واصلت الدورة التاسعة عشرة للمهرجان القومي للمسرح المصري، برئاسة الفنان محمد رياض، فعالياتها لليوم الثاني، مقدمة برنامجًا ثقافيًا وفكريًا يعكس اهتمام المهرجان بتوثيق التجارب المسرحية الكبرى، وفتح الملفات الفنية التي تمس حاضر المسرح ومستقبله.
شهد اليوم ندوتين حظيتا بحضور لافت من الفنانين والنقاد والمهتمين بالمسرح؛ الأولى خُصصت لمناقشة كتاب "إسعاد يونس.. سيدة كل الأدوار" الصادر ضمن سلسلة إصدارات المهرجان الخاصة بالمكرمين، فيما ناقشت الثانية، ضمن برنامج «وصلة»، قضية "تدريب الممثل في مصر.. مدارس واتجاهات"، لتفتح بابًا واسعًا للنقاش حول العلاقة بين الموهبة والدراسة والاحتراف.
إسعاد يونس.. مسيرة تتجاوز حدود الفن
استهلت فعاليات اليوم بندوة لمناقشة كتاب «إسعاد يونس.. سيدة كل الأدوار»، بحضور الفنانة الكبيرة إسعاد يونس، والفنان محمد رياض رئيس المهرجان، وأدارها الفنان أشرف عبد الباقي، بينما قدم الكتاب مؤلفه الدكتور محمد فتحي، وسط حضور كبير من نجوم المسرح والنقاد والجمهور.
وفي كلمته الافتتاحية، أكد الفنان أشرف عبد الباقي أن الحديث عن إسعاد يونس لا يقتصر على كونها ممثلة ناجحة، وإنما يتناول شخصية استثنائية استطاعت أن تحقق نجاحًا متوازنًا في مجالات التمثيل والكتابة والإنتاج والإعلام، وأن تحافظ على مكانتها في قلوب الجمهور عبر عقود طويلة. وأضاف أن علاقته بها تتجاوز حدود العمل، معتبرًا إياها شقيقة وصديقة تمتلك روحًا محبة وقدرة دائمة على العطاء.
من جانبه، أوضح الدكتور محمد فتحي أن الكتاب لا يقدم سيرة ذاتية تقليدية، وإنما يحاول قراءة المشروع الفني والإنساني لإسعاد يونس، وتحليل أسباب استمرارها وتجددها، مؤكدًا أنها من الشخصيات النادرة التي جمعت بين الإبداع والإدارة والثقافة، وقدمت نموذجًا لفنانة لم تتوقف يومًا عن تطوير أدواتها وخوض تجارب جديدة.
وأشار إلى أن دورها لم يقتصر على التمثيل، بل امتد إلى الإنتاج الذي ساهم في تقديم أجيال جديدة من الفنانين، إلى جانب تجربتها الإعلامية المختلفة التي حافظت من خلالها على حضورها وتأثيرها في وجدان الجمهور، وهو ما جعل تكريمها وإصدار كتاب يوثق مسيرتها خطوة مستحقة.

رحلة بدأت من المسرح
وخلال الندوة، عبرت الفنانة إسعاد يونس عن سعادتها الكبيرة بالتكريم، مؤكدة أن له قيمة خاصة لأنه يأتي من المسرح الذي تعتبره نقطة البداية الحقيقية في حياتها الفنية، واصفة هذه اللحظة بأنها من أكثر لحظات مشوارها تأثيرًا على المستوى الإنساني.
ووجهت التحية للفنان أشرف عبد الباقي، مؤكدة تقديرها لاجتهاده وروحه المتجددة، كما أعربت عن امتنانها للدكتور محمد فتحي، مستعيدة علاقتهما الممتدة منذ سنوات عملها في مجلة «الشباب»، ومشيدة بثقافته الواسعة واهتمامه بالفكر والثقافة.
واستعرضت إسعاد يونس محطات عديدة من رحلتها، مؤكدة أن النجاح لم يكن وليد الصدفة، وإنما جاء نتيجة تجارب متراكمة بدأت منذ طفولتها، حين كانت تبيع الكتب لتوفر نفقاتها، ثم درست الموسيقى الكلاسيكية، قبل أن تعمل في مكتبة البرنامج الموسيقي الكلاسيكي بالإذاعة، وهو ما منحها فرصة واسعة للاطلاع والمعرفة.
وأضافت أن انتقالها للعمل في البرنامج الأوروبي ثم إذاعة الشرق الأوسط أسهم في تشكيل وعيها، خاصة بعدما تولت فهرسة مكتبة الإذاعي الراحل طاهر أبو زيد، وهو ما أتاح لها الاستماع إلى مئات الساعات من التسجيلات الإذاعية والاستفادة منها مهنيًا وثقافيًا.
كما استعادت بداياتها مع المسرح، موضحة أن وجودها في كواليس المسرح الكوميدي إلى جوار زوجها الفنان الراحل نبيل الهجرسي، أتاح لها التعلم من كبار الفنانين والمخرجين، وعلى رأسهم الفنان السيد راضي، قبل أن يرشحها الفنان السيد بدير للمشاركة في أوبريت «عريس وعروسة»، لتبدأ بعدها مسيرة وقفت خلالها إلى جوار أسماء كبيرة مثل تحية كاريوكا وفريد شوقي، وهي المرحلة التي وصفتها بأنها المدرسة الحقيقية التي صنعت شخصيتها الفنية.
كواليس النجاح وذكريات لا تُنسى
واستعادت إسعاد يونس عددًا من المحطات المهمة في حياتها الفنية، مؤكدة أن الفنان الراحل سمير غانم كان سببًا في واحدة من أبرز فرصها الفنية عندما قدمها للمخرج محمد أباظة، الذي منحها دور «صافي المجنونة» في مسلسل "ميزو" وهو الدور الذي لفت الأنظار إلى موهبتها.
كما كشفت للمرة الأولى تفاصيل اعتذارها عن بطولة مسرحية «ريا وسكينة» بعد ترشيحها لتحل محل الفنانة شادية، مؤكدة أنها لم تكن ترى نفسها مستعدة لتحمل مسؤولية دور ارتبط باسم فنانة كبيرة مثل شادية.
وتوقفت أيضًا عند كواليس مسلسل «بكيزة وزغلول»، موضحة أن فكرة العمل خرجت من جلسة جمعتها بالفنانتين سهير البابلي ويسرا، ثم بدأت كتابة المسلسل الذي حقق نجاحًا استثنائيًا بعد عرضه، وكشفت كذلك تفاصيل المشهد الأخير الذي كانت تتمنى مشاركة الفنان عادل إمام فيه، قبل أن يعتذر لانشغاله، ليقوم بالدور الفنان الراحل سمير غانم.
واختتمت الندوة بحوار مفتوح مع الحضور، الذين ناقشوا الفنانة إسعاد يونس في محطات متعددة من تجربتها المسرحية والسينمائية والإعلامية، مؤكدين أن تكريمها يمثل احتفاءً مستحقًا بإحدى الشخصيات التي تركت بصمة واضحة في الحياة الثقافية والفنية المصرية.

