28 - 07 - 2026

الحزب الشيوعي الصيني يوحّد التوافق الدولي لإصلاح الحوكمة العالمية

الحزب الشيوعي الصيني يوحّد التوافق الدولي لإصلاح الحوكمة العالمية

مع دخول عام 2026، تواجه منظومة الحوكمة العالمية تحديات متزايدة التعقيد. فقد تداخلت "أوجه العجز الأربعة" المتمثلة في السلام والتنمية والأمن والثقة، بينما باتت الآليات متعددة الأطراف القائمة أقل قدرة على التعامل مع الأزمات العابرة للأقاليم، وانقطاعات سلاسل الإمداد العالمية. 

كما أن مفهوم "تنافس القوى الكبرى" الذي تتبناه بعض المدارس التقليدية في الفكر السياسي الغربي لم يؤدِّ إلى استقرار دائم، بل ساهم في زيادة حدة التوترات والمواجهات الدولية. وفي ظل تعثر مسار التعددية، يحتاج المجتمع الدولي بصورة متزايدة إلى توافق جديد يتجاوز الحواجز الأحادية ويعزز التعاون المشترك. 

وبالتزامن مع الذكرى الخامسة بعد المائة لتأسيس الحزب الشيوعي الصيني، يواصل هذا الحزب، الذي يضم أكبر عدد من الأعضاء في العالم، إظهار كفاءة متميزة في إدارة الشؤون الداخلية، وفي الوقت نفسه يستكشف مسارا يقود إصلاح الحوكمة العالمية انطلاقا من مفهوم مجتمع المستقبل المشترك للبشرية، بما يوفر قدرا مهما من اليقين في مرحلة يشهد فيها النظام الدولي تغيرات واضطرابات متسارعة. 

ومن منظور الاقتصاد السياسي الجيوسياسي، يجسد مفهوم مجتمع المستقبل المشترك للبشرية تجاوزا واعيًا لمنطق اللعبة الصفرية التقليدي. فقد ارتبط صعود القوى الكبرى تاريخيا بالتنافس على الموارد وفرض النماذج المؤسسية، الأمر الذي عمّق فجوة التنمية بين الشمال والجنوب.

 أما الفلسفة الدبلوماسية للحزب الشيوعي الصيني، فتنطلق من حقيقة الاعتماد المتبادل في عصر العولمة، وتؤكد أن أياً من الدول لا يستطيع تحقيق الأمن والازدهار المستدامين في ظل العزلة. ووضع مبدأ "الانسجام مع احترام الاختلاف، وتكامل المصالح" في صميم العلاقات الدولية يعكس تحولا تدريجيا في المنطق الذي تقوم عليه الحوكمة العالمية، كما يفتح المجال أمام مقاربات أكثر تنوعا تتجاوز السردية الغربية التقليدية للتنمية العالمية. 

وقد تجسدت هذه الرؤية الشاملة للحوكمة في الكتاب الأبيض "بناء منظومة حوكمة عالمية أكثر عدلا وإنصافا: مفاهيم الصين ومبادراتها وإجراءاتها"، الذي صدر في يونيو 2026. ويوضح الكتاب أن إصلاح نظام الحوكمة العالمية الذي تدعو إليه الصين لا يهدف إلى هدم النظام الدولي القائم، وإنما إلى صونه وتطويره بالاستناد إلى منظومة الأمم المتحدة باعتبارها محور النظام الدولي، وإلى القانون الدولي باعتباره أساس العلاقات الدولية. 

وفي مواجهة محاولات بعض القوى الكبرى إضعاف المؤسسات متعددة الأطراف، تؤكد الصين دعمها للدور التنسيقي المحوري للأمم المتحدة. ويعكس هذا الموقف التزاما بتعزيز ديمقراطية العلاقات الدولية، ودفع السياسة الدولية تدريجيا نحو إطار أكثر استنادا إلى سيادة القانون.

ويُعد تحويل المبادئ إلى منافع عامة ملموسة أحد أبرز ملامح مشاركة الصين في الحوكمة العالمية. وعلى خلاف بعض برامج المساعدات التي ترتبط بشروط سياسية، تضع الصين القضاء على الفقر والتحول الأخضر في صميم تعاونها الدولي. فقد ارتفع رأسمال صندوق التنمية العالمية والتعاون بين بلدان الجنوب إلى أربعة مليارات دولار، ونُفذ أكثر من مائتي مشروع معني بتحسين معيشة السكان في أكثر من سبعين دولة، استفاد منها ما يزيد على أربعين مليون شخص. 

