09 - 08 - 2026

الاتفاق النووي السعودي الأمريكي ومعادلات جديدة في الشرق الأوسط

الاتفاق النووي السعودي الأمريكي ومعادلات جديدة في الشرق الأوسط

الاتفاق النووي الذي وقعته الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية يوم الأربعاء الماضي، ليس اتفاقًا فنيًا، كغيره من اتفاقيات مماثلة وقعتها الولايات المتحدة مع دول أخرى في منطقة الشرق الأوسط وفي غيرها، وإنما لهذا الاتفاق أبعاد سياسية واستراتيجية في ظل بيئة أمنية واستراتيجية معقدة، وسيكون له تأثير على ميزان القوة الاستراتيجي وعلى هندسة الأمن الإقليمي في المنطقة. لذا، لا يمكن النظر إلى هذا لاتفاق بمعزل عن توجهات السياسة الأمريكية تجاه المنطقة التي تقوم على عدد من المرتكزات، في مقدمتها التزامها الراسخ بحماية إسرائيل وضمان تفوقها النوعي والكمي على أي تحالف معادي محتمل، والعمل في الوقت نفسه على حل التناقضات التي تحول دون توسيع قاعدة الحلفاء وتعزيز أدوارهم في الاستراتيجية الأمريكية. فهذا الاتفاق يشير إلى معادلات جديدة تتبلور على خلفية الحروب التي تشهدها المنطقة، والمرتبطة بالصراع مع إسرائيل، التي سيتعين على قادتها التعامل مع المتغيرات وتأثيرها على عقيدة الأمن الإسرائيلي التي تقوم على فكرة أساسية تقضي بسيادتها الكاملة والمطلقة فيما يخص أمن إسرائيل.

ويتعارض هذا  الاتفاق الجديد، والذي سينهي الاحتكار النووي الإسرائيلي في المنطقة، مع سياسة إسرائيلية ثابتة تقضي بمنع أي قوة إقليمية أخرى في الشرق الأوسط، سواء كانت معادية أو حليفة، من امتلاك أي برنامج نووي ومن أي قدرات نووية، حتى لو كانت لأغراض سلمية، وتعد هذه السياسة الإسرائيلية المعلنة واحدة من نقاط الخلاف الأساسية بين المصالح الأمريكية والأهداف الإسرائيلية، والتي يخفيها الطابع الخاص للتحالف الأمريكي الإسرائيلي نظرا للتداخل الشديد بين السياسة الخارجية الأمريكية تجاه الشرق الأوسط وبين السياسات الداخلية في كل من الولايات المتحدة وإسرائيل، حيث يتمتع الطرفان بقدرة كبيرة على التأثير في الأوضاع السياسية الداخلية وممارسة الضغط بما يضمن الانسجام في سياساتهما. 

إن محاولة فهم المعادلات الأمنية والاستراتيجية الجديدة في الشرق الأوسط، يتطلب بداية التخلي عن كثير من الأوهام الراسخة والتي يجري التعامل معها كحقائق ثابته لدى الساسة والمراقبين المعنيين بشؤون الشرق الأوسط وما يرتبط بهذه الأوهام من سياسات. بعبارة أخرى، لا بد من تفكيك التصورات الأيديولوجية السائدة على ضوء الحقائق والوقائع والديناميات، على نحو يسمح لنا برؤية التغيرات ويمكننا من التعامل معها. الأمر هنا لا يتعلق فقط بالانشغال بتفسير ما يجري، وإنما يتصل أكثر بالتحرك من أجل التغيير، فلا ينبغي الانشغال بتفسير العالم حين يكون المطلوب هو تغيير هذا العالم.

