"انزلي يا بت إنتِ وهي... الحاجات جت من البلد !"
لم يكن هذا مجرد نداء، بل كان موعدًا شهريا يعرفه الجميع، ما إن يصدح صوت أم سلامة من بئر السلم، حتى تبدأ أبواب الشقق في الانفتاح واحدًا تلو الآخر، تنزل النساء مسرعات، تسبقهن ابتساماتهن، وكأنهن ذاهبات إلى لقاء ينتظرنه منذ أيام.
واليوم، وأنا أواصل رحلتي في «عطفة المحبة»، سأطرق أول أبوابها، إنها الشقة الأرضية في آخر بيوت العطفة.
وللوصول إليها، كان علينا أن نعبر الزقاق كله؛ ذلك الزقاق الصغير المتفرع من احدي تفريعات شارع محمد علي في حي القلعة، حيث يبدو التاريخ جارًا للناس لا مجرد صفحات في كتاب، فمن أسطح منازل العطفة كانت مآذن السلطان حسن والرفاعي تلوح في الأفق، وعلى مسافة دقائق تمتد مساجد آل البيت؛ السيدة زينب، والسيدة عائشة، والسيدة نفيسة، والست فاطمة النبوية، ثم الإمام الحسين، وكانت الزوايا والأضرحة والمساجد المملوكية القديمة جزءًا من المشهد اليومي، حتى غدا صوت الأذان، وتعاقب المصلين، ورائحة البخور في بعض الليالي، جزءًا من ذاكرة المكان.
ولعل أهل العطفة حملوا شيئًا من روح تلك البيئة، فلا أدعي أنهم كانوا ملائكة، لكنني عرفت بينهم أصالة في المعاملة، ومحبة لفعل الخير عز وجودها في زماننا هذا.. رأيت منهم ، تدينًا بسيطًا يترجم نفسه في السلوك قبل الكلام كانوا يرون أن حق الجار عبادة، وأن ستر الناس أقرب إلى الله من تتبع عيوبهم.
وكانت أم سلامة واحدة من أجمل تجليات تلك الروح، كانت تسكن الشقة الأرضية مع أسرتها، امرأة في العقد السادس من عمرها، أو هكذا بدت لي وأنا طفلة، فقد كان الأطفال يومها يظنون كل من تجاوز الأربعين شيخًا، رحل زوجها مبكرًا، وترك لها مسؤولية الأبناء، لكنها لم تسمح للحزن أن يغلق باب بيتها، ولا للفقر أن يضيق قلبها.
لا أذكر متى رأيتها لأول مرة، لأنها كانت موجودة في حياتنا منذ بدأت أعي الدنيا، كأنها جزء من البيت نفسه، أو كأنها إحدى دعائمه التي تمنح المكان طمأنينته.
كنت أظن أن النساء يسرعن إلى ندائها من أجل الجبن القريش، والزبد البلدي، والبيض الذي كانت تحضره من قريتها في الشرقية.
لكنني حين كبرت، أدركت أنهن كن يذهبن إليها قبل أن يذهبن إلى ما تحمله، فكل واحدة منهن كانت قد تركت أمها في قرية أو مدينة بعيدة، وجاءت إلى القاهرة تحمل هموم بيت جديد، وأطفال صغار، وحياة لا ترحم، وفي هذه المدينة المزدحمة، أصبحت أم سلامة أمًا بالتبني لكل من احتاج إلى أم.
كانت ملجأً للأمهات الصغيرات، تستمع إلى شكواهن من مرض طفل، أو عناد ابن، أو خلاف مع زوج، ثم تجيب بكلمات قليلة، لكنها كانت تخرج من قلب عاش التجربة قبل أن ينطق بالنصيحة.
لم تكن تسأل امرأة إن كانت تملك ثمن ما تأخذه، فقد كانت تعرف أحوال البيوت قبل أن تُروى لها.
