* ترامب والإعلام الأمريكي يتهمون طهران بتنفيذ واقعة ميناء دمياط.. وعراقجي: أمن مصر يهم إيران
تواصل السلطات الأمنية المصرية التحقيق في ملابسات تعرض ناقلة التخزين العائمة (إنرجوس وينتر)، المملوكة لشركة أمريكية وترفع علم جزر مارشال، لهجوم بطائرة مسيّرة واحدة أثناء رسوها في ميناء دمياط لتفريغ حمولتها مما أدى إلى اندلاع حريق امتد لاحقا إلى سفينة أخرى هي (جاز لوج سالم).
القاهرة لم توجه أصابع الاتهام لأحد انتظاراً لما تسفر عنه التحقيقات المتعمقة التي تجريها عبر كافة الجهات المسؤولة، وفقاً للبيان الصحفي لمجلس الوزراء المصري الذي أكد مواصلة التحقيقات لكشف ملابسات الحادث، واتخاذ الإجراءات اللازمة للحفاظ على مصالح مصر وأمنها القومي.
لكن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، تولى تحديد المتهم بعد وقت قليل من الحادث الذي وقع مساء الأربعاء 29 يوليو 2026، واستبق التحقيقات الرسمية المصرية، وقال "إنه أطلع على تفاصيل الحادث، واتهم إيران بوقوفها خلف الحادث دون تقديم تفاصيل، بقوله "إنه لديه إحاطة حول تورط إيران في عملية بطائرة مسيرة في مصر"، مضيفاً أن الحادث ليس سوى استمرار لما يحدث، وأن الولايات المتحدة ستوجه لهم ضربات قوية للغاية، لأن دورنا قد حان.
كما تولت صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية مهمة الاتهام لإيران، وذكرت الخميس (30 يوليو 2026) نقلاً عن مصدرين إيرانيين (طلبا عدم الكشف عن هويتهما) بأن الهجوم بطائرة مسيّرة على ميناء دمياط يهدف إلى إرسال رسالة مفادها إظهار قدرة إيران (أو حلفائها) على توسيع نطاق التصعيد وتعطيل حركة الشحن العالمية وإمدادات الطاقة خارج حدود البحر الأحمر والخليج العربي بالوصول إلى شرق المتوسط.
ولم يحدد المصدران الإيرانيان ما إذا كان الهجوم قد أُطلق مباشرة من داخل إيران أو عبر إحدى الجماعات المسلحة المتحالفة معها في المنطقة، أو الجهة المنفذة بالتحديد.

ومن جانبها رفضت وزارة الخارجية الإيرانية تكهنات وسائل إعلام غربية بشأن ارتباط إيران بالهجمات على سفينتين في ميناء دمياط المصري. وقالت: “سياستنا مبدئية في احترام سيادة مصر ونرفض بشكل قاطع أي تورط لنا في هجمات دمياط”.
وفي الوقت الذي أكد فيه رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي أن الأجهزة الأمنية تواصل جهودها لمعرفة مصدر المُسيرة التي استهدفت السفينتين في دمياط. ولفت مدبولي خلال مؤتمر صحفي له يوم الخميس، إلى عدم إعلان أي جهة مسؤوليتها عن حادث دمياط حتى الآن.
ادعت الرواية الأمريكية، وفقا لـ صحيفة "وول ستريت جورنال"، التي ذكرت أنه نقلاً عن مسؤولين مصريين مطلعين بأن السلطات المصرية حملت إيران، في البداية، مسؤولية الهجوم، واعتبرته محاولة لتوسيع رقعة الصراع، وهو ما يشير إلى أن الحرس الثوري الإيراني بات أكثر استعداداً للمخاطرة، حتى مع دول تُعد صديقة لطهران، وفق تقدير المصادر المصرية. علماً بأن السلطات المصرية لم توجه الاتهام لإيران أو لأي جهة، وتنتظر نتائج التحقيقات. كما نفى وزير الإعلام المصري ضياء رشوان في حديث تليفزيوني ما نشرته صحيفة وول ستريت جورنال من ادعاءات بأن الحكومة المصرية تعتبر إيران هي المسؤولة عن الهجوم بطائرة مسيّرة استهدف سفينتين في ميناء دمياط.
