13
بيروت، 25 يوليو 2015
انفلتت الأيام في مشاغل العمل والأسرة. مرت خفيفة لطيفة، لم أمر بهذا الشعور منذ زمن طويل، احتفلنا بعيد ميلاد ساندرا، حضر أبي وأمي وبعض أصدقائها في المدرسة مع أمهاتهن، وشاركنا إيلي عبر شاشة التليفزيون المتصلة بالكمبيوتر، ضحكنا وغنينا، كانت ليلة جميلة. استثنائية، نمت فيها من دون تناول أية مهدئات.
كم أكون سعيدة عندما اكتشف أنني نمت من دون الحاجة لتناول تلك الحبوب اللعينة، بدأت بتناول نصف قرص، وعندما تلاشى مفعوله زاده دكتور صبره إلى قرص، وما حدث مع النصف قرص تكرر مع القرص، والقرصين، وفي كل مرة يهز دكتور صبره رأسه رفضًا استسلامي دون أي مقاومة، يُصر على ضرورة وجود مقاومة ذاتية؛ "معاناة بعض ليال من دون تناول المزيد من المهدئات كفيل بتخفيض الجرعة"، قال ذات مرة.
ولكن هيهات، حاولت مرارًا أن اعتمد على نفسي، وبنيت في داخلي حائط مقاومة ذاتي، وأمام رعب القلق والهواجس اللعينة أستسلم وآخذ الطريق السهل، أزيد الجرعة، من تلقاء نفسي، وأنُهي الأمر.
في المرة الأخيرة، نهرني بشدة ورفض أي زيادة، وهددني إن فعلت دون الرجوع إليه، فلن أدخل عيادته مرة أخرى، خرجت من عنده أبكي، أبكي ضعفي، وأبكي وساوسي، وآلامي، وكل لحظة ضعف شعرت أو أشعر بها.
التزمت بتعليماته أغلب الوقت، وعندما يشتد يأسي في بعض الليالي، وتكاد الظنون والوساوس أن تفتك بي، كنت أتناول قرصًا إضافيًا، حاولت أن أجعله أمرًا استثنائيًا، لكن الكثير من الليالي المتكررة شهدت تناولي ثلاثة أقراص تكفي بالكاد لأنام خمس ساعات، استيقظ بعدها وخلايا جسمي تؤلمني، فارق كبير بين النوم الطبيعي والنوم بالمهدئات.
غادرت سريري وأنا أجر قدمين تجران أكياس رمل، وقفت تحت الدش فشعرت بشيء من الانتعاش وتأهبت للخروج قاصدة الكورنيش، صففت سيارتي وبحثت بعيني عن روكسانا بين قوافل المتريضين، فوجدتها في منتصف الشوط، لوحت لها بذراعي مع ابتسامة، فبادلتني تحية بأخرى، وطيرنا قبلات في الهواء.
لسبب مجهول داهمني شعور بضيق فأحسست بغصة في الصدر، يعلو صدري ويهبط من حين لآخر، وبالكاد صرت قريبة من روكسانا، فأخذت بكفي تحثني على رفع سرعتي، فحاكيتها مع شيء من جهد نفسي أكثر منه عضلي، واستمر عدونا على الكورنيش متماسكي الأيدي، فإذا ما اعترضنا شخص أو حاجز، أفلتنا أيدينا حتى نتجاوزه، ثم تعاود الأكف تماسكها ثانية.
تحسنت نفسيتي قليلاً، حتى وجدتني من دون أي مقدمات أدعوها إلى فطيرة بمطعم الحلاب، وبنفس راضية كريمة رحبت وأردفت، "والقهوة عليّ".
كان العرق يسربل ملابسنا، والوقت ما زال مبكرًا، واليوم يوم إجازة، فاقترحت روكسانا أن نلتقي بعد ساعة في المطعم، أمنت على كلامها، وأخبرتها أنني سأكون هناك قبل الموعد، وودعتها على أمل اللقاء.
بالفعل، وصلت بيتي وأخذت دشًا سريعا وراجعت محتويات حقيبة اليد وطلبت من الخادمة أن تُعد لي فنجان قهوة ريثما ارتدي ملابسي، فجاءتني به في غرفتي، احتسيتها وأنا أضع بعض الرتوش الخفيفة على وجهي كي أداري آثار الأرق والسهر، ثم رن الهاتف وظهر وجه إيلي في مكالمته الصباحية كعادته، طمأنته عليّْ وعلى ساندرا، وأخبرته أنني في عجلة من أمري وسأتواصل معه لاحقًا، فودعني بقبلة رن صداها في الغرفة الخالية.