من استطاعت الدفع دفعت، ومن ضاقت بها الأيام، كانت تسمع الجملة نفسها: "لما ربنا يفرجها".
ولا أذكر أنها ردت محتاجًا، أو أحرجت امرأة بسبب دين، أو جعلت المال يقف بين الناس ، بل كثيرًا ما كانت تضع في يد إحداهن رغيفين من الخبز الفلاحي، أو قطعة جبن، أو بيضتين بلدي، وهي تقول في بساطة: "خدي دول للعيال".
اليوم، حين أرى المنتجات الريفية تُعرض في المتاجر الفاخرة داخل عبوات أنيقة، أتذكر أم سلامة وأبتسم، لم تكن تعرف شيئًا عن التسويق، لكنها كانت تعرف شيئًا أهم بكثير... أن البركة لا تزيد إلا حين تتقاسمها القلوب.
وفي منور العقار، كانت تربي الدجاج والبط وبعض الطيور، لم يكن ذلك مجرد وسيلة للرزق، بل كنت أشعر، وأنا طفلة، أنها تخشى أن تنسى رائحة القرية، أو أن تنسى القرية طريقها إليها.
ثم جاء امتحانها الأصعب.
رحلت ابنتها الصغرى وهي في ريعان شبابها وهي تضع طفلتها الثانية، وتركت طفلًا صغيرًا وأخته الرضيعة، عاد الأب إلى حياته، وبقي الطفلان في حضن الجدة ، لم تتردد أم سلامة لحظة، ضمت حفيديها إليها، وقررت أن تكون لهما الأم والجدة معًا.
وكان سندها في ذلك ابنها سلامة، الرجل الهادئ الذي ورث عنها طيبة القلب قبل أن يرث ملامحها، كان يعمل في أحد المستشفيات، ويعرف أن كرامة الإنسان في سعيه، وأن الأسرة لا تحفظها إلا التضحية.
وبعد أن انتهت زيجته الأولى التي خرج منها بابنه الكبير والذي يعيش مع أمه، تزوج للمرة الثانية من فتاة ريفية اختارتها له أم سلامة .
دخلت الزوجة الجديدة البيت وهي تعلم أن في انتظارها طفلين فقدا أمهما.
ولم أسمعها يومًا تفرق بينهما وبين أبنائها الذين أنجبتهم بعد ذلك.
كانت توقظهما، وتطعمهما، وتتابع دراستهما، وتمسح دموعهما، كما لو كانا قطعة من قلبها بل وكانت أمّا حقيقية لكل طفل ولد في هذا المنزل.
ولذلك، لم يكن أحد يستطيع أن يميز بين أبناء البيت.
فقد غرست أم سلامة في الجميع قيمة بسيطة وعظيمة في آن واحد: أن الرحمة لا تحتاج إلى صلة دم.
وكان البيت نفسه شاهدًا على ذلك.
ثلاث غرف فقط.
في الأولى أم سلامة مع حفيديها.
وفي الثانية سلامة وزوجته وأبناؤهما.
وفي الثالثة ابنتها عطيات مع زوجها وأبنائها الستة.
وحين أتذكر ذلك الآن، أتساءل: كيف اتسعت ثلاث غرف لكل هؤلاء؟ ثم أبتسم، لأنني أعرف الإجابة.
لم تكن الغرف هي التي اتسعت... بل كانت القلوب.
وحين رحلت أم سلامة، لم يغادر صوتها العطفة.
وإلى اليوم، كلما شممت رائحة الخبز البلدي، أو رأيت امرأة تحمل خير قريتها إلى جيرانها، أسمعها تناديني من بعيد: "انزلي يا بت إنتِ وهي... الحاجات جت من البلد" .
وأدرك أن بعض الناس لا يرحلون حقًا.
لأنهم لا يعيشون في البيوت... بل يعيشون في ضمائر من أحبوهم.
---------------------------
بقلم: سحر الببلاوي