** د. سعيداوي: اتهام إيران رواية إعلامية
في ذات الوقت استبعدت مصادر إعلامية وسياسية إيرانية قريبة الصلة من الحكومة الإيرانية إقدام طهران على استهداف المصالح المصرية، وليس ببعيد أن يقف وراء ذلك العمل الكيان الصهيوني الذي عودنا على إحداث الفتن بين البلدان الإسلامية كلما اقتربت، وقالت المصادر لـ "المشهد" إنها لا تستبعد أن تكون الخلايا الأوكرانية المتواجدة في العراق وسوريا والأردن هي من قامت بذلك.
وأكدت المصادر بُعد إيران التام عن تلك الحادثة، وأن ما يروجه الإعلام الأمريكي يأتي ضمن "شيطنة إيران" وهو أمر يدركه المصريين جيداً. ولم تستبعد المصادر أن يكون للكيان الصهيوني دوراً في حادثة ميناء دمياط، للوقيعة بين مصر وإيران، خاصة وأنه كلما حدث تقارب بين الدول الإسلامية لعبت الكيان الصهيوني والأمريكي دور الفتنة بينهم، فضلاً عن أن العلاقات المصرية الإيرانية تشهد تطورا في التقارب وهو ما يزعج الأمريكي والإسرائيلي. وذلك وفقا لحديث الكاتب والمحلل السياسي والأكاديمي الإيراني د. جبار سعيداوي ـ والذي أضاف "القاهرة تلعب دورا ربما غير معلن في تقريب وجهات النظر بين دولة المنطقة وتعمل على احتواء التصعيد والتقارب الإيراني العربي، وهو أمر مزعج للصهيونية".

وفي حديث مع "المشهد" قال الدكتور سعيداوي: "تداولت بعض وسائل الإعلام، نقلاً عن نيويورك تايمز، أن مصدرين إيرانيين مجهولي الهوية زعما أن الهجوم على دمياط يهدف إلى إظهار قدرة إيران على تعطيل حركة الشحن العالمية. لكن من الناحية المهنية، فإن مثل هذه الروايات تستوجب قدراً كبيراً من الحذر، لأنها تعتمد على مصادر مجهولة، ولم تؤيدها أي جهة رسمية إيرانية أو أدلة مستقلة يمكن التحقق منها.
كما أن هذا الطرح لا ينسجم، في ظاهره، ـ والحديث لازال للدكتور سعيداوي ـ مع النمط المعروف لإدارة الرسائل الإستراتيجية الإيرانية. فإيران، في الملفات الأمنية والعسكرية الحساسة، لا تعتمد عادةً على تسريب رسائل بهذا الوضوح عبر مصادر مجهولة لوسائل إعلام غربية، بل إما أن تعلن مواقفها بصورة رسمية عندما ترى في ذلك مصلحة سياسية أو ردعية، أو تلتزم الصمت.
ومن هنا، فإن تحويل رواية إعلامية مبنية على مصادر مجهولة إلى حقيقة سياسية يعد تجاوزاً للمعايير المهنية في التحليل. فالأصل في مثل هذه التقارير أن تُعامل بوصفها فرضيات أو تسريبات قابلة للنقاش، لا حقائق نهائية. إن القراءة الموضوعية تقتضي الفصل بين ما تنشره وسائل الإعلام، وبين ما تثبته الوقائع والأدلة. وفي القضايا ذات الحساسية الجيوسياسية، لا ينبغي أن يحل التسريب محل الدليل، ولا الرواية محل الحقيقة.
وأكد الدكتور سعيداوي أنه مما لا شك فيه نحن في إيران ندين ذلك العمل الذي يضر بعلاقات البلدين، والذي من غير المستبعد وقوف الكيان الصهيوني خلفه، لأنه عودنا كلما حصلت قرابة بين البلدان الإسلامية دخل بفتنة جديدة.

