08 - 08 - 2026

مؤشرات | حادث هجوم دمياط والمتهم كل أعداء الوطن

مؤشرات | حادث هجوم دمياط والمتهم كل أعداء الوطن

(في العجلة الندامة وفي التأني السلامة) عبارة لا تصلح في كل الأحوال، وإن كانت موروثاَ شعبياً قديماً إلا أن تعميمها على كل الأحداث أمر صعب جداً، وكثيراً ما تأتي بنتائج غير دقيقة، وربما كارثية أو مُحرجة سياسياً واجتماعياً.

أقول هذا بمناسبة ما جرى من تطورات واجتهادات وجدل على صفحات التواصل الاجتماعي (السوشيال ميديا)، ووسائل الإعلام حول حادث ميناء دمياط الغامض حتى لحظة كتابة هذه السطور ظهر الخميس 30 يوليو، وبعد الحادث بأكثر من 24 ساعة، فتعدد الروايات حول ما جرى فتح الباب للاجتهادات، ودخول أطراف في حالة من الجدل.

أدرك أن الحادث ليس بالأمر البسيط والتدقيق فيه أمر ضروري، لكن أن يخرج طرف خارجي ويعلن تفاصيل أدق من تلك التي أعلنها ممن وقع عليهم الضرر، أمر يُحسب علينا، خصوصاً أننا نعلن دائماً بأننا نتملك أجهزة المراقبة والتدقيق وجمع المعلومات الاستخباراتية، والتي تفوق كثيرا من دول العالم.

وللأسف يتطوع كثيرون ويزايدون على مواقف الدولة والإعلام الرسمي، ويدخلون في جدل وشد وجذب وتكذيب، ليظهر المجتمع في حالة من الانقسام، حول قضية أمن قومي وليس مجرد حادث حريق في ميناء بحري، أو في حتى مبنى، لأن ما جرى تطور خطير في ملف الصراع في المنطقة التي نعيش فيها، وهناك من يسعى إلى إدخالنا طرفا مباشرا فيها.

ما يقلقنا هو طريقة معالجة ما جرى إعلاميا على مدى 24 ساعة أو أكثر، وهي مدة طويلة جداً جداً في عصر الإعلام الرقمي، والسوشيال ميديا والتغييرات المعلوماتية وتحديثها كل ثانية، وأقصد كل ثانية بمفهومها الوقتي.

منذ اللحظة الأولى أعلنت شركة "أمبري للأمن البحري" أنه استناداً إلى تقييم أولي، أصابت طائرة مسيّرة ناقلة غاز مملوكة لشركة أميركية في ميناء دمياط، كما نسبت وكالة "رويترز" إلى مصادر أمنية وتجارية أن هجوماً بطائرة مسيّرة تسبب في حريق بميناء دمياط المصري، وذكرت شركة «إنشكيب لخدمات الموانئ» أنَّ نيراناً اشتعلت في ناقلتَي غاز بالميناء المصري.

وما تسبب في الجدل والانقسام الإعلامي، إعلان وزارة البترول المصرية، في بيان، يوم الأربعاء 29 يوليو، رؤية أخرى بقولها بنشوب حريق في سفينتين لمعالجة وتخزين الغاز الطبيعي في ميناء دمياط، ولم تنف أو تؤكد التقارير التي تحدَّثت عن أنَّ الحريق نجم عن هجوم بطائرة مسيّرة.

مؤكد أن الدولة تعاملت مع الحادث بجدية، ولم تنم جهات الاختصاص لتبيان ما جرى من تداعيات ومن وراءه، وقامت فرق الطوارئ والجهات الفنية المختصة بأعمال ضخمة وواصلت استكمال الأعمال واتخاذ الإجراءات اللازمة للوقوف على تداعيات الحادث الذي لم يسفر عن أي إصابات أو خسائر بشرية.

وخروج الحكومة على لسان مجلس الوزراء صباح الخميس ببيان يعلن فيه أنَّ الحريق الذي وقع في ميناء دمياط ناتج عن طائرة مسيّرة، هو تصحيح لمعلومات ربما تم التسرع في إعلانها من جانب وزارة البترول.

