تُعد سلطنة عُمان واحدة من أكثر الدول اتساقًا في سياستها الخارجية تجاه إيران، حيث ظلت تلتزم بمبدأ «الحياد النشط» الذي يجمع بين الحوار الدبلوماسي المستمر والدفاع الحازم عن السيادة الوطنية. وعلى الرغم من التصعيد الإقليمي المتزايد في عامي 2025 و2026، بما في ذلك موجات من التوتر العسكري في مضيق هرمز، لم تتخلَّ مسقط عن نهجها القائم على الوساطة وعدم الانخراط في المحاور الاستقطابية.
الأسس التاريخية للسياسة العمانية تجاه إيران
ترتكز السياسة العمانية تجاه إيران على قناعة استراتيجية راسخة مفادها أن التعاون مع طهران، كقوة إقليمية كبرى، أجدى لأمن الخليج من استعدائها أو مقاطعتها. وقد تبلور هذا النهج بوضوح في عهد السلطان الراحل قابوس بن سعيد، الذي آمن بأن الجغرافيا تفرض على عُمان الحفاظ على علاقة متوازنة مع جارتها عبر الخليج، مع الحفاظ في الوقت ذاته على تحالفاتها التقليدية مع الولايات المتحدة وبريطانيا ودول مجلس التعاون الخليجي.
وعلى امتداد الخلاف النووي بين إيران والغرب، أكدت عُمان باستمرار على ضرورة الحل السلمي والحوار المباشر بين جميع الأطراف لتجنيب المنطقة خطر الحرب. كما وقفت بوضوح في وجه التهديد الإيراني بغلق مضيق هرمز وتعطيل إمدادات النفط العالمية، مُظهرةً أن الحياد لا يعني الاستسلام للضغوط أو التنازل عن المصالح الوطنية.
الدبلوماسية العمانية في أوقات الأزمات: من الوساطة إلى الاحتجاج
شهدت الفترة الأخيرة، وتحديدًا في عام 2026، اختبارات صعبة للسياسة العمانية، حيث اندلعت حرب إقليمية شملت استهدافات إيرانية لدول خليجية. ورغم ذلك، أبقت عُمان قنواتها الدبلوماسية مفتوحة مع إيران، ولم تسلم من ضربات الأخيرة، لكنها تجنبت تحميلها المسؤولية مباشرة في البداية، على عكس معظم دول الخليج.
ومع ذلك، عندما وصلت التصعيدات إلى مستوى انتهاك السيادة العمانية، اتخذت مسقط إجراءات نادرة. ففي يوليو 2026، استدعت وزارة الخارجية العُمانية السفير الإيراني لتسليمه مذكرة احتجاج رسمية «على خلفية تعرّض مواقع في محافظتي مسندم والوسطى لاستهدافات بواسطة طائرات مسيّرة». ويعد هذا الاحتجاج، الذي جاء غداة زيارة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي لمسقط، أمرًا استثنائيًا يعكس خطًا واضحًا: التمييز بين استمرار العلاقات الدبلوماسية والتساهل مع أي انتهاك للسيادة.
وفي فبراير 2026، أعربت عُمان عن «أسفها الشديد» للعمليات العسكرية الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، محذرة من خطر توسع الصراع، ودعت مجلس الأمن إلى عقد اجتماع عاجل. كما أدانت الهجمات الصاروخية التي طالت دولاً خليجية وعربية، مؤكدة أن الحوار والدبلوماسية يظلان السبيل الوحيد لحل الخلافات.
الحياد النشط: فلسفة وسياسة
لا يُفهم الحياد العُماني على أنه موقف سلبي أو انكفائي، بل هو «حياد نشط» يقوم على الوساطة والحوار والفصل بين المبادئ السياسية والدفاع عن الأمن الوطني. وتسعى مسقط من خلال هذا النهج إلى «التعاون الشفاف والمحايد مع جميع الأطراف لاستعادة حرية الملاحة في المضيق»، مع التشديد على احترام القانون الدولي.
وقد ساهم هذا النهج في تمكين عُمان من لعب دور الوسيط في ملفات إقليمية شديدة التعقيد، مثل الاتفاق النووي بين طهران وواشنطن، والمفاوضات اليمنية، وحتى الأزمة الخليجية. كما بذلت مسقط جهودًا لمساعدة البحرين ومصر على استئناف الروابط الدبلوماسية مع إيران، مانحةً بذلك زخماً إضافياً لاتفاق التطبيع السعودي - الإيراني في مارس 2023.
الثوابت في مواجهة المتغيرات
على الرغم من الضغوط الإقليمية المتزايدة، تظل عُمان العضو الأكثر ودية مع إيران من بين دول مجلس التعاون الخليجي، لكنها في الوقت نفسه لا تتردد في رسم حدود واضحة عندما تمسّ مصالحها الحيوية. فبعدما قادت مسقط جهود الوساطة بين طهران وواشنطن في السنوات الماضية، وجدت نفسها في 2026 بعيدة عن هذا المسار، بل وواجهت اتهامات أميركية بأنها «قريبة أكثر مما ينبغي» من الجمهورية الإسلامية.
لكن عودة التوتر إلى مضيق هرمز والهجمات المنسوبة إلى إيران على سفن تمر عبر مسار حددته عُمان أجبرت السلطنة على اتخاذ موقف أكثر حزماً، يختلف عن التوازن الدقيق الذي سعت إليه طويلاً. ومع ذلك، لم تتخلَّ عن نهجها الدبلوماسي، حيث عقد وزير الخارجية العُماني لقاءً مع نظيره الإيراني في يوليو 2026، تم خلاله التوافق على «الديبلوماسية لمنع تصعيد» التوترات.
التحديات والآفاق المستقبلية
تواجه السياسة العمانية اليوم تحديات متزايدة، خاصة مع تشدد إيران في إدارة مضيق هرمز واستهدافها سفناً تحاول عبوره. إلا أن مسقط تبدو مصممة على الحفاظ على استقلاليتها، مع السعي إلى «الفصل بين الحياد السياسي والدفاع عن الأمن الوطني».
ويرى محللون أن هذا النهج يعكس قناعة عُمان بأن الأمن الخليجي يتطلب حواراً وتعاوناً عربياً - إيرانياً، وأن التحالفات العربية لا يجب أن تكون، من حيث المبدأ، معادية لطهران. كما أن اعتبارات الاستقرار الداخلي والوحدة الوطنية تظل المحدد الرئيسي للسياسات الخارجية العمانية.
خاتمة
يُظهر الموقف العُماني من الأزمة الإيرانية أن الدبلوماسية الهادئة لا تعني الضعف، بل هي خيار استراتيجي مدروس يعكس عمق الرؤية السياسية. فعُمان، التي أصبحت «مسقط رأس» للوساطات الإقليمية، تظل تلتزم بمبدأ أن الحوار هو الطريق الوحيد لتجنب الكوارث، مع الحفاظ على حقها في الدفاع عن سيادتها ومصالحها الوطنية.
-----------------------------------
بقلم: د. محمد حسام الدين
الخبير في العلاقات الدولية والامن الاقليمي






