09 - 08 - 2026

«نحن أَوْلَى بها»!

«نحن أَوْلَى بها»!

جاء اتصالُ فضيلة الإمام الأكبر د. أحمد الطيب شيخ الأزهر بأوائل الثانوية الأزهرية، والذي ذَكرَ فيه اسمه مجردا دون وظيفةٍ أو لقب في رده على إحدى طالبات الدمج، برهانًا على مدى تواضع فضيلته، ودليلا على إيمانه بأنَّ المنصب تكليفٌ وليس تشريفا.

والمؤكد أنَّ مواقف شيخ الأزهر الواضحة وضوح الشمس في كبد السماء، تُثبِت أنّه حالة فريدة، زهدت في حطام الدنيا الزائل، وحملت على عاتقها همَّ الدعوة والمسلمين، ونشر الإسلام في ربوع الأرض من خلال كشف سماحته ومبادئه، التي تجلّت في مواقفَ لا حصر لها، وأحاديث شتى أكدت أنَّ المسلمين الأوائل كانوا سفراء للإسلام، رفعوا راية التبشير لا التنفير . ذلك التبشير الذي اتّبعه فضيلةُ الإمام الأكبر ـ اقتداء بالسلف ـ في دعوته العامة، ولقاءاته، وحواراته، ومؤتمراته، فكان بالنسبة له منهج حياة، لم يحد عنه قيد أنملة، أو يغفل عنه ساعة من ليل أو نهار .

والشيخ الطيب نموذجٌ لكلمة الحق، التي يقولها دون مواربة، مهما تكن الظروف، ولكنْ بأسلوب يمتاز بالحكمة والموعظة الحسنة.

والحديث عن سجايا الإمام الطيب، لا يستوعبه مقال، بل تصنّفُ فيه أبحاثٌ مطوّلة، ولكني أقفُ هنا عند عبارة قالها، لمّا علم بحالة إحدى طالبات الأزهر الصحيّة، وهي عبارة: «نحن أحق بها»، والتي تجسد مفهوم الرعاية، التي أخبر عنها نبينا بقوله: (كلكم راع، وكلكم مسئولٌ عن رعيّته).

فالرعايةُ ليست عبارة تُرددها الألسنة، ويكذبها الواقع، لكنها تعهدٌ واحتواء، وغوصٌ في دواخل المرء؛ لمعرفة ما يُكدّر عليه صفو حياته وإزالته، والتفتيش عن جروحه لتضميدها، والبحث عن أسباب كبواته؛ لإزاحتها عن طريقه .  أمّا الجلوس في برج عاجي، والاكتفاء بتقارير مضللة، تُثبت أنّ كلّ شيء تحت السيطرة، فهذه اتكالية رخيصة، تتعارض مع الرعاية الحقيقية، التي حَرص عليها السلف تأسيا بالرسول الأعظم محمد صلى الله عليه وسلم .

«نحن أحقّ بها»، عبارة لو رفع شعارها كلُّ مسئول بكل هيئة؛ لاستثمرنا الكوادر الحقيقية، التي تقف أمامها عوائق، وتحتاج إلى من يمد لها يد العون!

كم من طالبٍ كان ملء السمع والبصر، توقف عن مسيرة البحث لأسباب تافهة، ولو أنّه وجد يد عون لأكمل وحقق النجاح والتفوق!

كثيرٌ من الباحثين وقفوا في منتصف الطريق، وربما في بدايته؛ لظروف مالية، أو رعونة أستاذ، أو عوائق عمل، ولو وجدوا من يمسح دمعتهم، أو يربت على أكتافهم ويشجعهم، فربما كان لهم شأنٌ آخر !

«نحن أولى بها» عبارةٌ لابد أن تكون شعار كل مؤسسة أو مصلحة أو هيئة، أما أن «تأكل المؤسسات والهيئات والمصالح أبناءها لحما، وترميهم عظما»، فتلك هي الطامة، التي صارت لسان حال الجميع، وقطعا ستأكل الأخضر واليابس، وتُفقد المرء انتماءه لمؤسسته أو لوطنه !

كثيرٌ من الباحثن والعاملين، يعانون غربة داخل الوطن؛ لغياب هذا الشعار، وانتشار لغة (الفهلوة، والضحك على الذقون، والنفاق الاجتماعي)، وغيرها من آفات، اتسع معها الخرق على الراقع .

عبارة فضيلة الإمام الأكبر السابقة، والتي صدرت عن أكبر رأس في العالم الإسلامي بأسره، تكشفُ عن أنّ ولاية الأمر رعايةٌ وتفقد وإزالة معوقات، وتذليل صعوبات كما فعل ويفعل فضيلةُ الإمام الطيب حفظه الله !
-----------------------------
بقلم: صبري الموجي
* مدير تحرير الأهرام


مقالات اخرى للكاتب

«نحن أَوْلَى بها»!