تخيلوا أن تفتحوا الإنترنت يوماً لتجدوا أنفسكم أبطال مقطع فيديو مفبرك لكنه واقعي لدرجةٍ يصعب إنكارها، تظهرون فيه وأنتم مخدرون وعلى وشك التعرض للاغتصاب الجماعي، وقد شاهدكم ملايين الأشخاص حول العالم.
قد يبدو ذلك ضرباً من الخيال، لكنه بالضبط ما حدث لعضو البرلمان البريطاني جيس أساتو، وهو ما يتعرض له أيضاً الملايين حول العالم ومن بينهم الأطفال، بعد أن منح إيلون ماسك المنحرفين أخلاقياً الأداة التي تشبع انحرافهم، أداة ذكاءٍ اصطناعي تُسهّل إنشاء ونشر فيديوهات الاعتداء الجنسي دون أي رقابة تُذكر، وبهذه الأداة تمكّنوا من تزييف فيديو جيس، ولهذا السبب تُقاضي ماسك!
وبدأت التفاصيل في شهر يناير الماضي عندما رفعت نائبة في البرلمان البريطاني عن حزب العمال دعوى قضائية ضد شركة إكس إيه آي (xAI)، المملوكة لإيلون ماسك، بعدما قالت إن أداة الذكاء الاصطناعي جروك التابعة للشركة، ساعدت أحد المستخدمين على إنتاج صور جنسية مزيفة لها، ضمن موجة من الصور المشابهة التي اجتاحت منصة إكس في وقت سابق من هذا العام.
قالت النائبة عن دائرة لوويستوفت، جيس أساتو، في يناير الماضي، إن رؤية نفسها مصوَّرة بواسطة أداة الذكاء الاصطناعي وهي ترتدي ملابس سباحة من دون موافقتها كان أمراً "منتهكاً ومهيناً".
ووفقاً لدعوى قُدمت إلى المحكمة العليا في لندن، قالت أساتو إن شركة إكس إيه آي، التي أصبحت الآن تابعة لـ"سبايس إكس"، انتهكت قوانين مرتبطة بحماية البيانات وإساءة استخدام المعلومات الخاصة، من خلال السماح لمستخدمي المنصة بتوجيه أوامر إلى "غروك" لإنشاء مثل هذه الصور.
ونقلت صحيفة فاينانشال تايمز عن أساتو قولها إن "جروك" لم يقتصر على إنتاج صور لها بملابس سباحة، بل أنشأ أيضاً مقطع فيديو "يُظهرها وهي تتعرض للتخدير بمادة الكلوروفورم ويتم الإعداد للاعتداء الجنسي عليها". تأتي هذه القضية بعد دعوى مشابهة رفعتها في ولاية نيويورك آشلي سانت كلير، والدة أحد أبناء إيلون ماسك. وزعمت أن "جروك" أنشأ أيضاً صوراً جنسية صريحة لها، من بينها صورة ظهرت فيها وهي قاصر.
وقد تتحول محاولة أساتو مقاضاة "إكس إيه آي" إلى قضية اختبار قانونية مهمة لتحديد مدى مسؤولية أدوات الذكاء الاصطناعي ومطوريها عما ينتجه المستخدمون من محتوى عبرها. وأوضحت أن الصور الخاصة بها جرى إنشاؤها بعدما أدانت علناً إنتاج مثل هذه الصور الجنسية غير التوافقية.
وقالت: "آمل أن تسهم هذه القضية في إعادة التوازن بين حقوق الأفراد وبين نفوذ شركات التكنولوجيا العملاقة، التي كان ينبغي عليها وضع إجراءات حماية وضوابط قبل التسبب في الأذى للنساء والأطفال".
