26 - 07 - 2026

الجوائز الأدبية تحت المجهر.. مبدعون يطالبون بالشفافية ونقاد يحذرون من تنميط الذائقة

الجوائز الأدبية تحت المجهر.. مبدعون يطالبون بالشفافية ونقاد يحذرون من تنميط الذائقة

- د. سامي سليمان قيمة الجائزة الحقيقية تتجلى عندما تشجع الإبداع الحقيقي وفق معايير واضحة وعادلة
محمود عبدالوهاب: استعادة الثقة في الجوائز الأدبية تبدأ بحوكمة واضحة وشفافية في التحكيم
دعاء البادي: فوزي بجائزة الدولة التشجيعية أعاد إليّ الثقة في مشروعي الإبداعي بعد سنوات من التوقف
علي قطب: الجوائز قادرة على اكتشاف أصوات جديدة ومنحها فرصة حقيقية للظهور.
- د. يسري عبدالله: بعض الجوائز أسهمت في تنميط الذائقة الأدبية عبر دعم أنماط سردية بعينها.
- منى الشيمي تسليع الثقافة ظاهرة عالمية فرضتها السوق والخوارزميات
- صبحي موسى: الجوائز خلقت حالة من التنافس الحاد وأفرزت طبقة من المنتفعين.
- غادي العبسي: أحرص على التقدم فقط للجوائز التي أثق في نزاهة نتائجها

عقدت لجنة السرد القصصي والروائي، برئاسة مقررها الدكتور محمد إبراهيم طه، حلقة نقاشية بعنوان: «الجوائز الأدبية: حافز على الإبداع أم إعادة تشكيل للذائقة الأدبية؟ وذلك مساء الثلاثاء (14 يوليو) بالمجلس الأعلى للثقافة.

استهل الدكتور محمد إبراهيم طه النقاش مؤكدًا أن الجوائز الأدبية تظل قضية نسبية،  الفوز بجائزة لا يعني بالضرورة أن العمل هو الأفضل، كما أن عدم الفوز لا ينتقص من القيمة الفنية أو الإبداعية للنصوص غير الفائزة. وطرح تساؤلًا حول مدى إسهام الجوائز في تحفيز الإبداع الحقيقي، أو في توجيه الكتّاب نحو إنتاج أعمال تراعي معايير بعينها طمعًا في الفوز، لا سيما مع الارتفاع الكبير في القيمة المادية والمعنوية لكثير من الجوائز الأدبية.

وأشار إلى أن للجوائز وجهين؛ فهي من ناحية تسهم في تسليط الضوء على أعمال وكتّاب يستحقون الانتشار، لكنها في المقابل تؤثر في تشكيل الذائقة الأدبية، وقد تمنح حضورًا طاغيًا لتجارب بعينها على حساب تجارب أخرى لا تقل قيمة، بما ينعكس على حركة القراءة والاهتمام النقدي.

ورأى طه أن إسناد مهمة التحكيم إلى النقاد المتخصصين يظل الخيار الأكثر عدالة، لأنهم الأقدر على قراءة النصوص في ضوء معاييرها الفنية ورصد مظاهر التجديد والإضافة الحقيقية. وأوضح أن مشاركة محكمين من خارج المجال النقدي قد تجعل بعض الأحكام رهينة للذائقة الشخصية أو الإعجاب بجانب محدد من العمل، وهو ما قد يؤدي إلى تتويج نص لا يمثل، من الناحية الفنية، أفضل الأعمال المتنافسة.

المحاصصة الجغرافية

وأكد الدكتور يسري عبدالله، أستاذ النقد الأدبي بكلية الآداب بجامعة العاصمة (حلوان سابقًا)، أن الجوائز الأدبية تمثل حافزًا مهمًا للكتابة، لكنها ليست الحافز الوحيد أو النهائي، لأن الظواهر الأدبية تتشكل بفعل عوامل متعددة. ورأى أن بعض الجوائز أسهمت في تنميط الذائقة الأدبية، عبر دعم أنماط سردية بعينها، مثل الرواية التاريخية، بما يؤثر في مسارات الكتابة والإنتاج الأدبي.

