01 - 08 - 2026

في اليوم الثالث من القومي للمسرح: أحمد ماهر "فارس المسرح العربي"يستعيد رحلته وجدل حول «مسرح المرأة»

في اليوم الثالث من القومي للمسرح: أحمد ماهر

واصلت فعاليات الدورة التاسعة عشرة للمهرجان القومي للمسرح المصري برئاسة الفنان محمد رياض، تقديم برنامجها الثقافي والفكري المتنوع، حيث شهد اليوم الثالث ندوتين حملتا أبعادًا توثيقية ونقدية، الأولى احتفت بالفنان الكبير أحمد ماهر عبر مناقشة كتاب "أحمد ماهر.. فارس المسرح العربي"، والثانية فتحت ملف "مسرح المرأة" بين الخصوصية والتحديات، ضمن برنامج "وصلة". 

وشهدت قاعة الندوات حضورًا لافتًا من المسرحيين والنقاد والجمهور، في تأكيد على الدور الذي يلعبه المهرجان في توثيق التجارب المسرحية الكبرى، وطرح الأسئلة الفكرية التي تشغل الحركة المسرحية المصرية.

أحمد ماهر.. رحلة فنان صنع حلمه بالإصرار

في واحدة من أكثر جلسات المهرجان دفئًا وإنسانية، ناقش المهرجان كتاب "أحمد ماهر.. فارس المسرح العربي"، الصادر ضمن سلسلة إصدارات المهرجان الخاصة بالمكرمين، بحضور الفنان الكبير أحمد ماهر، وأدار الندوة الناقدة أسماء حجازي، بينما استعرض الكاتب الصحفي والناقد المسرحي جمال عبد الناصر تجربته في تأليف الكتاب.

واستهلت أسماء حجازي اللقاء مؤكدة أن لقب «فارس المسرح العربي» لم يكن مجرد وصف، بل خلاصة لمسيرة فنان جمع بين الموهبة والالتزام والإنسانية، معربة عن تأثرها الشديد بإدارة جلسة تخص أحد أهم أساتذة المسرح المصري، الذي ترك أثرًا عميقًا في أجيال من الفنانين.

واستعادت حجازي ملامح نشأة أحمد ماهر في حي بولاق أبو العلا، معتبرة أن البيئة الشعبية التي تربى فيها أسهمت في تشكيل شخصيته الجريئة والمنحازة دائمًا للحق، كما أشارت إلى إصراره الطويل على تحقيق حلمه بالتمثيل، مستشهدة بعبارته التي لازمته طوال حياته  "يا رب أنت واسطتي".

وخلال الندوة، فتح أحمد ماهر صفحات من سيرته الشخصية، متوقفًا عند الدور الكبير الذي لعبته والدته في تشكيل وجدانه الفني، مستعيدًا ذكرياتها معه قبل وبعد ميلاده، وكيف كانت تمتلك موهبة استثنائية في تقليد كبار المطربين، إلى جانب عشقها للفن الذي لم تتح لها الظروف ممارسته.

وروى ماهر تفاصيل طفولته، وكيف كان يقف فوق منضدة المنزل ليحولها إلى خشبة مسرح صغيرة يقدم عليها ما شاهده في مسارح روض الفرج، وسط أبناء الحي الذين أصبحوا أول جمهوره قبل أن تتطور موهبته داخل المدرسة، حيث شارك في فرق الإنشاد والتمثيل وأصبح لاحقًا رئيسًا لفريق التمثيل في المرحلة الثانوية.

ولم تخلُ الرحلة من الصعوبات؛ إذ كشف الفنان الكبير أن شغفه بالمسرح تسبب في بقائه أربع سنوات بالثانوية العامة، قبل أن تحسم كلمات والدته الموقف وتدفعه إلى النجاح، تمهيدًا لخوض معركة الالتحاق بالمعهد العالي للفنون المسرحية.

واستعاد أحمد ماهر واحدة من أكثر محطات حياته تأثيرًا، حين اصطدم باشتراط تحديد موقفه من التجنيد للالتحاق بالمعهد، الأمر الذي كاد يبدد حلمه، قبل أن يتجه إلى المسرح القومي في لحظة يأس، ثم يقرر مقابلة وزير الثقافة دون موعد، لينجح في الحصول على شهادة تأجيل أتاحت له استكمال طريقه.

