02 - 08 - 2026

مسيّرة دمياط... الرسائل والروايات والأسئلة

مسيّرة دمياط... الرسائل والروايات والأسئلة

ليست أهمية حادث دمياط في معرفة من أطلق المسيّرة فقط، بل في فهم ما يكشفه عن طبيعة الحروب الجديدة، حيث تصبح الرسائل أحيانًا أخطر من الضربات نفسها.

الطائرات المسيّرة ليست مجرد سلاح؛ بعضها يتحول إلى رسائل سياسية، أو اختبارات عسكرية، أو يثير من الأسئلة ما يفوق حجم الدمار الذي يخلّفه. ومن هذا النوع تبدو المسيّرة التي استهدفت ميناء دمياط.

ليس هدف هذا المقال تحديد الجهة التي أطلقتها، فذلك شأن التحقيقات، كما أنه لا يسعى إلى ترجيح فرضية على أخرى في غياب الأدلة، بل إلى قراءة الحدث من زاوية مختلفة: ماذا تقول الروايات المتنافسة؟ ومن أرسل الرسالة؟ ولمن وُجهت؟ وما الذي تكشفه عن طبيعة الصراع الذي يتشكل في الشرق الأوسط؟

بغض النظر عن هوية الفاعل، تجاوز الحادث كونه واقعة أمنية عابرة، لأنه وقع في لحظة تختلط فيها المواجهة العسكرية بالحرب النفسية، والردع بالرسائل غير المعلنة. ولذلك لا يقتصر التحليل الاستراتيجي على معرفة من أطلق المسيّرة، بل يمتد إلى فهم الرسالة التي حملتها، والجهة التي استهدفتها، وما إذا كانت الواقعة حدثًا منفردًا أم مؤشرًا على تحول أوسع في طبيعة الصراع.

ومن هنا يبرز السؤالان الأساسيان: من أرسل الرسالة؟ ولمن أُرسلت؟

إذا كانت إيران هي الفاعل، فالرسالة تعني أنها ما زالت قادرة على توسيع مسرح المواجهة، وأن خطوط الطاقة والملاحة في شرق المتوسط أصبحت جزءًا من معادلات الردع، وأن أي طرف ينخرط، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في ترتيبات تمس مصالحها قد يجد نفسه داخل دائرة الضغط.

أما إذا كانت إسرائيل وراء العملية، فقد يكون المقصود ترسيخ صورة إيران باعتبارها مصدر التهديد الأول، ودفع دول المنطقة إلى مزيد من الاصطفاف تحت قيادتها في مواجهة العدو المشترك، أو إعادة صياغة الحسابات الأمنية والسياسية، وفي مقدمتها الحسابات المصرية.

يبقى احتمال ثالث لا يجوز استبعاده، وهو أن تكون العملية من تنفيذ جهة غير حكومية، أو طرف يعمل بالوكالة مع الاحتفاظ بإمكانية الإنكار. فالمسيّرات لم تعد سلاحًا تحتكره الدول، وأصبح في مقدور جماعات محدودة الإمكانات تنفيذ عمليات ذات أثر سياسي واستراتيجي يتجاوز كثيرًا قدراتها العسكرية.

غير أن هوية المرسل ليست وحدها مفتاح الفهم، فالأهمية لا تكمن فقط فيمن أرسل الرسالة، بل أيضًا فيمن أراد أن يتلقاها.

هل كانت الرسالة إلى مصر، بما يعني أن موانئها ومنشآت الطاقة فيها أصبحت جزءًا من مسرح الصراع، وأن سياسة الابتعاد عن المواجهة لم تعد كافية لتحييد تداعياته؟

أم كانت موجهة إلى الولايات المتحدة عبر مصالحها ومنشآت الطاقة المرتبطة بها؟ 

أم إلى إسرائيل، لتأكيد أن ساحات الضغط لم تعد تقتصر على حدود المواجهة التقليدية؟

وربما لم تكن الرسالة موجهة إلى دولة بعينها، بل إلى الأسواق العالمية نفسها. ففي عالم الاقتصاد، قد يكون رفع تكلفة التأمين، أو اهتزاز الثقة في أمن موانئ شرق المتوسط، أشد تأثيرًا من تدمير هدف عسكري محدود. وعندها يصبح المتلقي الحقيقي للرسالة ليس الحكومات والجيوش وحدها، بل أيضًا شركات التأمين، وأسواق الطاقة، وشركات النقل البحري.

***

لكن الرسائل، مهما تعددت، لا تلغي حقيقة أخرى، هي أن حادث دمياط فتح بابًا واسعًا من الأسئلة، وربما كانت هذه الأسئلة أخطر من الإجابات المتعجلة التي سارع البعض إلى تقديمها.