وأوضح أنه لا يرفض وجود استمارات أو درجات لتقييم النصوص وفق عناصر مثل اللغة والأسلوب والبناء الفني، لكنه وصف هذا النهج بـ«المدرسي» إذا اقتصر على توزيع الدرجات، مؤكدًا أن التقييم الحقيقي يجب أن يسبقه ويصحبه نقد تطبيقي يفسر أسباب التميز ويكشف القيمة الفنية للنصوص. وشدد على ضرورة التمييز بين دور الناقد ودور الباحث الأكاديمي، وضرورة أن تقوم لجان التحكيم على الجدارة والنزاهة والمنهجية والانحياز إلى القيمة الفنية والمعرفية، بعيدًا عن المحاصصة الجغرافية أو أي اعتبارات غير إبداعية، بحيث يكون معيار الفوز هو استحقاق العمل نفسه. وأضاف أن الفن الحقيقي هو الذي يفتح الأبواب المغلقة ويشق آفاقًا جديدة، لا ذلك الذي يمر عبر الأبواب المفتوحة بالمراوغة أو المواءمة مع الأذواق السائدة.

البعد الاجتماعي

من جانبه، أكد الدكتور سامي سليمان، أستاذ النقد الأدبي بكلية الآداب جامعة القاهرة، أن موضوع الندوة يكتسب أهمية خاصة في ظل ما شهدته العقود الثلاثة الأخيرة من تزايد ملحوظ في عدد الجوائز الأدبية المصرية والعربية، وما أثارته من نقاشات واسعة حول معاييرها واستحقاق الأعمال الفائزة بها. وأوضح أن أي جائزة، سواء منحتها مؤسسة أو أفراد، تقوم على مجموعة من المعايير التي تتداخل فيها الأبعاد الجمالية والثقافية والاجتماعية، لافتًا إلى أن البعد الاجتماعي بات أكثر حضورًا في السنوات الأخيرة. وأضاف أن هذه المعايير تسهم، بدرجات متفاوتة، في إعادة تشكيل الذائقة الأدبية، غير أن هذا التأثير لا يرتبط بالجوائز وحدها، بل تشارك فيه أيضًا دور النشر ووسائل التواصل الاجتماعي وغيرها من أدوات صناعة المشهد الثقافي، بينما يبقى ما يرسخ في النهاية هو العمل القادر على التعبير عن الخبرة الإنسانية.

وأشار سليمان إلى أن الجوائز تمثل حافزًا مهمًا لاستمرار المبدعين في الكتابة، مستشهدًا بتجربة الأديب العالمي نجيب محفوظ، الذي عانى في بداياته من ضعف الالتفات إلى أعماله، قبل أن تسهم الجوائز التي نالها في تعزيز حضوره الأدبي ومنحه دفعة للاستمرار في مشروعه الإبداعي، مؤكدًا أن قيمة الجائزة تتجلى في قدرتها على تشجيع الإبداع الحقيقي متى استندت إلى معايير واضحة وعادلة.

مؤامرة

ورأت الكاتبة منى الشيمي أن عنوان الندوة يوحي بوجود مؤامرة تقف خلف الجوائز الأدبية، بينما الواقع أكثر تعقيدًا، مؤكدة أن الجوائز تمثل أحد محفزات الإبداع، لكنها ليست الحافز الوحيد، وأن الحديث عن انحدار الإبداع أو انزلاقه إلى الأسفل تصور قديم يتكرر مع كل جيل. وأضافت أن مستوى الإبداع يسير بصورة أفقية، تتجاور فيه الأعمال الجيدة والضعيفة، ولا يمكن اختزاله في نتائج الجوائز.

وأشارت إلى أن ظاهرة تسليع الثقافة ليست محلية، وإنما جزء من تحولات عالمية فرضتها السوق والخوارزميات وسرعة تداول المنتج الثقافي، وهو ما ينعكس على الذائقة العامة، مؤكدة أن المبدع يواصل الكتابة في ظروف شديدة القسوة، وأن لحظة الإبداع تظل فعلًا إنسانيًا قادرًا على تجاوز هذه الضغوط. وأعربت عن اعتزازها بالجوائز التي حصلت عليها، معتبرة أن الاحتفاء بها أمر مشروع، حتى ممن يعلنون تجاهلهم للجوائز، مستشهدة بقول عمرو بن كلثوم: «ألا لا يجهلن أحدٌ علينا  فنجهل فوق جهل الجاهلينا».

علاقة تاريخية

واستعرض الكاتب صبحي موسى العلاقة التاريخية بين المبدعين والجوائز، مؤكدًا أن هذه العلاقة تمتد إلى العصور القديمة، حين كان الإبداع يحظى برعاية الحكام والأمراء باعتباره منتجًا ثقافيًا نخبويًا يحتاج إلى من يدعمه، مستشهدًا بما كان سائدًا منذ العصر الجاهلي، ثم العصر العباسي الذي ازدهرت فيه رعاية الدولة للآداب، وصولًا إلى الدولة الحديثة في عهد محمد علي، ثم مرحلة ما بعد ثورة يوليو، التي شهدت توسعًا في منح جوائز الدولة، قبل أن تظهر في العقود الأخيرة مؤسسات أهلية وأفراد يمنحون جوائز أدبية.