** عراقجي يحذر من العلم الزائف
ومن جانبه أكد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، أن مصر تعد مصر صديقا وشريكا مهما في المنطقة، وأمنها يشكل أهمية قصوى بالنسبة للجمهورية الإسلامية.
وفي منشور له على منصة إكس، قال عراقجي: "يجب علينا جميعاً أن نكون يقظين تجاه المخططات الإسرائيلية وعمليات "العَلَم الزائف" التي تهدف إلى تقويض السلام الإقليمي". واستطرد قائلاً: "إن التهديد واضح، ومشترك، ويخشَى تضامن المسلمين".
** صنعاء تبرئ ذمتها
ومن العاصمة اليمنية صنعاء، أفاد مصدر مسؤول بوزارة الخارجية والمغتربين، بأن لا صحة للشائعات حول استهداف اليمن سفينة في ميناء دمياط بجمهورية مصر العربية.
وأكد المصدر في تصريح لوكالة الأنباء اليمنية (سبأ) أن الموقف اليمني واضح ومعلن وصريح، ويستهدف النظام السعودي فقط لحصاره الظالم وعدوانه المستمر على الشعب اليمني. كما أكد المصدر أن الملاحة آمنة في البحر الأحمر ولا يوجد مبرر لأي مخاوف يحاول النظام السعودي أن يشيعها بغرض إخراج نفسه من المأزق الذي أوقع نفسه فيه.

** د. الهاشمي: المأزق الأمريكي وخلط الأوراق
ومن العراق يرى مدير مركز الاتحاد للدراسات الاستراتيجية دكتور محمود الهاشمي، أن الولايات المتحدة تعيش أزمة بالمنطقة بعد أن عجزت عن تحقيق أهدافها سواء بتغيير النظام بإيران أو الحفاظ على قواعدها أو مضيق هرمز، فذهبت إلى المشورة الاسرائيلية القاضية بخلط الاوراق والتي تدعو لتوريط دول المنطقة بالحرب مع إيران، لرغبتها في الانسحاب ببطء من المنطقة والذهاب إلى أميركا اللاتينية لمحاربة اليسار الصاعد هناك، والهيمنة الاقتصادية الصينية التي رفعت ميزانها التجاري الى 500 مليار دولار فيما تراجع ميزان الولايات المتحدة إلى 150 مليار دولار فقط. لذلك لجأت واشنطن برؤية إسرائيلية لصناعة الخلافات بين دول المنطقة وبعضها، وبين دول المنطقة وإيران. وهي تعمل حالياً على صناعة خلاف لإيران مع مصر، لكن الحكومة المصرية غير دول الخليج، حيث لم يصدر عن أي مسؤول مصري اتهام لإيران، وكانت واضحة ننتظر نتائج التحقيقات*.
ويستبعد الدكتور الهاشمي ـ خلال حديثه عن المشهد ـ إقدام إيران على مثل ذلك العمل، نظراً لبعد المسافة، ويقول "إن انطلاق مسيرة من الأراضي الإيرانية إلى مصر هي مسألة معقدة، لعبورها أجواء عدة دول مما يجعلها سهلة الرؤية، حتى الرعاة يرونها بالعيون المجردة". ويضيف: "بحكم متابعتي.. إيران ترى في مصر صديقاً مستقبلي، وطهران تدرك حجم معاناة المصريين من قبل دول الخليج، وتأثيرها بالمنطقة، والظروف التي تعيشها لذا ترى الإدارة المصرية تتفهم ذلك".
استهداف سفينة بميناء دمياط المصري المطل على البحر المتوسط، جاء في وقت تكثّف فيه القاهرة اتصالاتها الإقليمية والدولية، لدفع مسار التهدئة بين الولايات المتحدة وإيران، ومنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة شاملة جديدة، ومنع العودة إلى التصعيد العسكري.