أوهام الشرق الأوسط

 لعالم اللغويات الأشهر نعوم تشومسكي كتابان عن الأوهام، أولها صدر في عام 1989، بعنوان "ضرورة الأوهام: السيطرة على الفكر في المجتمعات الديمقراطية"، والثاني صدر في عام 2003، بعنوان "أوهام الشرق الأوسط". ويتضمن الكتاب الثاني سؤالًا حول مسألة السلام في الشرق الأوسط، كما يتضمن تأملاته الخاصة بخصوص العلاقة بين العدالة والقومية. لا تكتسب أفكار تشومسكي أهميتها فقط من كونه أحد أبرز منتقدي السياسة الأمريكية، بشكل عام، وفي منطقة الشرق الأوسط على وجه الخصوص، وإنما تعود أهميتها لكونه مفكرا نقديا يوظف خبرته كعالم لغويات كبير في تفكيك الأوهام التي تروج لها النخب المسيطرة، بوعي أو بدون وعي. لا يفوتنا هنا الإشارة إلى مساهماته في نظرية اللغة والألسنية، والتي فتحت آفاقا رحبة أمام التطورات التكنولوجية الذي تتحقق الآن أمام أعيننا، إذ كانت بحوثه في النحو التوليدي أساسية في تحويل الكمبيوتر من أداة تعمل بلغات برمجية خاصة، إلى أداة قادرة على تحويل النصوص إلى صور مرئية، والتعامل مع النماذج اللغوية الكبيرة (LLMs)، والذي يعد ركيزة من ثلاث ركائز أساسية لثورة "الذكاء الاصطناعي" التي انطلقت لتغير أنماط الحياة في العالم ولا يعلم أحد إلى أين ستأخذنا في ضوء الموجة الأولى الشاملة والكاسحة لتطبيقاتها. الركيزتان الأخريان هما: البيانات الضخمة (Big data) وتعلم الآلة (Machine learning).     

الكتاب الأول أساسي لأنه يتعامل مع الدور الذي يلعبه الإعلام، خصوصًا الإعلام الأمريكي، في "صناعة الوهم" على حساب الحقيقة والحق. ويوضح تشومسكي في هذا الكتاب أن "الصحافة الحرة" حينما تتخلى عن دورها الرقابي وفي أن تكون أداة لتعزيز الديمقراطية والرقابة على جموح السلطة، فإنها تصبح في خدمة احتياجات المسيطرين على السلطة، ويزيح القناع عن الدعاية التي تصوّر وسائل الإعلام على أنها مناصرة لحرية التعبير والديمقراطية، ويوضح كيف يُستخدم الإعلام الوطني وعناصر لدى النخبة الثقافية الفكرية في النظم الديمقراطية الرأسمالية، للسيطرة على الفكر لمنع أي تحدٍّ محتمل للامتيازات والسلطة القائمة من أن يتشكل ويكتسب قوة على الأرض. الملاحظات القيمة التي وردت في المحاضرات الخمس التي اعتمد عليها الكتاب وفي الملاحق الخمس الشارحة لها، والتي تضمنها الكتاب تعيننا على فهم الدور الذي تلعبه وسائل الإعلام العالمية والوطنية في ترسيخ الأوهام بدلًا من تفنيدها، عبر ما تنشره من تقارير إعلامية وتحليلات للأحداث وتعليقات. وهي نقاط سنتناولها بالتفصيل في مقال آخر.

ما يهمنا في هذا المقال هو أوهام الشرق الأوسط، والتي تتجاوز الأوهام المسيطرة على العقل الأمريكي إلى الأوهام المسيطرة على عقول النخب والجمهور في هذه المنطقة من العالم، والتي تحول دون معرفة الحقائق والواقع وديناميات التغيير. لعل النقطة المهمة التي يشير إليها الكتاب الصادر بعد عامين من هجمات 11 سبتمبر 2001، وبعد شهور من الغزو الأمريكي للعراق في 30 مارس 2003، هي ارتباط منطقة الشرق الأوسط والخليج الوثيق بمسارح أخرى توسع من حدود تلك المنطقة التي ورثتها الولايات المتحدة من القوى الاستعمارية الأوروبية، وتركيزه بشكل خاص على منطقة شرق البحر المتوسط بضفتيها الشمالية والجنوبية، ليربط سياسة الولايات المتحدة تجاه إيطاليا والبلقان بسياستها تجاه الشرق الأوسط وارتباط تلك السياسات بالاستراتيجية الكونية لواشنطن التي تسعى لترسيخ وضعها العالمي المهيمن في أعقاب الحرب العالمية الثانية. 

