندلس سنة 1492م، تكونت في الوعي الغربي صورة مغلوطة عن المسلمين، صورة لم تكن وليدة احتكاك مباشر، بل وليدة دعاية حرب طويلة. المفارقة أن التاريخ نفسه يكذبها.

الإسلام عندما حكم لم يبن محاكم تفتيش، بل بنى نموذجاً سماه الإسبان أنفسهم لاحقاً La Convivencia - التعايش.

1- الأندلس: الدليل الذي لا يمكن تزويره

ظل التعايش تجربة فريدة تخص المجتمع الأندلسي، وترجمتها الحرفية العيش مع الآخر. تحت الحكم الأموي تمتع غير المسلمين بحقوق كثيرة، من بينها حرية العقيدة وحق ممارسة الشعائر الدينية، وشاركوا في الحياة الاقتصادية مشاركة فاعلة، حتى باتت الأندلس الوطن المفضل لليهود.  

النظرية الأكاديمية للتعايش تفترض أن المسلمين والمسيحيين واليهود في الممالك الأندلسية تعايشوا بسلام نسبي. كان للمسيحيين قضاة خاصون بهم يعرفون بقضاة النصارى، وكنائسهم منتشرة في كل المدن بين القرن الثامن والثاني عشر، ووصل بعض اليهود مثل إسماعيل بن النغريلة إلى الوزارة في غرناطة.  

هذا النموذج انتهى تماماً بسقوط غرناطة. ما الذي حدث بعده؟ طرد 200 ألف يهودي، و300 ألف مسلم موريسكي، ومحاكم تفتيش أحرقت الكتب والبشر. ومن هنا بدأت أوروبا تصدير نموذجها الجديد للعالم: الإبادة باسم الدين، ثم الإبادة باسم التمدن.

2- الحروب الصليبية: أول حرب أيديولوجية غربية ضد الشرق

200 سنة من الحملات (1096-1291م) قُتل فيها ما بين 1 إلى 3 ملايين شخص في الشام والأناضول ومصر. كانت أول مرة في الألفية الأخيرة يتحرك فيها جيش من أوروبا إلى الشرق ليس دفاعاً عن أرضه، بل لاحتلال أرض غيره تحت راية دينية.

بعد فشلها عسكرياً، بدأ مشروع آخر أخطر: الاستشراق. مستشرقون تعلموا العربية وتعمقوا في المخطوطات، ليس حباً في الحضارة، بل لفهم نقاط قوتها العقائدية وضربها من الداخل، مع نشر فكرة أن التقدم لا يكون إلا بخلع الدين، وهي الفكرة التي وجدت آذاناً صاغية عند ضعاف النفوس الباحثين عن المال والشهرة والحكم.

3- حساب الدم: من قتل أكثر في آخر 1000 سنة؟

إذا وضعنا حصيلة القتلى في الألف سنة الماضية في جدول، فستكون النتيجة صدمة. ولهذا السبب يضع المؤرخون المحايدون الفتوحات الإسلامية في أدنى القائمة، وليس في قمتها.

القتلة الحقيقيون في الصدارة:

استعمار الأمريكتين (1492-1600): 56 مليون قتيل.

وجد باحثون في جامعة كوليدج لندن (UCL) أن الاستعمار الأوروبي للأمريكتين تسبب بشكل غير مباشر في وفاة حوالي 56 مليون شخص بحلول عام 1600. كان هذا النموذج الأصلي للإبادة الجماعية الاستعمارية، وانهيارًا كارثيًا هلك فيه ما يقرب من 90% من السكان الأصليين لنصف الكرة الأرضية.

الحرب العالمية الثانية (1939-1945): 70-85 مليون قتيل.

تُعتبر الحرب الأكثر دموية في التاريخ المسجل، حيث يُقدّر إجمالي الوفيات بنحو 70 إلى 85 مليون شخص. أما الحرب العالمية الأولى، التي كانت تُسمى سابقًا "الحرب التي ستنهي كل الحروب"، فقد أودت بحياة ما يقرب من 20 مليون جندي ومدني.

بقية المشروع الاستعماري الأوروبي:

الهند البريطانية والمجاعات: 30-35 مليون قتيل نتيجة مجاعات مُفتعلة.