الموهبة وحدها لا تكفي
وفي ندوة أخرى ضمن برنامج «وصلة»، فتح المهرجان أحد أهم الملفات المتعلقة بمستقبل المسرح، من خلال ندوة «تدريب الممثل في مصر.. مدارس واتجاهات»، التي أدارها الفنان أحمد مختار، بمشاركة الفنانين معتزة صلاح عبد الصبور، ومنى هلا، ومختار الديناري.
واستهل أحمد مختار النقاش بطرح سؤال محوري: هل يمكن صناعة ممثل؟ متسائلًا عن حدود الموهبة، وإمكانية تحويل شخص يفتقر إلى المقومات الأساسية إلى ممثل قادر على الأداء، كما ناقش مفهوم التلقائية ومدى إمكانية اكتسابها بالتدريب، مستشهدًا بنماذج من السينما المصرية ترك أصحابها أثرًا كبيرًا رغم ظهورهم المحدود.
وأكدت الفنانة معتزة صلاح عبد الصبور أن الموهبة هي الأساس الذي يقوم عليه فن التمثيل، لكنها شددت على أن الدراسة والتدريب هما الطريق الحقيقي لصقل هذه الموهبة وتحويلها إلى أداء احترافي، موضحة أن وعي الممثل بجسده ومشاعره يمثل جزءًا أساسيًا من عملية التدريب.
وأشارت إلى أن الممثل يشبه جهازًا يستقبل ويرسل المشاعر، لذلك ينبغي أن يكون متوازنًا نفسيًا، مؤكدة أن الصدمات النفسية قد تترك أثرًا في الجسد أكثر من العقل، وهو ما يمكن تجاوزه من خلال التدريب الصحيح، مستعرضة تجربتها الشخصية مع تجاوز آثار فقدان والدها في طفولتها.
وأضافت أن الفنان المصري يمتلك ثراءً عاطفيًا كبيرًا، لكنه يحتاج إلى مزيد من الالتزام بالدراسة والانضباط المهني، حتى يستطيع توظيف هذا الثراء بصورة احترافية.

التعلم رحلة لا تنتهي
من جانبها، أكدت الفنانة منى هلا أن الدراسة لا تصنع الموهبة، لكنها تمنح الفنان أدوات الاحتراف، موضحة أن الممثل الحقيقي لا يجب أن يتوقف عن التعلم مهما بلغ من الخبرة.
وأشارت إلى أن التحليل العميق للنص والاعتماد على الخيال يمثلان أساس منهجها في التدريب، مؤكدة أن كل كلمة في النص الدرامي تحمل دلالة ينبغي للممثل فهمها قبل تجسيد الشخصية.
كما استعرضت عددًا من مدارس التمثيل العالمية، موضحة الفروق بين مناهج أوتا هاجن، ولي ستراسبرج، وستيلا أدلر، وسانفورد مايزنر، مؤكدة أن جميعها تلتقي عند أهمية البحث في الشخصية وبناء عالمها الداخلي.
أما الفنان مختار الديناري، فقد ركز على الجانب الجسدي في تدريب الممثل، مؤكدًا أن معرفة الفنان بجسده تمثل نقطة الانطلاق لأي أداء ناجح، موضحًا أن التدريب يبدأ باكتشاف الذات، ثم الانتقال إلى التواصل مع الآخر والجمهور.
وأشار إلى أهمية تدريبات التنفس والصوت والحركة في تطوير أدوات الممثل، مستعرضًا تجارب عملية تساعد الفنان على اكتشاف إمكاناته الصوتية والجسدية، بما يمكنه من تقديم أداء أكثر صدقًا وتأثيرًا.
وبذلك، عكس اليوم الثاني من فعاليات المهرجان القومي للمسرح المصري رؤية المهرجان التي لا تقتصر على تقديم العروض المسرحية، وإنما تمتد إلى توثيق التجارب الملهمة، وإحياء الحوار حول قضايا المسرح الأساسية، ليؤكد أن المسرح يظل فضاءً مفتوحًا للمعرفة والتجريب، وحاضنة لتاريخ الفن وآفاق مستقبله.






