09 - 08 - 2026

المهرجان القومي للمسرح المصري يفتح حوارًا بين النقد والمجتمع

المهرجان القومي للمسرح المصري يفتح حوارًا بين النقد والمجتمع

تكريم حمدي الجابري يؤكد قيمة العقل النقدي.. و«مسرح المجتمعات المحلية» يطرح المسرح أداة للتنمية وبناء الوعي

واصل المهرجان القومي للمسرح المصري، برئاسة الفنان محمد رياض، في دورته التاسعة عشرة، تقديم فعالياته الفكرية التي تواكب العروض المسرحية، من خلال ندوتين سلطتا الضوء على جانبين رئيسيين في الحركة المسرحية؛ الأول احتفى بالنقد المسرحي ودوره في تطوير الفن، عبر مناقشة وتوقيع كتاب "حمدي الجابري.. أيقونة النقد"، فيما ناقشت الندوة الثانية مفهوم "مسرح المجتمعات المحلية" بوصفه أحد أهم الاتجاهات المسرحية المعاصرة التي تجعل المجتمع شريكًا في صناعة العرض وأداة للتنمية الثقافية.

وشهدت ندوة مناقشة كتاب «حمدي الجابري.. أيقونة النقد»، التي أدارها الكاتب والناقد جرجس شكري، مشاركة الدكتور حمدي الجابري، ومؤلف الكتاب الدكتور محمد زعيمة، بحضور الفنان محمد رياض رئيس المهرجان، وعدد كبير من النقاد والأكاديميين والمسرحيين.

وأكد جرجس شكري أن اهتمام المهرجان بتكريم النقاد يمثل خطوة مهمة لإعادة الاعتبار للعقل الذي يضيء الحركة المسرحية، مشيرًا إلى أن التكريم لا ينبغي أن يقتصر على صناع العروض، وإنما يشمل أيضًا الباحثين والنقاد الذين أسهموا في قراءة التجربة المسرحية وتوثيقها وتطويرها. كما أشاد بالدورة الحالية للمهرجان التي أولت اهتمامًا غير مسبوق بالإصدارات الفكرية وتكريم أصحاب الفكر، مستعرضًا المسيرة العلمية للدكتور حمدي الجابري، الذي جمع بين العمل الأكاديمي والإدارة الثقافية والكتابة الصحفية، وأسهم في تأسيس مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي، وتولى إدارة المركز القومي للمسرح، فضلًا عن مؤلفاته المهمة في النقد والمونودراما ومسرح الطفل.

من جانبه، استعاد الدكتور حمدي الجابري رحلته مع النقد المسرحي، موضحًا أنها بدأت منذ سنوات الدراسة بالمعهد العالي للفنون المسرحية، قبل أن ينتقل إلى الصحافة اليومية ويواصل الكتابة في الصحف والمجلات المصرية والعربية، مؤكدًا أن العمل الصحفي لم يدفعه للتخلي عن المنهج الأكاديمي، بل ساعده على تطوير أدواته والوصول إلى جمهور أوسع.

وشدد الجابري على أن الناقد الحقيقي لا يمكن أن يكتب عن المسرح من خارج التجربة العملية، موضحًا أنه كان يحرص خلال تدريسه للنقد التطبيقي على اصطحاب طلابه إلى خشبة المسرح، وتعريفهم بعناصر العرض المختلفة، حتى يدركوا عمليًا طبيعة ما يكتبون عنه، مؤكدًا أن الجمع بين المعرفة النظرية والخبرة التطبيقية هو أساس النقد الحقيقي.

كما تناول رؤيته للمونودراما، مؤكدًا أنها ليست بديلاً عن المسرح الجماعي، وإنما ظهرت في ظروف إنتاجية واجتماعية خاصة، وأن ازدهارها خلال جائحة كورونا كان استجابة لظرف استثنائي لا ينبغي أن يتحول إلى قاعدة دائمة، لأن المسرح في جوهره فن جماعي يقوم على التفاعل بين الفنانين والجمهور.