لماذا دمياط؟ ، فالميناء ليس مجرد ميناء تجاري، بل يمثل إحدى أهم بوابات مصر على البحر المتوسط، ويرتبط بمنشآت حيوية للطاقة وحركة التجارة الدولية. فهل جاء اختياره بسبب هذه الأهمية الاستراتيجية؟ أم لأن الهدف الحقيقي كان سفينة بعينها؟ أم أن الموقع نفسه لم يكن سوى وسيلة لإيصال رسالة تتجاوز حدوده؟

وهل كانت مصر هي المقصودة؟، فليس كل هجوم يقع داخل حدود دولة يكون موجهًا إليها بالضرورة. فقد يكون المقصود طرفًا ثالثًا يستخدم الميناء أو ترتبط مصالحه به. أما إذا كانت الرسالة موجهة إلى مصر نفسها، فإن الأمر يكتسب دلالة مختلفة، لأنه يعني أن القاهرة دخلت، شاءت أم أبت، في حسابات الصراع الإقليمي الجديد.

ثم يبرز سؤال آخر: كيف وصلت المسيّرة؟

القضية هنا لا تتعلق فقط بقدرة طائرة صغيرة على قطع مسافة معينة، بل بطبيعة التهديد الذي تواجهه المنطقة كلها. هل انطلقت من مسافة بعيدة أم من نقطة قريبة؟ هل عبرت البحر أم جاءت من اليابسة؟ هل كانت تعمل منفردة أم ضمن منظومة أكبر؟ وهل كان الهدف إصابة المنشأة، أم اختبار قدرات الرصد والإنذار والاستجابة؟

وفي الحروب الحديثة لا تقل عمليات الاستطلاع خطورة عن عمليات القصف، إذ قد يكون الهدف الحقيقي قياس زمن الاستجابة، وكفاءة الدفاعات، والثغرات التي يمكن استغلالها لاحقًا، أكثر من إحداث خسائر مباشرة.

وهل نحن أمام حادث منفرد، أم بداية نمط جديد؟

إذا كان ما جرى مجرد واقعة معزولة، فسوف ينتهي أثرها بانتهاء التحقيقات. أما إذا كان جزءًا من تحول في طبيعة الصراع، فإن الموانئ، ومحطات الغاز، وشبكات الكهرباء، وخطوط الملاحة، قد تصبح أهدافًا لحروب تستهدف إنهاك الخصوم اقتصاديًا وإرباكهم نفسيًا أكثر مما تستهدف تدميرهم عسكريًا.

ومن هنا يبرز سؤال آخر: هل كانت الغاية إحداث خسائر مادية، أم مجرد إثبات القدرة على الوصول؟

في كثير من الأحيان لا يكون الهدف الحقيقي هو ما تصيبه المسيّرة، بل ما تزرعه في العقول. فمجرد إثبات أن منشأة استراتيجية يمكن الوصول إليها قد يكون، في الحسابات العسكرية، رسالة أشد تأثيرًا من تدميرها بالكامل. فالخسائر المادية يمكن إصلاحها، أما اتساع دائرة التهديد فهو الذي يعيد صياغة الحسابات الأمنية والسياسية.

وتقود هذه الأسئلة جميعًا إلى السؤال الأكبر: هل تكشف حادثة دمياط عن ثغرة عابرة، أم أنها تعلن دخول الشرق الأوسط مرحلة جديدة، أصبحت فيها المسيّرات أداة لإعادة رسم خرائط الردع، وأصبحت الموانئ ومنشآت الطاقة جزءًا من ساحات الاشتباك، حتى في الدول التي لا تشارك مباشرة في الحرب؟

ذلك هو السؤال الذي يستحق أن يبقى مطروحًا، حتى بعد أن تعلن التحقيقات اسم الفاعل. فمعرفة من أطلق المسيّرة مهمة، لكن الأهم هو معرفة ما إذا كانت المنطقة قد دخلت بالفعل عصرًا جديدًا، لم تعد فيه المسافات ضمانًا للأمن، ولا الحياد كافيًا لإبعاد أخطار الصراع.

***

غير أن أكثر ما يلفت الانتباه في حادث دمياط ليس فقط الغموض الذي يحيط بهوية الفاعل، وإنما الانقسام الحاد في تفسيره. 

منذ الساعات الأولى لم ينشأ الجدل حول الوقائع بقدر ما انشغل كل طرف بتقديم الرواية التي تؤكد قناعاته المسبقة.

تنطلق الرواية الأولى، وهي الأكثر تداولًا في أوساط واسعة من الرأي العام المصري، من فرضية أن إسرائيل تقف وراء العملية. ولا يستند أصحابها إلى الحادث وحده، بل إلى سجل طويل من العمليات السرية التي نُسبت إلى إسرائيل أو اعترفت بها لاحقًا، بدءًا من فضيحة لافون، مرورًا بعمليات خارج الحدود، وصولًا إلى نمط أمني يقوم على استخدام العمليات السرية لتحقيق أهداف سياسية واستراتيجية تتجاوز نتائجها العسكرية المباشرة.