الجمهور المستهدف من كتاب تشومسكي هو الجمهور الأمريكي الذي يريد تحريره من الأوهام التي تروج لها نخبته الحاكمة لتبرير سياساتها في الشرق الأوسط والتي لعب النفط، ولا يزال، دورا محوريا فيها نظرا لدوره في تعزيز الهيمنة العالمية للولايات المتحدة، في مواجهة الخصوم والحلفاء معا. في هذا المقال، سيتسع الجمهور المستهدف ليشمل النخب العربية المتعلمة إلى جانب القطاعات العريضة من الجمهور صاحب المصلحة. وبينما توجد تناقضات فيما بين النخب الحاكمة في المنطقة وبين النخبة الحاكمة في واشنطن، إلا أن هذه النخب تستطيع دائما حل التناقضات فيما بينها، والتي تصبح تناقضات ثانوية مقارنة بالتناقض الرئيسي بين هذه النخب وبين الشعوب التي تسيطر عليها وتحكمها. فهناك دائما مصلحة مشتركة تتمثل في ضمان استمرار سيطرة هذه النخب، التي تدافع عن مصالح الأقلية المتنفذة اقتصاديا على الشعوب المغلوبة على أمرها، وتعميق التناقضات وترسيخ حالة الكراهية فيما بين هذه الشعوب، استنادا لاعتبارات دينية وعرقية وعنصرية. ربما كانت ميزة تشومسكي الرئيسية هي إدراكه لهذه الحقيقة وانحيازه للشعوب ومصالحها وإيمانه بضرورة وأهمية ترسيخ الديمقراطية التي تعمل لصالح هذه الشعوب وتحررها من خلال الوعي بمصالحها. فمثلما توجد أوهام توظفها السياسة الأمريكية، وهناك أوهام أخرى تعمل النخب الحاكمة في العالم العربي على توظيفها لضمان استمرار سيطرتها.

الأبقار الثلاث المقدسة

هناك الكثير من الأوهام المرتبطة بالشرق الأوسط، لكن سيتم التركيز، هنا، على ثلاثة أوهام أساسية، يجري تصويرها للشعوب على أنها أبقار مقدسة لا ينبغي المساس بها، غير أن تغيير الوضع الراهن السائد في المنطقة منذ تشكلها في عشرينات القرن الماضي يستدعي تبديد هذه الأوهام كي نفكر بطريقة مختلفة. 

الوهم الأول، وهو وهم تروج له النخب الحاكمة في المنطقة، وهو وهم الخصوصية والاستثناء. تشترك النخب الحاكمة في الولايات المتحدة وفي البلدان العربية، وكذلك في إسرائيل، في الترويج لفكرة أنهم يحكمون مجتمعات وبلدان لها خصوصية تجعلها استثناءً من المسار العام للتاريخ. هذه المعاندة للتاريخ ومساره مسؤولة إلى حد كبير عن المأساة التي تعيشها شعوب المنطقة نتيجة للاستبداد السياسي والإفقار الناجم عن سياسات اقتصادية فاشلة، وأيضا نتيجة للحروب التي لم تتوقف والتي تعبر عن حدة التناقضات الاقتصادية والاجتماعية وإصرار النخب الحاكمة على احتكار الثروة والسلطة معا. هناك دراسات عديدة سعت إلى تفكيك هذا الوهم واثبات أن الدول ليست استثناء من المسار العام للتاريخ، وأنه لا ينبغي التشبث بمسألة الخصوصية لتبرير السياسات المتبعة ومقاومة رياح التغيير. 

الأحداث تكشف أن هناك ثمنا فادحا تدفعه الشعوب غالبًا بسبب إصرار النخب على وهم الخصوصية والاستثناء. علينا أن نفكر في الثمن الفادح الذي تدفعه الشعوب العربية نتيجة استمرار وهم الخصوصية الثقافية التي ترى أن الحداثة والديمقراطية لا تصلحان لشعوب المنطقة بسبب الخصوصية التي يتمتع بها الدين في ثقافة تلك الشعوب. وعلينا أن نعيد التفكير في مسألة أن الصراع الفلسطيني الإسرائيلي له خصوصية تجعله عصيًا على الحلول التي أنهيت بها صراعات أخرى في العالم، والتي فرضت على مدى عقود منطق إدارة صراع صفري تتحمل الشعوب العبء الأكبر في تكلفته، وهي تكلفة تتجاوز أحيانا شعوب المنطقة وتتحملها شعوب أخرى خارجها، على النحو الذي تظهره الآن الحرب على إيران وتداعياتها. علينا أيضا أن نفكر في الثمن الذي يدفعه الشعب الأمريكي وتدفعه معه شعوب العالم بسبب إصرار النخبة الأمريكية الحاكمة على سياسات الأحادية القطبية ووهم "روما الجديدة" أو الإمبراطورية الأمريكية.   

