25 - 07 - 2026

نبض الخشبة ورهان التلقي: كيف يعيد المهرجان القومي للمسرح صياغة علاقة العرض بالجمهور؟

نبض الخشبة ورهان التلقي: كيف يعيد المهرجان القومي للمسرح صياغة علاقة العرض بالجمهور؟

في قلب التحولات العميقة التي يمر بها الفن الرابع، وضعت الدورة التاسعة عشرة من المهرجان القومي للمسرح المصري، برئاسة الفنان محمد رياض، إشكالية العلاقة بين العرض والمتلقي تحت المجهر النقدي، ومن خلال جلسات المحور الفكري التي أدارتها المخرجة عبير علي والدكتور عبد الكريم الحجراوي، انفتحت آفاق واسعة للاشتباك مع أزمة الهوية والانتشار والتفاعل التي تواجه المسرح المعاصر في عصر الانفجار الرقمي.

السينوغرافيا.. حين تتحول الصورة إلى شريك في صناعة المعنى

أكدت الدراسات النقدية المقدمة في المحور أن السينوغرافيا تجاوزت دورها التزييني الكلاسيكي لتصبح شريكًا أصيلاً في إنتاج الخطاب المسرحي. ففي دراستها المعنونة بـ "الخطاب الدخيل في هندسة الفراغ المسرحي"، قدمت الباحثة هبة رجب شرف الدين مقاربة عميقة لآليات التلقي، مشيرة إلى أن الاعتماد على الكلمة وحدها بات من الماضي.

تعتمد الصيغ المعاصرة مثل مسرح الصورة والمسرح الرقمي على ما تسميه الباحثة "الخطاب الدخيل"؛ وهي دلالات كامنة تولدها معالجة الضوء والصوت والديكور بطرق غير مألوفة. هذه العناصر تحفز الخلفيات الرمزية والثقافية للمشاهد، محولة إياه من مستهلك سلبي إلى منتج فعلي للتأويل والفلسفة الجمالية.

الجسد الإنساني والخوارزميات: حوار لا صراع

في عالم تسحقه التكنولوجيا، طرحت الدكتورة نوران مهدي عبد العزيز في بحثها "جماليات التفاعل بين الجسد والوسيط الرقمي" رؤية مطمئنة حول مكانة الإنسان. بناءً على تجارب الكوريجراف الفرنسي جان مارك ماتوس، أبرزت الدراسة أن التقنية والذكاء الاصطناعي لا يحلان محل الممثل، بل يشكلان معه شراكة حية. والأكثر إثارة هو تحويل "أخطاء الخوارزميات" إلى قيم جمالية مبتكرة، مما يثبت أن الجسد البشري يظل ينبوع المعرفة والابتكار الذي لا يُضبِط بخوارزميات صماء.

تشظي الجمهور.. هل يعاني المسرح من أزمة انصراف أم أزمة إدارة؟

من جانبها، اقتحمت الباحثة إسراء محبوب منطقة شائكة عبر ورقتها "من تشظي الجمهور إلى لحظة اللقاء"، مؤكدة أن أزمة المسرح الكبرى لا تكمن في غياب عشاقه، بل في صراعه الشرس مع "اقتصاد الانتباه" الذي تفرضه المنصات الرقمية.

وتلتقي هذه الرؤية مع طروحات الباحث رضا حسانين الذي أشار إلى أن العزوف جماهيريًا يرتبط بعوامل بنيوية واقتصادية وجغرافية، مثل تمركز المسارح في العاصمة والازدحام المروري وارتفاع التكلفة الإجمالية للحضور. ودعا الاثنان إلى حلول عملية تتجاوز النظريات، أبرزها إنشاء منصة وطنية رقمية للمسرح تضم أرشيفًا وقواعد بيانات وحلول حجز متقدمة، إضافة إلى تفعيل العدالة الثقافية ونقل العروض للمحافظات.

الفضاءات البديلة: عودة للجذور أم هروب من الأزمات؟

أثار الكاتب والناقد ناصر العزبي تساؤلاً جذريًا حول مصطلح "الفضاءات البديلة"، معتبرًا أن العروض المفتوحة في الساحات والمعابد والميادين ليست بديلة على الإطلاق، بل هي العودة الحقيقية لأصل اللعبة المسرحية قبل قيود العلبة الإيطالية المغلقة. واتفق معه الدكتور محمد عبد المنعم في أن هذه الفضاءات تمنح الجمهور دورًا تفاعليًا حيويًا، بشرط ألا تكون مبررًا لتخفيض الاستثمار في البنية التحتية للمسارح الرسمية.

من الطفولة إلى الفرجة الشعبية: نحو متلقٍ شريك

في قطاع المسرح المدرسي، شددت الدكتورة فيفي أحمد عبد المجيد على خصوصية التلقي لدى الأطفال، داعية إلى عروض تراعي الفروق العمرية والنفسية وتجعل من التلميذ شريكًا في بناء القيم.

وفي السياق ذاته، توقفت الباحثة سمية أحمد أمام تجربة المخرجة عبير علي في عرضي "البطة السوداء" و"جحا وحماره وشركاه"، حيث يتحول الجمهور إلى شريك أصيل يساهم في توجيه الأحداث وارتجالها، مستلهمة روح الفرجة الشعبية للأراجوز.

مسرح يبعث من جديد

مما سبق أستطيع أن أقول من خلال رؤيتي الخاصة جدًا، أن المسرح المصري يعيش مخاضًا حقيقيًا نحو التجدد، حيث لم يعد الرهان مقتصرًا على النص المكتوب أو خشبة المسرح التقليدية، بل أصبح منصبًا على إعادة هندسة التجربة الإجمالية للمتلقي.

إن التفاعل الواعي مع التكنولوجيا، واكتشاف جماليات الفضاء المفتوح، وتأسيس قواعد بيانات رقمية قومية، وإشراك الجمهور في صناعة العرض، كلها مؤشرات تؤكد أن المسرح يمتلك مرونة هائلة للبقاء، و إنه لا يواجه خطر الاندثار، بل يعيد اكتشاف نفسه كأكثر الفنون إنسانية وحيوية في مواجهة جفاف الشاشات الرقمية.