بدوره، قال المحامي الذي يمثل أساتو، رافي نايك: "جوهر هذه القضية يتمثل في مبدأ واحد بسيط، وهو أن المطورين يجب أن يتحملوا المسؤولية عن الطريقة التي يصممون بها أدواتهم ويطرحونها للاستخدام". وأضاف: "حجتنا القانونية هي أن الصورة التي تمثلك، وصُممت لتبدو مثلك، وكان الغرض الأساسي منها إذلالك أو تصويرك في أوضاع مختلفة، يجب أن تُعتبر صورة تخصك قانونياً. أما شركة "إكس إيه آي" فترى غير ذلك".
وكانت الحكومة البريطانية قد هددت باتخاذ إجراءات ضد منصة إكس، بعدما استُخدمت أداة "جروك" لإنتاج كميات هائلة من الصور الجنسية المستندة إلى صور نساء حقيقيات، وفي بعض الحالات إلى صور أطفال، كما أطلقت هيئة تنظيم الإعلام البريطانية (أوفكوم) تحقيقاً رسمياً في القضية.
في البداية، أعلنت شركة إيلون ماسك أنها ستُعدّل النظام، ليقتصر إنتاج هذا النوع من الصور على المشتركين الذين يدفعون مقابل استخدام منصة إكس، وبعد أيام قليلة، أعلنت منصة إكس أنها أوقفت بالكامل قدرة "جروك" على تعديل صور الأشخاص الحقيقيين وإظهارهم بملابس كاشفة أو أكثر إثارة.
ورغم الدعوات المتكررة لمغادرة المنصة بسبب الصور التي أنتجها "غروك"، وكذلك بسبب دعم ماسك قضايا وأطروحات اليمين المتطرف في المملكة المتحدة، وتحذيراته المتكررة من احتمال وقوع أعمال عنف سياسي، فإن مقر رئاسة الوزراء في داونينج ستريت والعديد من الوزارات الحكومية وعدداً كبيراً من أعضاء البرلمان ما زالوا يستخدمون منصة إكس.
تخوض جيس معركة على جبهتين: الأولى هي مقاضاة شركة ماسك xAI لانتهاكها حقوقها، والثانية هي محاولة سد الثغرة القانونية في المملكة المتحدة التي تُعرّض النساء والفتيات لهذا النوع من الإساءة.
إذا كسبت جيس هذه المعركة، فسوف يجبر ذلك عمالقة التكنولوجيا مثل ماسك على تحمل المسؤولية وتقديم ضماناتٍ حقيقية.
ولكن تقف "جيس" حالياً بمفردها في مواجهة ماسك وفريق محاميه وجيش من المتنمرين عبر الإنترنت، وهي تستعد لبدء الإجراءات القانونية، وهدفها ليس فقط استعادة حقها، بل توفير الحماية للجميع من مخاطر الذكاء الاصطناعي.
ما عاشته جيس ليس حالةً فردية، فعندما أطلق إيلون ماسك أداة الذكاء الاصطناعي "جروك"، تم إنشاء حوالي 3 ملايين صورة ذات طابع جنسي، من بينها 23 ألف صورة لأطفال، في غضون 11 يوماً فقط، والمخيف في الأمر أن عمل "جروك" لم يقتصر على تنفيذ الأوامر، فعندما طلب المستخدمون منه أن يُظهر جيس وهي تُخدّر بالكلوروفورم ومحاطة بالرجال، اختار من تلقاء نفسه إضافة التفاصيل المرعبة المتمثلة في قيامهم برفع ملابسها.
ومن بين التنازلات القليلة التي قدمها فريق ماسك فيما يتعلق بالسلامة هو جعل استخدام خاصية توليد الصور في تطبيق جروك ميزة مدفوعة، ما يعني أنهم يجنون أرباحاً أكبر من هذا الاستغلال.
قد يفتح تحقيق انتصار قضية جيس في المملكة المتحدة الباب أمام محاسبة شركات التكنولوجيا العملاقة، ويضمن توفير حماية أكبر لملايين الأشخاص حول العالم.






