03 - 08 - 2026

كيف ندير الأزمات إعلاميا؟

كيف ندير الأزمات إعلاميا؟

 بداية لا تعارض بين عمل الصحفى والإعلامى المحترف فى مؤسسات محترفة وبين مهام ووظائف المسؤول الذى يحرص على أن تكون كل بياناته دقيقة ومسؤولة وتراعى جوانب الامن القومى والمصلحة العامة.

- أتعجب من أساتذة إعلام وناس خبرات فى المهنة يطالبون الصحفيين والإعلاميين بالصمت وانتظار البيانات الرسمية على أن ينشروها كما هى دون أدنى مجهود مهنى مصاحب لها، يحول كل الوسائل إلى نشرات رسمية ينصرف عنها الجميع كما حدث فى كل المرات السابقة؛ وتم خلالها تسليم القارىء والمشاهد المصرى تسليم أهالى لوسائل إعلام وصحف تلعب بالأساس على المساحات غير المأهولة - وهى بالمناسبة عديدة - فى التغطية الإعلامية والصحفية.

- قاعدة مهنية؛ وسائل الإعلام والصحف ووكالات الأخبار الدولية يقل تأثيرها الدعائى فى المجتمعات التى تتمتع بمساحات حرية وتداول منظم وقانونى للمعلومات التى يُجبر المسئول على اتاحتها وفقا لنصوص دستورية وقانونية فى الظروف العادية؛ وفى زمن الحرب يكون للرقابة والاستثناءات ضرورة، ولكن القاعدة أن الاستثناء لا يجب أن يتحول إلى قاعدة للتعاطى مع الملف لسنوات طويلة تساهم فى هدم وتدمير كل جسور الثقة بين الوسيلة والقارىء والمشاهد.

 - فى الازمات وبناء على تجارب وخبرات دول ومجتمعات بشرية خضعت للدراسة والتقييم واستخلاص الدروس وليس تنظيرا، فإن أى أزمة لها شكل ثلاثى الأضلاع يميزها: 

* عنصر المفاجأة: حدوث الموقف بشكل غير متوقع ودون إنذار مسبق، مما يربك متخذ القرار. 

* ضيق الوقت: محدودية الوقت المتاح لدراسة الموقف واتخاذ قرار سليم وفعال مع نقص فى المعلومات. 

* عنصر التهديد: وجود خطر داهم ومباشر يهدد أهداف الكيان أو المصالح العليا ويسبب ضغوطاً شديدة... لذلك تكون هناك مراكز متخصصة تعمل عليها، بحيث تقوم كل جهة بأداء عملها وفق كاتالوج ومانيوال وتجارب سبق التدريب عليها اختصارا وكسبا للوقت، حيث لا وقت لتجريب ما لم يتم تجريبه مع مساحة إبداع وقدرة وتأهيل للتعاطى مع المستجدات والمتغيرات؛ إلا أن أبرز نقطة فرضت نفسها على إدارة الازمات والكوارث والصراعات فى العقود الاخيرة كان التعامل مع وسائل الإعلام والصحف والتدفق الإعلامى والمعلوماتى حتى فى لحظات الارتباك الأولى.

 - يُفرض ووجوبى على مدير الأزمة المبادرة والإعلان عن الحدث دون تفصيل، فقط لحجز مساحة أهتمام ومتابعة لدى المواطن والرأى العام، تماما مثلما تفعل وكالات الانباء التى تفتح الخبر بجملة تلغرافية تحقق فيها السبق وتحجز مساحة أهتمام للمتابعة وتلك أمور فنية يعرفها المحترف وليست تنظيرا من برج عاجى؛ تلك المساحة المحجوزة قد يفقدها مدير الأزمة ويترك المواطن على شواطىء غريبة، ما لم يتبعها بقدر محسوب من المعلومات والبيانات والتصريحات والحقائق والأرقام والأبعاد تحتل كل أو معظم مساحات الفراغ التى تنتعش فيها الشائعات والدعاية السوداء والعمليات النفسية التى تستهدف وعى وإدراك المواطن فى لحظة الأزمة؛ وللتنظير تلك نظرية اسمها "ملء الفراغ" يفهمها من درس الإعلام والسياسة فى معاهد وجامعات متقدمة فى تلك المجالات.