بحسب هذا المنطق، لم يكن ميناء دمياط هو الهدف الحقيقي، بل دفع مصر إلى إعادة النظر في موقعها من الحرب الدائرة، أو خلق مناخ يدفعها إلى التعامل مع إيران باعتبارها التهديد المباشر، بما يوسع دائرة المواجهة ويمنح إسرائيل مكاسب سياسية يصعب تحقيقها بالوسائل التقليدية.

إسرائيل ستكون المستفيد الأكبر من أي توتر في العلاقات المصرية الإيرانية، لأنه ينقل مركز الصراع بعيدًا عنها، ويشغل أكبر دولة عربية بجبهة جديدة، وهو ما ينسجم، مع سياسة إسرائيلية سعت تاريخيًا إلى منع تشكل توازنات إقليمية تحد من حرية حركتها.

في المقابل، تطرح رواية أخرى، يتبناها عدد من الإعلاميين والكتاب، ولا سيما في بعض وسائل الإعلام الخليجية، فرضية معاكسة تمامًا، مؤداها أن إيران هي التي تقف وراء العملية، وأن ما جرى رسالة مباشرة إلى مصر، أو محاولة لإظهار قدرتها على تهديد الموانئ ومنشآت الطاقة خارج الخليج.

ولا يقتصر أصحاب هذه الرواية على تفسير الحادث، بل ينتقلون مباشرة إلى استخلاص نتيجة سياسية، مفادها أن على القاهرة أن تتخذ موقفًا أكثر تشددًا تجاه طهران، وأن ترد على ما يعدونه اعتداءً لا يجوز السكوت عليه.

هنا تبرز المفارقة الأهم في الحادث. فعلى الرغم من أن الروايتين تنطلقان من فرضيتين متناقضتين بشأن هوية الفاعل، فإنهما تنتهيان عمليًا إلى النتيجة السياسية نفسها: دفع مصر إلى الانخراط بصورة أعمق في المواجهة مع إيران. فإذا كانت الرواية الأولى ترى أن هذا هو الهدف الذي تسعى إليه إسرائيل عبر عملية سرية، فإن الثانية تدعو إلى النتيجة ذاتها، ولكن انطلاقًا من اتهام إيران مباشرة بالمسؤولية.

ومن هنا يصبح السؤال الحقيقي: هل ينبغي أن تُبنى السياسة المصرية على فرضيات لم تثبت بعد، أم أن مقتضى الحكمة يفرض انتظار نتائج التحقيق، مع التعامل في الوقت نفسه مع الحادث باعتباره إنذارًا يستوجب تعزيز حماية المنشآت الحيوية، بصرف النظر عن هوية الفاعل؟

ذلك هو الفارق بين إدارة الانفعال وإدارة الدولة؛ فالأولى تبحث عن متهم بأسرع وقت، أما الثانية فتبني قراراتها على الأدلة، لأن كلفة الخطأ في تقدير هوية الفاعل قد تكون أكبر من كلفة الحادث نفسه.

***

قد تكشف التحقيقات هوية الجهة التي أطلقت المسيّرة، وقد تبقى الحقيقة غامضة كما بقيت وقائع كثيرة في تاريخ الصراعات الإقليمية. لكن ذلك لن يغير الحقيقة الأهم: أن حادث دمياط لم يعد مجرد واقعة أمنية، بل مؤشر على تحول في طبيعة الصراع في الشرق الأوسط.

المسيّرات لم تعد مجرد وسائل قتالية، بل أصبحت أدوات للردع والضغط السياسي والاقتصادي، تُوجَّه رسائلها إلى العواصم كما تُوجَّه إلى الأسواق، وإلى الجيوش كما تُوجَّه إلى شركات التأمين والمستثمرين.

ولم تعد الحروب تستهدف الجيوش وحدها، بل قدرة الدول على مواصلة العمل بصورة طبيعية، وحماية موانئها ومنشآت الطاقة وشبكات التجارة التي يقوم عليها اقتصادها. وفي عالم شديد الترابط، قد يكون إرباك سوق الطاقة، أو رفع تكلفة التأمين، أو زعزعة الثقة في مرفق حيوي، أكثر تأثيرًا من ضربة عسكرية محدودة.

ومن هذه الزاوية، فإن حادث دمياط لا يروي قصة مسيّرة مجهولة، بقدر ما يكشف عن انتقال الصراع من استهداف الجيوش إلى استهداف شرايين الاقتصاد، وعن تحول الردع من معادلات القوة العسكرية وحدها إلى معادلات الثقة والاستقرار والقدرة على حماية البنية التحتية.

ولعل هذه هي الرسالة الأعمق التي يفرضها الحادث: لقد تغيّر تعريف القوة في الشرق الأوسط. فلم تعد القوة تُقاس بما تملكه الدول من جيوش وأسلحة فحسب، بل بقدرتها على حماية اقتصادها، وصون بنيتها التحتية، وإدارة التهديدات التي تفرضها حروب لا تُخاض دائمًا على خطوط الجبهات.
---------------------------------
بقلم: محمد حماد

مقالات اخرى للكاتب

الوسطاء حائرون