الكونغو البلجيكية: 10-15 مليون قتيل بسبب السخرة والعمل القسري.

تجارة العبيد عبر الأطلسي: 12-15 مليون توفوا أثناء النقل وحده، وأكثر من 50 مليونًا فُقدوا بسبب الغارات والعبودية.

الجزائر الفرنسية: 1.5 مليون قتيل في حرب الاستقلال وحدها.

الغزوات المغولية (1206-1368): 40-70 مليون قتيل.

في المقابل، كل الفتوحات الإسلامية من معركة بدر سنة 624م حتى حصار فيينا 1683م، مع كل حروبها الداخلية (صفين، الحروب الأموية، العباسية، العثمانية)، تقديرات أكثر المؤرخين تشدداً لا تضعها فوق 2-3 ملايين قتيل عسكري عبر 14 قرناً، لأن الفقه الإسلامي حرّم قتل الرهبان والنساء والأطفال وقطع الشجر، وكانت الحروب بين جيوش لا إبادة مدن. وحتى لو أضفنا لها كل حروب الدول التي حكمت باسم الإسلام، لن تصل إلى 10% من قتلى قرن واحد من الاستعمار الغربي.

لهذا يقول كثير من الباحثين إن المسلمين يأتون في المرتبة السادسة أو السابعة في سلم القتل في الألفية الأخيرة، بعد: 1- الاستعمار الأوروبي للأمريكتين وأفريقيا وآسيا، 2- الحربين العالميتين، 3- المغول، 4- الأنظمة الشيوعية في القرن العشرين، 5- حروب أوروبا الداخلية (حرب الثلاثين عاماً، نابليون).

4- متى انقلبت الموازين؟

لم ينجح الغرب بقوته، بل بضعفنا. بعد سقوط الخلافة العثمانية 1924م، بدأ مشروعان متوازيان:

أ- إغراق النخبة: مال، شهرة، مناصب، وإعلام يصور التحلل على أنه تقدم. فنشأت طبقة تحكم بثقافة غربية ولسان عربي.

ب- وعد بلفور 1917: بريطانيا التي كانت تحتل فلسطين أعطت وعداً لليهود الصهاينة بوطن قومي فيها. الدعم الأوروبي آنذاك كان هائلاً للتخلص من المسألة اليهودية في أوروبا بعد قرون من الطرد والمحارق والمحاكم في أوروبا نفسها. من هنا بدأت المأساة الفلسطينية وبدأت الحروب الحديثة في الشرق الأوسط، وهي حروب وقودها غربي وقرارها غربي حتى اليوم.

واشتد عداء التيار الإنجيلي الصهيوني في أمريكا للإسلام بعد ذلك، لأنه يرى قيام إسرائيل شرطاً لعودة المسيح في معتقداته، فالتقت مصلحة الاستعمار بالعقيدة المحرفة.

الخلاصة

التاريخ لا يكذب بالأرقام. حضارة عاشت 800 سنة في الأندلس يتكلم اليهودي فيها العربية ويكتب المسيحي الطب بالعربية، ثم تُباد في 10 سنوات بعد سقوطها، لا يمكن أن توصف بأنها لا تتعايش.

الغرب المسيحي ثم الغرب العلماني الملحد هو من اخترع الحرب الشاملة، الإبادة الجماعية الصناعية، القنبلة الذرية، ومعسكرات الاعتقال، ومع ذلك نجح في إقناع العالم عبر الإعلام والسينما أن الخطر هو المسلم الذي كان يصلي في مسجده في قرطبة وبجانبه كنيس ومعبد.

السؤال ليس من أكثر قتلاً، السؤال موثق: 70-85 مليون في 6 سنوات من حرب أوروبية واحدة مقابل 56 مليون أبيدوا في قارة كاملة على يد الاستعمار... أين موقع المسلمين في هذه الخريطة الدموية؟ في الهامش.  

عودة المسلمين لن تبدأ بإقناع الغرب، بل باستعادة العقيدة التي جعلت اليهودي يفضل العيش في قرطبة على باريس.
----------------------------------
بقلم: عز الدين الهواري


مقالات اخرى للكاتب

عاصفة التراجعات: كيف فرضت إيران معادلة الردع وأنهت خرافة