بدوره، أكد الدكتور محمد زعيمة، مؤلف الكتاب، أن الدكتور حمدي الجابري نجح في الجمع بين العمق الأكاديمي واللغة الصحفية البسيطة، وأسس نموذجًا متميزًا في الكتابة النقدية، مشيرًا إلى أنه كان يحرص على أن يعيش طلابه تفاصيل العملية المسرحية كاملة، من خلال الاحتكاك بالإخراج والتمثيل والسينوغرافيا، حتى تصبح قراءتهم للعروض أكثر شمولًا وموضوعية.

وفي سياق موازٍ، ناقشت ندوة «مسرح المجتمعات المحلية»، التي أدارها الشاعر والباحث الدكتور مسعود شومان، بمشاركة المخرج أحمد إسماعيل، والمخرج أسامة عبد الرؤوف، والفنان شنودة عادل، مفهوم المسرح المجتمعي وتجارب تطبيقه في المحافظات المصرية، ودوره في التنمية الثقافية وتعزيز المشاركة المجتمعية.

وأكد الدكتور مسعود شومان أن مسرح المجتمعات المحلية يقوم على جعل المجتمع شريكًا في صناعة العرض، وليس مجرد متلقٍ له، موضحًا أن هذا النموذج يستند إلى مشاركة الأهالي في جمع الحكايات وكتابة النصوص والتمثيل، ويستثمر التراث المحلي من الحكايات والأغاني والطقوس الشعبية، بما يسهم في الحفاظ على الهوية الثقافية، وتعزيز الانتماء، وطرح قضايا المجتمع من خلال الفن.

وأشار إلى أن هذا النوع من المسرح لا يرتبط بوجود قاعات مجهزة، بل يمكن تقديمه في القرى والساحات والمدارس ومراكز الشباب، كما يسهم في معالجة قضايا مثل التعليم والبيئة والهجرة والعنف والبطالة، رغم ما يواجهه من تحديات تتعلق بالتمويل واستدامة الفرق المسرحية.

واستعرض المخرج أحمد إسماعيل تجربته مع المسرح المجتمعي، مؤكدًا أن اهتمامه بدأ من قريته «شبرا بخوم»، حيث نجح في تأسيس تجربة مسرحية شارك فيها أبناء القرية من مختلف الأعمار، حتى أصبحت جزءًا من حياتهم الثقافية، مشددًا على أن بناء جمهور المسرح يحتاج إلى الاستمرارية والتراكم، وليس إلى عروض موسمية.

أما المخرج أسامة عبد الرؤوف، فتناول تجربة «مسرح الجرن» التي نفذها في عدد من محافظات الصعيد، موضحًا أن المشروع اعتمد على إشراك أبناء المجتمعات المحلية في صناعة العروض المسرحية، بهدف تنمية الوعي، ومواجهة التطرف، وتعزيز قيم الحوار والانتماء، مستشهدًا بتجارب نجحت في تحويل القضايا التي تناولتها العروض إلى مبادرات مجتمعية على أرض الواقع.

واختتم الفنان شنودة عادل الندوة باستعراض تجربة «مركز الصخرة الثقافي» بقرية دير جبل الطير بمحافظة المنيا، والتي بدأت عام 2016 لنقل الأنشطة الثقافية إلى القرى المحرومة، مشيرًا إلى نجاح المبادرة، بالتعاون مع الأهالي، في تحويل أحد مقالب القمامة إلى حديقة ثقافية تستضيف عروض المسرح والسينما والحكي والقراءة، كما أطلقت مشروع «تياترو سلك» الذي يشارك فيه الأطفال والشباب في تصميم العرائس وصناعتها وكتابة نصوصها وتقديم عروضها داخل القرى.

وعكست الندوتان رؤية الدورة التاسعة عشرة للمهرجان القومي للمسرح المصري في توسيع مفهوم العمل المسرحي، بحيث لا يقتصر على تقديم العروض، وإنما يمتد إلى الاحتفاء بالنقد بوصفه شريكًا في تطوير الحركة المسرحية، وإبراز دور المسرح كوسيلة للتنمية المجتمعية وصناعة الوعي، بما يؤكد أن المسرح المصري لا يزال قادرًا على الجمع بين الفكر والإبداع، وبين الخشبة والمجتمع.