26 - 07 - 2026

حظر النشر.. بين الحرية وحماية المجتمع

حظر النشر.. بين الحرية وحماية المجتمع

بصفتي محامياً يمارس مهنة المحاماة لأكثر من ثلاثة وثلاثين عاماً، أخذتُ على نفسي عهداً قاطعاً منذ أن كنتُ محامياً تحت التمرين في أوائل التسعينيات ألا أقبل ـ مطلقاً ـ مهما كانت مغريات المال الدفاع عن متهم في قضايا القتل العمد؛ خوفاً من الله، واحتراماً لحرمة الاعتداء على الروح الإنسانية.

وبمنتهى الصراحة أقول: إنني لا أغترّ ولا أُعجبُ حتى بمن يقبلون الدفاع عن المتهمين في مثل هذه الجرائم، والذين منهم يتباهون بذلك،  أيّاً كانت أسماؤهم أو علمهم وفقههم القانوني.، ولا يفوتني هنا إدراكي الكامل بأن القانون قد أوجب حضور محامٍ للدفاع عن المتهم في قضايا الجنايات، ولكل محامٍ وجهته وحريته الكاملة في الاختيار.

لكن يجب أن نضع نصب اعيننا، ونتذكر دائماً أن تحذير الله جلّ وعلا واضح وصريح: "وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا"(النساء93)

فما بالك بمسؤولية من يجهد نفسه في الدفاع عن هذا الفعل؟!

ومع تقديري الكامل لكافة الاراء، والتعليقات من الأصدقاء والمتابعين الذين علقوا على بوست كتبته على صفحتي بـ "فيسبوك" منذ عدة أيام، ناديتُ فيه بحظر النشر في جريمة بشعة وغريبة ارتكبتها ابنةٌ بحق أمها دون وازع من دين أو أخلاق ـ وهي القضية التي عُرِفت بـ "جريمة قتل محامية لوالدتها والتمثيل بجثتها بالإسكندرية ـ ومع تأكيدي علي احترامنا بل ودفاعنا الأصيل عن حرية الرأي والتعبير وتداول المعلومات.

لكن، عند الموازنة بين "حرية النشر وتداول المعلومات" من جهة، وبين "صالح بلادنا، وأمن وسلامة المجتمع، والحفاظ على ثوابت وتقاليد وتماسك الأسرة المصرية" من جهة أخرى، فنحن نرجّح دون تردد صالح مجتمعنا وسلامة شعبنا.

كما انه في ظل ما تعيشه بلادنا من احوال وظروف اقتصادية لم يعد خافياً ان هناك جماعاتٍ وأصحابَ مصالح يتلقفون مثل هذه الحوادث الشاذة والفردية، فينفخون فيها "كنافخ الكير" مُحاولين تضخيمها وتصويرها وكأنها تمثل الحالة العامة للمجتمع المصري، للنيل من أمن بلادنا واستقرارها واستغلالها في حملات موجهة تبث القلق والسلبية والإحباط بين افراد المجتمع.

ومن هنا فإن فلسفة دعوتنا إلى حظر النشر في مثل هذه الجرائم البشعة والصادمة، تكمن في أن تَلقّي وتناول "خاصة الناس" من المثقفين والمتعلمين لتفاصيل مثل تلك الجرائم المؤلمة، يختلف تماماً عن طريقة استقبال وفهم "عامة الناس" لها؛ ومن هنا يكمن الخطر كل الخطر من أن يستمرئ البعض مثل هذه الأخبار والجرائم الشائنة، فتفقد قسوتها وهيبتها في نفوس الناس.

ونضرب مثلاً على ذلك بحوادث الانتحار التي توالت في فترة من الفترات، وسرت كأنها "عدوى مجتمعية"، حتى أقدمت إحدى السيدات على الانتحار في بث مباشر وألقت بنفسها من فوق إحدى العمارات السكنية بالإسكندرية!، وهو فعل يعرفه علم النفس "بالايحاء"، وهو ان يفعل الانسان شيء حدث وتكرر امامه مرات كثيرة، او أخبر به بشكل متكرر، فيقلده ويفعله دون حتي ان يكترث الي خطورته، وبالتالي، فإن نشر وتداول تفاصيل هذه الجرائم الصادمة قد يتسبب في ضرر بالغ للمجتمع، أقلّه حالة الهلع والخوف التي تصيب الكثيرين، ناهيك عن خطورة إعادة إنتاج الجريمة بالتقليد أو الاعتياد.

إن القاعدة الأصولية المنطقية تقرر أن "درء المفاسد أولى من جلب المصالح"؛ فأحياناً ما يكون النشر عن جريمة ما، منطوياً على ما يؤثر سلباً على النظام العام والآداب والأخلاق في المجتمع.

ومن هذا المنطلق الفلسفي والقانوني، منح المشرّع المصري في المادة (193) من قانون العقوبات لسلطة التحقيق ـ النائب العام ـ استثناء في بعض الحالات، الحق في حظر إذاعة أو نشر أي أخبار بشأن تحقيق جنائي قائم، مراعاة للنظام العام أو الآداب العامة.

إن ممارسة العدالة لدورها بحزم وسرية حمايةً للمجتمع ودرءاً لمفسدة، هو حتماً أفضل وأولى من جلب ما يراه البعض منفعةً في تداول أخبار بعض الجرائم الصادمة على منصات التواصل الاجتماعي، لا يفيد تداولها بين الناس اكثر مما يضر بهم.
-----------------------------------
بقلم: 
أسعد هيكل


مقالات اخرى للكاتب

حظر النشر.. بين الحرية وحماية المجتمع