الوهم الثاني، هو وهم الأمن المطلق وما يفرضه من سياسات أحادية وما يرتبط به من أوهام تتعلق بالدور الذي يلعبه العنف المسلح في التغيير، على الرغم من أن التطورات التي شهدها العالم منذ عام 2001، وما قبله تظهر أن هناك حدودًا للقوة، وأن هناك الكثير من الأمور التي تستعصي على أي قوة في العالم مهما كان شأنها. وربما الأمثلة التي تقدمها أفغانستان والعراق وفلسطين واليمن وإيران تؤكد أن القوة المسلحة، مهما بلغت ومهما يكون فارق القوة بين الدول المعتدية وبين الشعوب التي تتعرض للعدوان، لا تستطيع كسر إرادة الشعوب وقدرتها على المقاومة. إن التطورات في العقود الثلاثة الماضية تظهر أن لجوء الولايات المتحدة لاستخدام القوة المسلحة القصوى، من خلال الحرب والغزو، لم تحقق للولايات المتحدة أي من الأهداف التي كانت تسعى لتحقيقها، والتي كان يمكن تحقيقها من خلال التفاوض. شجعت هذه التطورات كثير من النخب والشعوب على إدراك حقيقة أن السياسة هي الأصل، وأن الحرب مثلها مثل الدبلوماسية، هي استمرار للسياسة ولكن بوسائل أخرى، وتعلمت كيف يمكن تحقيق الأهداف بوسائل سياسية وسلمية. 

الأمر المهم في السياسة هو تحديد الهدف الذي تسعى النخبة الحاكمة أو طليعة القوى الراغبة في التغيير إلى تحقيقه، وإدراك ما يمكن بلوغه وما لا يمكن بلوغه أو تحقيقه. ومن المهم هنا ملاحظة أن سياسة الإملاء لا تجدي وقد تأتي بنتائج عكسية وإنما السعي لإحداث تغيير جذري يكون من خلال استراتيجية واقعية، تُحدث التغيير المنشود وتحقق المصالح بشكل أفضل عبر التفاوض والسعي إلى التوصل لمساومات تحقق مصالح للطرفين. هنا تبرز مهارة النخبة السعودية في التفاوض على شروط أفضل كي تتوافق مع أهداف السياسة الأمريكية التي تسعى لتغيير الوضع فيما يخص الصراع الإسرائيلي الفلسطيني من خلال الاتفاقيات الإبراهيمية، والتي يأتي في مقدمتها شرط يتعلق بدعم برنامج نووي سعودي وتوقيع اتفاقية دفاع مشترك تمنح السعودية ضمانات أمريكية أكبر بحماية أمنها حسبما تتصوره النخبة السعودية الحاكمة، تجدر الإشارة هنا إلى أن واشنطن لا تملك كل أوراق اللعب وأن هناك أوراق في أيدي الأطراف الأضعف يمكنها أن تحقق مكاسب إذا أحسن استغلالها.

الوهم الثالث والأخير، هو وهم أن العلاقة الخاصة بين أمريكا وإسرائيل والتي تستند إلى نفوذ اللوبي الإسرائيلي الرئيسي في واشنطن، الذي يقود جماعات الضغط اليهودية في دوائر صنع القرار الأمريكية وفي الكونجرس وفي الانتخابات الأمريكية التشريعية والرئاسية، والذي يجعل الساسة الأمريكيين أدوات طيعة في يد إسرائيل، أو تصوير إسرائيل في سياق هذه العلاقة بأنها حاملة الطائرات الأمريكية التي لا تغرق. صحيح أن هذه العلاقة الخاصة تقوم على الالتزام الأمريكي الثابت والذي لا يتغير بتغير الإدارات بحماية إسرائيل وأمنها، والذي تأكد في السنوات الثلاث الماضية منذ الحرب على غزة في أكتوبر 2023، إلا أن هذه العلاقة الخاصة ولدت وهما لدى كثيرين بأن الدعم الأمريكي لإسرائيل غير مشروط ومضمون طوال الوقت وأنه يكون أحيانا على حساب المصالح الأمريكية، وترسخ هذا الوهم منذ الحرب الأخيرة التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران في 28 فبراير الماضي واعتقاد دوائر كثيرة في الولايات المتحدة وفي المنطقة بأن إسرائيل ورطت الولايات المتحدة في هذه الحرب المرشحة للاستمرار في المواقف المتشددة التي تبديها إدارة ترامب والحكومة الإيرانية.