ورأى موسى أن الجهة المانحة، سواء كانت دولة أو مؤسسة أو فردًا، لا تنفصل عن رؤيتها ومصالحها، وهو ما ينعكس على طبيعة الجوائز ومعاييرها واختياراتها. وأشار إلى أن الجوائز خلقت حالة من التنافس الحاد، وأفرزت، في رأيه، طبقة من المنتفعين والوسطاء الذين يدور نشاطهم حولها، خاصة مع تنامي الاهتمام الإعلامي بالفائزين.

وأضاف أن هذا الواقع أضعف، إلى حد ما، الدور التقليدي للنقاد في توجيه الذائقة الأدبية، كما أسهم في تشجيع بعض الكُتّاب على إنتاج أعمال تحاكي الأنماط التي اعتادت الجوائز مكافأتها، وهو ما أدى إلى هيمنة أشكال سردية بعينها، وتراجع الاهتمام بأجناس أدبية أخرى، وعلى رأسها القصة القصيرة، لصالح الرواية.

رفض الجوائز

وناقشت الدكتورة غادة العبسي الإشكاليات التي تثيرها الجوائز الأدبية، مؤكدة أن بعض الكُتّاب آثروا الابتعاد عنها أو رفضها، مستشهدة بموقف عباس محمود العقاد، إلى جانب نماذج عالمية رفضت جوائز كبرى، معتبرة أن الجوائز في كثير من الأحيان تتحول إلى منافسة علنية تشبه، في رأيها، ساحات التنافس القديمة، بينما يظل الإبداع أوسع من أن يجري اختزاله في سباق للفوز.

وتساءلت العبسي: هل تخدم الجائزة الكاتب، أم يصبح الكاتب أسيرًا لها؟ موضحة أن اقتراب مواعيد الترشح يدفعها إلى إنجاز أعمالها وفق جداول زمنية تفرضها الجوائز وبعد أن تنتهي منها تقرر إذا ما كانت ستشارك فيها أما لا.

واستعرضت تجربتها الشخصية مع الجوائز، مؤكدة أن أول جائزة حصلت عليها كانت نقطة تحول مهمة في مسيرتها الأدبية، منحتها دفعة معنوية كبيرة، وأتاحت لها فرصة السفر إلى العراق والتعرف إلى تجارب ثقافية جديدة. وأشارت إلى أنها كثيرًا ما تشعر بالاغتراب عن الوسط الثقافي، لذلك تحرص على التقدم إلى الجوائز التي ترى أن نتائجها تعكس قدرًا من النزاهة، استنادًا إلى مستوى الفائزين في دوراتها السابقة. واختتمت بالتأكيد أن القيمة الحقيقية لأي جائزة تظل في قدرتها على خدمة الكاتب والإبداع، بينما يبقى التقدير الأهم هو وصول العمل إلى القارئ وترك أثر حقيقي لديه.

السياسة تحكم

بدوره، رأى الروائي محمود عبدالوهاب أن المشهد الأدبي الراهن يؤكد أن لا شيء يظل بعيدًا عن السياسة، مشيرًا إلى ما وصفه بـ«الانفجار الروائي» في مصر، وظهور أجيال جديدة من الروائيين في سن مبكرة، لكل منها نقادها وجوائزها وجمهورها، حتى باتت هذه الظواهر، في رأيه، تتحرك في مسارات موازية لا تعرف الأجيال السابقة، كما أن الأجيال السابقة لا تكاد تعرفها، وهو ما أدى إلى تغير خريطة الشهرة الأدبية وتراجع حضور أسماء كانت تتصدر المشهد قبل سنوات.

وتساءل عبدالوهاب عن جدوى الاكتفاء بإصدار توصيات من الندوة، وما إذا كانت ستجد طريقها إلى التنفيذ، داعيًا إلى حوكمة الجوائز الأدبية بوصفها السبيل إلى استعادة الثقة والمصداقية. وأوضح أن هذه الحوكمة ينبغي أن تبدأ من الجهة المنظمة للجائزة، عبر وضع قواعد واضحة تحدد تشكيل مجلس الأمناء، وآليات اختيار المحكمين، ومدد عضويتهم، بما يمنع تكرار الأسماء نفسها بصورة مستمرة.

كما دعا إلى تعزيز الشفافية في أعمال التحكيم، من خلال إعلان عدد الأعمال التي قرأها كل محكم، وقيمة المقابل الذي يتقاضاه، مع نشر تقرير أو ورقة تقييم لكل عمل على الموقع الإلكتروني للجائزة، بما يتيح للوسط الثقافي الاطلاع على حيثيات الاختيار ويعزز الثقة في نتائج الجوائز.