 - من أجل ذلك يكون أول قرار يتخذ هو تعيين متحدث رسمى ومعلوم للأزمة، يكون رأس الحربة لمجموعة / فريق عمل يتعاطى ويتفاعل مع وسائل الإعلام والصحف والمواقع على "مدار الساعة" إلى أن تنتهى الأزمة؛ لا يتوارى ولا يختفى ولا يتهرب حتى لو بجمل بسيطة تؤكد على أن التحقيقات والحقائق مازالت قيد البحث؛ وأن ما كتب او نشر او بث فى الوسيلة الفلانية والترتانية او حتى على السوشيال ميديا يستبق التحقيقات؛ على أن يكون المتحدث وفريق عمله أكثر حرصا من كل الوسائل على التواجد والتفاعل وفرض سرديتهم وروايتهم وقصتهم عن ما جرى ويجرى وسيجرى مع مجموعة عمل محترفة ترصد اتجاهات الجدل على السوشيال ميديا بحكم تأثيرها المتنامى.

 - دور مجموعة الأزمة ومتحدثها لا يجب أن يلغى أبجديات العمل الصحفى المهنى، لأننا لا نعيش فى صوبة معزولة عما بخارجها من تفاعلات وفى عالم تجاوز كل الخطوط الحمراء فى انتهاك سيادة الدول والسباق المحموم على استخدام وسائل الإعلام والصحف ووكالات الأنباء كأهم سلاح فى ترسانة الدول المحترفة، تفوق قدرته الأسلحة التقليدية وغير التقليدية ولكنه يضعها فى إطار مهنى وتنافسى ومن العار أن نجرد الصحفى والإعلامى المصرى من كل أدواته فى المنافسة المهنية؛ ولا مانع أن نتحدث عن جوانب تلك المهنية ومتطلباتها، لا أن نتحدث عن كيفية تلجيمه وتقييده وتخوينه والمزايدة على وطنيته ونحرمه من أن يكون مؤثرا ومفيدا لنفسه ولمهنته ولبلده.

 - وقت الأزمات والكوارث والصراعات هو اختبار مهنى لكل وسائل الإعلام والصحف والمواقع، وفرصة لان تعيد وضع نفسها على الخريطة والمتابعة والتأثير الذى يحدث بالتراكم والنقاط وخبرات القارىء والمتابع فى متابعة تلك الوسائل وقدر مصداقيتها واعتمادها على مصادر عدة وتغطيات حية ومباشرة وسياسات تحريرية تسعى قدر الإمكان للمهنية وكسب ولاء المتابع، وأن لا تتحول إلى وسائل تقتات على البيانات الرسمية وتتحول إلى بوق دعائى وهو دور لا يضيف لعمل وكالة أنباء حكومية او هيئة استعلامات او وكالة إعلام حكومية.

 - من دراسات عملنا عليها مع كبرى شركات الرأي العام والإعلام الدولية (الأمريكية والبريطانية) فإن الرواية أو السردية الرسمية التى تنقلها وسائل مملوكة او محسوبة على النظام أو الحكومة لا تزيد مصداقيتها لدى القارىء والمشاهد عن 40% وتحتاج دائما إلى وسائل إعلام وصحف ومواقع مستقلة تتلقفها وتعمل عليها وتتحقق منها وتقف على الجوانب والأبعاد المختلفة لها، فتمنحها المصداقية المطلوبة ورخصة المرور إلى عقل ووجدان المواطن فيما أطلقت عليه فى تحليلات وأوراق منشورة "التوازن البيئى الإعلامى" المطلوب والحتمى والواجب لبناء أى منظومة إعلامية مستدامة ومؤثرة ولها مصداقية لا تعتمد على الفهلوة والضلالات الفكرية.