الشرق الأوسط بين التفسير والتغيير

ترفع الإدارات الأمريكية المتعاقبة، ومنذ هجمات 11 سبتمبر 2001، شعار التغيير في الشرق الأوسط، إما بتغيير النظم التي تحكم دوله أو بتغيير حدوده أو بتغيير بنية دوله التي تشكلت في أعقاب الحرب العالمية الأولى، لكن الإدارات المتعاقبة كانت تميل إلى عدم الاندفاع بعيداً عن السياسات التي اتبعتها منذ حرب عام 1967، والتي ترتكز على عملية للسلام وفق بنود قرار مجلس الأمن 242، والذي يفتح الباب إلى حل يستجيب إلى الطموحات الفلسطينية في الدولة، ولا يمنح إسرائيل وضعًا يمكنها من المضي في مسار مستقل قد يلحق الضرر بالمصالح الأمريكية أو بمصالح حلفاء واشنطن في المنطقة، وهو أمر يتفق مع الفهم الأمريكي الذي يرى أن إدارة الصراع هو ما يضمن تحقيق تلك المصالح، على الأقل حتى يتسنى حل التناقضات بين حلفائها المنطقة والتي تتمحور الصراع مع إسرائيل. ووجدت الإدارة الأمريكية في الاتفاقيات الإبراهيمية آلية مناسبة لحل هذا التناقض من خلال تطبيع العلاقات بين إسرائيل وحلفاء واشنطن العرب. وبات العمل على تثبيت هذه الاتفاقيات وتوسيعها أحد الركائز الأساسية في سياسة الولايات المتحدة تجاه المنطقة. 

وتحدث ترامب عن الاتفاقيات الإبراهيمية مرتين في أسبوع واحد، مرة حين استقبل الرئيس اللبناني جوزيف عون في البيت الأبيض يوم الثلاثاء الماضي، ومرة أخرى بعد يومين حين أشار في تغريدة له على موقع "تروث سوشيال" إلى أن الاتفاق النووي مع السعودية. وكشف موقع "أكسيوس" إن ترامب طلب من السعودية وقطر الانضمام إلى تلك الاتفاقيات، لتتبعهما بقية الدول. ولم ترد السعودية على تصريح ترامب الأخير، الذي يربط بين الاتفاق النووي وبين انضمامها للاتفاقيات، لكن مسؤولا سعوديا ألمح إلى بدائل للتعاون مع الولايات المتحدة في البرنامج النووي، بما يعني استمرار تمسك السعودية بالشروط التي أعلنتها من قبل لتطبيع العلاقات مع إسرائيل. ويأتي الإعلان في ظل تحولات تشهدها المنطقة على خلفية المواجهات العسكرية المستمرة مع إيران، وسعي واشنطن إلى فرض واقع جديد في المنطقة، في مواجهة اعتراضات قوى إقليمية رئيسية بما في ذلك اعتراضات إسرائيلية على خطط إعادة هندسة الأمن الإقليمي.  

إلى جانب الخلافات بين الإدارة الأمريكية وإسرائيل فيما يخض غزة ولبنان والتعاون النووي مع السعودية وبشأن بعض صفقات السلاح لدول عربية حليفة، إلا أن الاتفاق يتضمن بنودا تثير قلق إسرائيل لا تتعلق فقط بغموض الموقف من عمليات تخصيب اليورانيوم، منها نقل التكنولوجيا، كما أثار غياب النص الكامل للاتفاق انتقادات من خبراء ومشرعين قالوا إن الإعلان لا يوفر معلومات كافية عن التخصيب والتفتيش وإدارة الوقود النووي، وهي أمور أثارت قلق مراقبين ومحللين، ولم يقلل من هذا القلق وجود اتفاقيات أمريكية أخرى في مجال التعاون النووي مع مصر عام 1980، ومع الإمارات والذي دخل حيز التنفيذ في عام 2009 وسيكون له تأثير على مسار التفاوض مع إيران، إذ يرى منتقدون أن بعض بنود الاتفاق تنطوي على تنازلات قد تثير مخاوف من سباق نووي في المنطقة، في وقت تواجه فيه أوضاعا غير مستقرة، في ضوء استمرار الحرب ضد إيران وضد الميليشيات المتحالف معها.
------------------------------------
بقلم: أشرف راضي

 

مقالات اخرى للكاتب

الوضع الفلسطيني بعد حرب غزة | أزمة سياسة أم أزمة مشروع التحرر الوطني الفلسطيني؟