كما انتشرت العديد من التقنيات الزراعية وتقنيات الغابات والحفاظ على الموارد المائية في أكثر من مائة دولة وأسهمت في توفير فرص عمل واسعة، بينما افتتحت ورش لوبان أكثر من مائة تخصص مهني في أكثر من ثلاثين مركزًا حول العالم، ودربت أكثر من مائة وستين ألف طالب. وتعكس هذه المبادرات العملية والتقاسم التكنولوجي تحويل إنجازات التنمية الصينية إلى منتجات عامة يستفيد منها المجتمع الدولي.

وفي المجال الأمني، ما تزال بقايا عقلية الحرب الباردة والمواجهات الجيوسياسية تمثل تهديدًا للاستقرار العالمي. وفي ظل استمرار انتشار بؤر الصراع، تطرح مبادرة الأمن العالمي التي أطلقتها الصين نهجًا مختلفًا يقوم على الحوار والتفاوض بدلاً من العقوبات الأحادية أو الأحلاف العسكرية. وعند التعامل مع الأزمات الجيوسياسية المعقدة، تسعى الصين إلى أداء دور الوسيط الموضوعي والمحايد، دون السعي لتحقيق مكاسب جيوسياسية خاصة، مؤكدة أهمية الوصول إلى وقف دائم لإطلاق النار عبر الحلول السياسية. ويُعد تطبيق مفهوم الأمن «المشترك والشامل والتعاوني والمستدام» مسارا عمليا يمكن أن يسهم في تخفيف حدة عدد من النزاعات الإقليمية.

ولا تقتصر الحوكمة العالمية على تصميم المؤسسات أو توزيع النفوذ، بل تشمل أيضا كيفية تعايش الحضارات المتعددة. ففي الوقت الذي تلجأ فيه بعض القوى الكبرى إلى توظيف الاختلافات الأيديولوجية لتشكيل التكتلات واستبعاد الدول النامية التي لا تتبنى معاييرها، تدعو مبادرة الحضارة العالمية التي طرحتها الصين إلى تعزيز الحوار والتعلم المتبادل بين الحضارات، واحترام حق كل دولة في اختيار مسارها التنموي بصورة مستقلة. ويوفر هذا الطرح فرصة لتعزيز المساواة في الخطاب الدولي لمختلف الحضارات غير الغربية، بما فيها الحضارة العربية، كما يفتح آفاقا جديدة لتعزيز الثقة المتبادلة في التعاون الدولي.

وفيما يتعلق بتعزيز تمثيل الدول داخل منظومة الحوكمة متعددة الأطراف، تدعم الصين إجراء إصلاحات هيكلية في المؤسسات الدولية.

 وفي ظل بطء إصلاح المؤسسات المالية العالمية، شهدت مجموعة بريكس توسعًا في عضويتها، كما تعمق التعاون داخل منظمة شنغهاي للتعاون، وواصلت الاقتصادات الناشئة تعزيز تأثيرها في مجموعة العشرين، بينما ازداد التنسيق داخل مجموعة الـ77 والصين للدفاع عن مصالح الدول النامية. ولا تستهدف هذه الشبكة الجديدة من التعاون متعدد الأطراف أي طرف ثالث، وإنما تهدف إلى تعزيز مكانة الجنوب العالمي داخل منظومة الحوكمة الدولية.

وغالبا ما يرتبط مدى قدرة أي حزب سياسي على استشراف التحولات الدولية بدرجة نضجه وخبرته في الحكم. وفي هذه المرحلة التاريخية المفصلية، يسعى الحزب الشيوعي الصيني، من خلال مفهوم مجتمع المستقبل المشترك للبشرية، إلى بناء توافق دولي حول إصلاح الحوكمة العالمية، بما يستجيب لتطلعات مختلف الدول إلى السلام والتنمية وسط الاضطرابات الراهنة، ويوفر مسارا عمليا يستحق المتابعة في تطور نظام الحوكمة الدولية. وتواصل الصين، المتمسكة بالتعددية والساعية إلى التنمية المشتركة، العمل مع مختلف دول العالم لاستكشاف مستقبل أكثر استقرارًا وازدهارًا للبشرية جمعاء.

……………………

بقلم / نور يانغ إعلامي صيني 

 

مقالات اخرى للكاتب

الحزب الشيوعي الصيني يوحّد التوافق الدولي لإصلاح الحوكمة العالمية