 - لذلك فإن أكبر خطر وخطورة ومخاطر على أى منظومة إعلامية وصحفية وإلكترونية بشكل عام وتفقدها المصداقية والتأثير خاصة فى وقت الأزمات، هو نمط ملكية الوسائل وتبعية سياساتها التحريرية و"الإخضاع" الدائم للأوامر والتعليمات الرسمية؛ والتوازن البيئى العلمى يحتم وجود وسائل خاصة تتمتع بالاستقلالية وفق المعايير الدولية المتعارف عليها، لاننا لسنا حالة خاصة تستبيح كل الاستثناءات؛ وأن السياسة والمهنية والشطارة توجب وتحتم وتنص على أن الصحيح والضرورى هو أن لا تحسب الحكومة / النظام السياسى على تلك الوسائل؛ وأن لا تحسب تلك الوسائل على الحكومة / النظام السياسى. وهذا لا يمنع أن تكون هناك منصات رسمية ومتحدثين للحكومة / النظام السياسى تعبر عنها وتضع روايتها وسرديتها الرسمية أمام تلك الوسائل والرأى العام وتترك لهم مساحات من التعاطى المهنى والتدقيق والتحليل لتلك الرواية

 - المواطن وخاصة فى وقت الأزمات والحروب والطوارىء عادة ما تزيد ثقته فى جيشه ومؤسساته، لأنها بالنسبة له الدرع وعمود الخيمة، وهو أمر إيجابى يجب أستثماره لا التفريط فيه؛ ولكنه أيضا يكون مستهدفا وفريسة محتملة يحتاج دائما إلى سرديات متماسكة تضعه فى مركب واحد مع بقية مكونات الدولة والمؤسسات والأفراد ولا تتركه غريبا على شواطىء غريبة تشكل وعيه ووجدانه وتصيغ مواقفه وقراراته؛ وقد يتفهم المواطن دواعى الأمن والسرية المطلوبة والواجبة، ولكن لا يقبل بأن يعامل وكأنه تحت الوصاية الدائمة من منطلق رؤية وعقيدة "مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى" لأن فكرة الوصاية المطلقة والتى تمتد لفترات وسنوات طويلة لا تستقيم مع الطبيعة البشرية، خاصة مع مواطن يعانى من ضغوط اقتصادية وأزمات ثقة فى كل الاداءات من حوله؛ خاصة أن الوصاية قائمة ومستمرة فى الأوقات العادية مما يفقدها القدرة والتأثير وقت الأزمة، لان الطارىء لا يستخدم إلا للطوارىء.

- أكرر؛ في بحث زمالة كلية الدفاع الوطنى سنة 1998 وفى ماجستير العلاقات الدولية والإعلام الدولى من جامعة ليدز سنة 2001، عن إستخدام الإعلام فى إدارة الازمات الدولية وأيضا على المستوى القومى بالتطبيق على حروب وصراعات وأزمات مثل مهمة: الصومال والبوسنة وحرب الخليج الثانية وبنما والشيشان وكوسوفو وغيرها كى لا تكون دراسات أكاديمية معزولة عن الواقع؛ كانت الخلاصة والإستخلاص المهم والجديد أن الإعلام قد أصبح عنصرا مضافا ومهما فى قياس القوى الشاملة للدولة الحديثة؛ وأن أهم سلاح تمتلكه الدول فى حروبها وصراعاتها منذ الحرب الباردة هو الإعلام الذى يستهدف العقل والوجدان والوعى ويقصف ويسيطر ويمهد ويحتل ويتوسع ويخدم المصالح العليا لأى دولة او يساهم فى تدميرها... هذا فضلا عن 15 سنة مراسلا حربيا بالمعنى الاحترافى... فما بالك بمصر التى حققت كل مكانتها الدولية والإقليمية على مدار التاريخ المعاصر بما تمتلكه من "قوة ناعمة": صحافة وإعلام وأدب وشعر وموسيقى وغناء ومسرح وفن تشكيلى ونحت وأزهر وكنيسة وأهرام وماسبيرو وأهلى وزمالك... وما علينا إلا أن نراجع وضعية تلك العناصر لنعرف وندرك أين نقف؟ وماذا فقدنا؟...

فقط علينا أن نعمل وننحى المزايدات على الوطنية وعلى المواطن الغلبان البسيط الذى يحب بلده وجيشه وعلى كل من يتكلم ويكتب والحكم المطلق على النوايا؛ وقتها كل شىء سيصبح على ما يرام.
--------------------------------
بقلم: جلال نصار
كاتب صحفي مصري ورئيس تحرير سابق لجريدة الأهرام ويكلى وباحث متخصص في الشؤون العربية والإقليمية، يشغل حالياً منصب رئيس وحدة الدراسات العربية والإقليمية بـ المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية، والمقال نقلا عن صفحته الشخصية على فيس بوك

مقالات اخرى للكاتب

كيف ندير الأزمات إعلاميا؟