ربما انتظرت الجهات الرسمية لمزيد من التحقيقات وجمع المعلومات للإعلان عن المعلومة الأدق، إلا أن هذا الوقت من صباح أو فجر الأربعاء إلى صباح الخميس وقت طويل جرت فيه مياه كثيرة.

وقد دخل الرئيس الأمريكي بنفسه على الخط، معلنا أنه أحيط بتفاصيل ما جرى في ميناء دمياط، - وكأنه يعلم بما جرى -، حيث رد على سؤال بخصوص الهجوم على الميناء، وهل هناك أي مؤشر على ارتباطه بإيران؟، وهل يمثل تصعيدا للحرب؟، وقال "الأمر ليس بجديد، ولقد تلقيت تقريرا وتم اطلاعي على التفاصيل، والأمر مشابه إلى حد ما، لكن سيتم توضيحه".

في العرف الإعلامي بشكل عام والحديث منه بصفة خاصة، يعتبر سرعة الرد ببيان دقيق ومختصر، والانتظار لحين ظهور التفاصيل، هو الأمر المتبع عامة، ورغم ذلك خيراً فعل مجلس الوزراء ورد ببيان مدقق، لأن أي تأخير عن ذلك سيكون سلبياً أكثر مما هو سلبي.

وحسنا جاء البيان الحكومي مؤكداً وقوع الحادث الذي يتطلب وقفة ومراجعة دقيقة، ولهذا من المهم قرائه بدقة لاتخاذ خطوات تناسب الحدث، فقد قال بيان مجلس الوزراء "بعد السيطرة على الحريق الذي تعرضت له سفينتان في ميناء دمياط يوم 29 يوليو 2026، وبإجراء الجهات المعنية التحقيقات الأولية حول الحادث، تبين أنه ناتج عن طائرة مسيرة، ولم تعلن أي جهة مسؤوليتها عن الواقعة، وتواصل الجهات المعنية استكمال التحقيقات للوقوف على ملابسات الحادث، واتخاذ الإجراءات اللازمة للحفاظ على مصالح مصر وأمنها القومي".

وما يطمئن أيضاً تأكيد هيئة ميناء دمياط المصري استمرار النشاط التشغيلي للميناء بصورة طبيعية بعد تعرضه لهجوم بطائرة مسيرة، والعمل بكفاءة كاملة وانتظام مختلف المحطات والأرصفة في حركة استقبال ومغادرة السفن، واستمرار أعمال الشحن والتفريغ وتداول البضائع، ومواصلة الميناء تقديم الخدمات البحرية واللوجستية على مدار الساعة دون توقف.

وأعتقد أن مسار الفترة المقبلة للبحث في حادث الهجوم على ميناء دمياط، لابد أن يضع كل الاحتمالات فيمن هم وراء الهجوم، فليست إيران المتهم الوحيد، وليست المصالح الأمريكية هي الهدف الأوحد، فهناك أطرف هم أعداء تاريخيين، وهناك أعداء جدد في محيطنا، وهناك من يريدون اقحام مصر في الصراع الأمريكي الإيراني الحالي، والصراع الإسرائيلي الإيراني، ولا نبريء أحداً فيما جرى.

وعلى يقين أن الدولة المصرية لديها القدرة على التقصي والرد المناسبين على مثل هذا الحادث، وكشف الحقائق هو ما ينتظره الشارع بكل فئاته وطوائفه، فأمن مصر خط أحمر ضد أي عدو، ولحمها مر على كل من يعاديها، وهو موقف عام بين افراد هذا الشعب، وقد يختلف الشعب حول بعض القضايا، ولكن الموقف مختلف عندما المساس بالأمن القومي للوطن.
-----------------------------

بقلم: محمود الحضري


مقالات اخرى للكاتب

مؤشرات | رسالة إلى منظومة تصحيح الثانوية العامة