يمارسُ دعاةُ المنابر دورًا مهمًا في حياة الفرد المسلم، مما يعودُ بثماره على المجتمع قاطبةً. ويظنُ البعضُ أن دور دعاة المنابر يقتصرُ فقط على صعود المنابر وإلقاء الخطب في المناسبات وأثناء الصلوات، وينتهي عند نزول الخطباءِ والوعاظ من فوقها ومغادرةِ المساجد، بينما في الحقيقة لا يزولُ هذا الأثرُ حين يكون هذا الواعظ الإمام الخطيب قدوةً لغيره من أفرادِ المجتمع من حوله. فمثلًا حين يمارسُ هذا الشخصُ دوره، كرب أسرة وزوج وكرجلٍ يرتاد الأسواق ويقابل أهل بيته وجيرانه وزملاء العمل، بل وعندما يقضي احتياجاته بإنهاءِ أوراقه في المصالح الحكومية، وحين يمشي مترجلًا بين الناسِ في الشوارعِ والأسواق هكذا يكتملُ دوره الذي يصبو إليه.
وهناك قضايا اجتماعية خطيرة قد تصل إلى القضاء للبت فيها، يمكن للوعاظ والدعاة أن يتدخلوا في تقديم الحلول السليمة لها، بعقد جلساتٍ صلحٍ عرفية وحضورها بين الأهل والأقارب والجيران، وهو مما قد يمنع كثيرًا من التدخلات التي قد تنتهي بحلول قضائية، تؤدي إلى قطع صلة الأرحام والفُرقة بين الأهل والأقارب والجيران. وقد يعود أحدهم إلى رشده، ولا يتمادى في ظلمه بسبب مقولة داعٍ سار بين الناسِ بالحكمة والموعظة الحسنة وطيب القول. وقد يلتئم جرحٌ عائليٌّ بحضور أحد هؤلاء الدعاة والوعاظ لجلسة يحكم فيها بقول الله عز وجل وبحديث رسوله صلى الله عليه وسلم؛ فيؤدي إلى إحداث تغير جذري في البيئة المسلمة والمجتمع المسلم مما يعود بأثره على سائر المجتمع.
هنا قد لا نرى خلافات تنشأ بين الأزواج والزوجات، وبين الأبناء والآباء، بل وقد لا تصل أمورنا الشخصية إلى التناول بما لا يفيد في مجتمعات افتراضية تكادُ تودي بحياة الأسرة والمجتمع، بتقديم حلول غير منطقية ولا سليمة مبعثها الاستماع فقط إلى طرف دون الاستماع إلى جميع أطراف المشكلة. وعليه فإن الدور المنوط به كل داع وداعية لا ينبغي فقط أن يقدمه باستخدام الوسائل الإعلامية والوسائط الحديثة، دون استشعار المشكلات عن قرب ومقابلة أطرافها كافة.
فهناك مثلًا آفات اجتماعية وظواهر ذميمة تجعل للدعاة الأمر أيسر حين يتابعونها عن قربٍ بين الناس منها ذيوع التَّفَحُّش قولًا وفعلًا، وانتشار سَبِّ الدين والاستهانة باستخدام القسم بالذات الإلهية دون اعتبارٍ لفداحة هذه الأمور، وتبعاتها على الفرد والمجتمع المسلم، وكذا انتشار الحلف بالطلاق وخاصةً في الأسواق بين التجار والباعة في الطرقات. تلك الأمور التي لا ينبغي تغافلها، ولا يمكن أن نستهين بتقديم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيها حلًّا لا يُمارسُهُ إلا المتخصص بالدعوة وسيما لو كان أزهريًّا قد تلقى أصول الدعوة ومبادئها، ويهدف إلى نشرها بالطرق الأكاديمية المستنيرة المدروسة.
إن حاجة المجتمع المسلم إلى رؤية هذه النماذج من الدعاة الأوفياء للإسلام للاقتداء بها، والسير على دربها هو أهم ما يقدمه الواعظ والإمام خطيبًا في الناسِ على منابرهم، وسائرًا بينهم مرتادًا لأماكن معايشهم. هذا الدور الذي يجمعه بمشاكلهم، ويجعله لهم مشاركًا في همومهم اليومية، قد يضع وقتها يده على أخطر مما قد يقرأه في مقالاتهم أو يتابعه على حساباتهم على مواقع التواصل الاجتماعي، ليُكوِّن عنهم نظرته التي تجعله يخاطبهم بها، ويقف بها بينهم مناديًا بالقيم والأخلاق الدينية المنشودة.
-----------------------------
بقلم: رانيا مسعود