نظرة مغايرة

وقال المهندس والروائي علي قطب إن نظرته إلى الجوائز الأدبية تغيرت مع تعدد أدواره ككاتب وناشر وأمين لإحدى الجوائز. وأوضح أنه كان، في بداية تجربته، يتعامل مع الكتابة باعتبارها موجهة إلى الجوائز، على غرار التمييز بين «أفلام المهرجانات» والأفلام التجارية، معتبرًا أن الجوائز كانت تمثل بالنسبة إليه فرصة حقيقية للنشر والوصول إلى القارئ.

واستشهد بتجربته مع رواية «أنثى موازية»، التي رفضتها جميع دور النشر قبل أن يتبناها الناشر هيثم الحاج علي، لتفوز بعد ذلك بجائزة ساويرس، في وقت لم يكن اسمه معروفًا في الوسط الثقافي، وهو ما يؤكد، في رأيه، قدرة الجوائز أحيانًا على اكتشاف أصوات جديدة ومنحها فرصة للظهور.

وأضاف أنه، بصفته ناشرًا، لم يعد يعول على الجوائز وحدها في تقييم الأعمال، لافتًا إلى أن بعض النتائج تثير تساؤلات، ومنها فوز بعض الكُتّاب بالجائزة أكثر من مرة في فترات متقاربة، بما قد يتعارض مع الفلسفة التي قامت عليها بعض الجوائز. ومع ذلك، أكد أن حصول الكاتب على جائزة يجعله يحظى باهتمام أكبر لدى دور النشر، وهناك من يكتب لجائزة معينة عندما لا يفوز تستقبل دار النشر عشرات الروايات في النمط الذي كانت تطلبه الرواية سواء تاريخية أو واقعية.

وتحدث علي قطب عن تجربته أمينًا لإحدى الجوائز، مؤكدًا أن المحكمين لا يعرف بعضهم بعضًا، وأن جميع الأعمال تُعرض بأرقام سرية حفاظًا على نزاهة التحكيم. وأشار إلى أن الجائزة اختارت التركيز على فرع القصة القصيرة، في حين لاحظ قلة الأعمال الروائية غير المنشورة التي تتمتع بمستوى فني مرتفع، مؤكدًا أن العمل في الجوائز أتاح له اكتشاف عدد من الكُتّاب الموهوبين الذين لم يكن يعرفهم من قبل.

منصة اكتشاف

وروت الروائية والقاصة دعاء جمال البادي تجربتها الشخصية مع الجوائز الأدبية، موضحة أنها بدأت الكتابة عام 2015، وكانت تراودها شكوك مستمرة بشأن جودة ما تكتبه، كما لم تلق أعمالها استجابة من دور النشر التي أرسلت إليها مخطوطاتها. وأضافت أن طبيعة عملها في المجال السياسي جعلت ارتباطها بالوسط الثقافي محدودًا، إلى أن صادفت إعلانًا عن جائزة الطيب صالح للرواية غير المنشورة، فتقدمت إليها أملاً في الحصول على تقييم موضوعي لعملها أكثر من تطلعها إلى الفوز.

وأوضحت أنها فوجئت، بعد نحو ثمانية أشهر، بإبلاغها بفوز الرواية، وهو ما منحها دفعة معنوية كبيرة وثقة في تجربتها، وتزامن مع نشر أول مجموعة قصصية لها. وشجعها ذلك على استئناف الكتابة، فعادت بقوة إلى الإبداع، وأنجزت خلال عامي 2019 و2020 رواية ومسرحية ومجموعة قصصية، لكنها اصطدمت مجددًا بصعوبة النشر، الأمر الذي أصابها بالإحباط.

وأضافت أنها تأثرت لاحقًا بما كان يتردد من اتهامات ومقولات عن وجود «مؤامرات» تحيط بالجوائز الأدبية، وهو ما دفعها إلى إعادة النظر في تجربتها والتشكيك في قيمة ما تكتب، حتى إنها توقفت عن الكتابة وانسحبت من الوسط الثقافي لنحو أربع أو خمس سنوات. وأشارت إلى أنها عادت في عام 2024 بإرسال إحدى رواياتها إلى دار نشر، لتصدر لاحقًا وتحصد جائزة الدولة التشجيعية، مؤكدة أن هذه التجربة أعادت إليها الثقة في مشروعها الإبداعي، كما لفتت إلى أن دار النشر استفادت بدورها من النجاح الذي حققته الرواية بعد فوزها بالجائزة.
-----------------------------
د. عبدالكريم الحجراوي
من المشهد الأسبوعية