كما روى تفاصيل اختبارات القبول التي خاضها ضمن نحو 1850 متقدمًا، قبل أن يصبح واحدًا من خمسين طالبًا فقط وقع عليهم الاختيار، مستذكرًا لحظة احتضان الفنان محمد توفيق له بعد أحد المشاهد وإبلاغه بنجاحه في الاختبارات.

وتوقف ماهر عند تجربته المبكرة في مسرحية "هاملت" مع الفنان محمد صبحي، مؤكدًا أنها جاءت في وقت كانت فيه معظم المسارح المصرية مغلقة عقب النكسة، لكنها تحولت إلى تجربة مسرحية استثنائية حظيت بإشادة كبار المسرحيين، ومن بينهم جلال الشرقاوي ونجيب سرور.

من جانبه، أوضح مؤلف الكتاب جمال عبد الناصر أن العمل لم يكن مجرد توثيق لمسيرة فنية، بل محاولة لرصد رحلة إنسانية ملهمة، مشيرًا إلى أنه اضطر لتغيير منهج الكتابة بالكامل بعد الجلسة الأولى مع أحمد ماهر، ليكتب السيرة بأسلوب أقرب إلى السيناريو السينمائي، بما يعكس ثراء الحكايات التي حملتها مسيرة الفنان الكبير.

"مسرح المرأة.. بين التصنيف والإنسانية

وفي ندوة أخرى ضمن برنامج "وصلة"، ناقش المهرجان قضية "مسرح المرأة.. خصوصيته وتحدياته"، بمشاركة المخرجة والمؤلفة عفت يحيى، والمخرجة والمؤلفة والناقدة نسرين نور، والمخرجة والمؤلفة نور إسماعيل، وأدارتها الناقدة منار خالد.

وأكدت منار خالد في افتتاح الندوة أن مصطلح «مسرح المرأة» يظل واحدًا من أكثر المصطلحات إثارة للنقاش، معتبرة أن أهميته لا تكمن في تقديم إجابات جاهزة، وإنما في الأسئلة التي يطرحها حول طبيعة التجربة المسرحية النسائية وحدودها.

وأوضحت عفت يحيى أن تجربتها الممتدة لأكثر من ثلاثين عامًا لم تنطلق من رغبة في صناعة "مسرح نسوي"، وإنما من البحث عن نصوص تمسها إنسانيًا، مشيرة إلى أن تصنيف أعمالها ضمن هذا الاتجاه جاء لاحقًا من النقاد والصحافة، لا من تخطيط مسبق.

واستعرضت محطات تأسيسها لفرقة "القافلة"، ومشاركتها في حركة المسرح المستقل وتجاربها في المسرح التشاركي، مؤكدة أن الإيمان بالفكرة كان دائمًا يتغلب على أزمات التمويل، وأن فهم المخرج لكافة عناصر العرض يمنحه قدرة أكبر على قيادة فريق العمل.

بدورها، شددت نسرين نور على أن النص المسرحي يفقد صدقه عندما يُكتب بهدف تمرير قضية بصورة مباشرة، مؤكدة أن القضايا الكبرى، ومنها قضايا المرأة، تصبح أكثر تأثيرًا عندما تنبع طبيعيًا من التجربة الإنسانية، لا من الرغبة في الوعظ أو رفع الشعارات.

كما استعرضت تجربتها في مسرح الشارع بعد ثورة يناير، معتبرة أن تلك التجارب كشفت لها طبيعة مختلفة للجمهور، وأسهمت في توسيع رؤيتها لفنون العرض خارج المسارح التقليدية.

أما نور إسماعيل، فأكدت أن اختياراتها الإخراجية تنطلق دائمًا من الأسئلة الإنسانية التي تشغلها، وليس من البحث عن النجاح أو الإنتاج، مشيرة إلى أن كل عنصر بصري داخل العرض يجب أن يحمل وظيفة درامية واضحة، وأن أصعب تحديات بداياتها ارتبطت بصغر سنها بقدر ما ارتبطت بكونها امرأة تعمل في مجال الإخراج.

المهرجان يواصل الجمع بين التوثيق والحوار

عكست فعاليات اليوم الثالث حرص المهرجان القومي للمسرح المصري على تحقيق التوازن بين الاحتفاء برواد المسرح وتوثيق مسيرتهم، وبين فتح نقاشات فكرية حول قضايا المسرح الراهنة، بما يعزز مكانته كمنصة لا تكتفي بعرض الأعمال المسرحية، وإنما تساهم أيضًا في إثراء الحوار الثقافي وصناعة الوعي المسرحي.