"حاولي تضلّي دايمًا مشغولة، واملَي وقتِك بترتيب مواعيدِك والاهتمام بتفاصيلها. هالشي رح يشغلك، ولو شوي، عن اللي عم يثقل نفسِك، وما رح يترك مجال للوساوس إنها تحاصرك"، رنت كلمات دكتور صبره في أذني، فهمست لنفسي، ها أنا أحاول الانشغال، ولو بتوافه الأمور، ما استطعت.
كان لقائي مع روكسانا طلبًا لملء فراغ ولكسر رتابة الوقت، وأن أغير في نمط يومي، فبدلاً من العودة إلى المنزل حيث الفراغ صباح الإجازة، سوف أنشغل بموعدها عن فراغ التفكير السلبي.
استقللت السيارة وأكملت حديثي مع إيلي، لم تكن الأخبار على ما يُرام، حدثني عن تباطؤ وتيرة العمل، واحتمال تخفيض الشركة جانبًا من العمالة، بهدف ضغط المصروفات، تنهد وهو يحدثني، والتزمت الصمت، وفهم هو سبب صمتي، مرت لحظة صمت مشترك، قطعها بزفرة طويلة، ثم قال "بحاكيكي ف المسا.. باي حياتي"، باي حياتي، أجبته في فتور وانكسار.
لم يكن سفر إيلي في جانب كبير منه إلا لسد جانب – إن لم يكن كل - تراكم الديون علينا، والتي يرجع سبب الكثير منها إلى أسلوب إيلي في الصرف الأقرب إلى السفه والإسراف المبالغ فيه، كان يمكننا تجنب سفره ببعض الإجراءات البسيطة، لكن ما باليد حيلة، فشلت كل محاولاتي معه، وكالعادة يُنكر عدم قدرته على السداد، ثم يفيق بعد فترة وقد تكدست الديون على الديون، حتى لم أعد أدري ماذا أفعل.
ذات مساء، ربما مضى عليه قرابة الأسبوع، كنا نتحدث بعد عودته من العمل، بدا صوته مشوبًا بنبرة انكسار، وبعد إلحاح من جانبي، عرفت أن الديون ترتفع ولا تنخفض، ثُرت، وعلا صوتي، حتى أن ساندرا والخادمة هرعا إليّْ، كنت في قمة ثورتي، لا أدري ما أقول، ولا أسمع ما يقول.
مر على سفره قرابة السنة، تكفلت فيها بمصروفات البيت ومصروفات ساندرا المدرسية، لم يرسل لي خلالها سوى مبلغ بسيط بمناسبة عيد ميلادي، صرخت فيه:
"ما صار عالسيارة اللي اشتريتها غير كم شهر، ورحت بدّلتها بواحدة أفخم. ليه؟ بس لأنك شايف إنها ما بتليق فيك! (بتهكّم) مرسيدس موديل السنة ما بتناسب مقامك؟ لازم ما تسوق إلا فيراري أو بورشه؟
بتعمل هيك ولا مرة بتفكّر فينا... فيّي أنا وساندرا. ما بيهمّك غير حالك، ومنظرك قدّام الناس. عن جد إنت بتستحق تكون ربّ عيلة؟
أنا بجاوبك... لا، ما بتستحق. إنت ما بتعرف تعيش إلا لنفسك.
زهقت هالحياة... زهقت حياتي معك، وتعبي معك. كل نهار جديد عم يضيف علينا حمل مالي جديد، وكلّه بسبب حبّك للمظاهر، وأناقتك، وحرصك على صورتك قدّام العالم. ولا مرّة وقفت وفكّرت شو أثر هالشي عليّي، ولا على بنتك."
ثم أنهيت المكالمة وأنا أصرخ وأطلب الانفصال. كان إيلي يسمع صامتًا كعادته، تكرر هذا الموقف مرات ومرات، لكنه كان أقل حدة، يومها فقط ثُرت فوق كل ثورة، ولأول مرة طلبت منه الطلاق.
رانت لحظة صمت مشتركة، ووجدتني أقول له بهدوء "رجاءً لبّي طلبي... صار مستحيل نكمّل سوا. ما عاد فينا نعيش بهالطريقة، وكل يوم عم يمرّ عم يكبّر المسافة بيناتنا. خلّينا ننهي هالقصة بهدوء وبكرامة، لأن استمرارنا مع بعض صار مستحيل"، ثم أغلقت الهاتف، وانكفأت أبكي وانتحب، فسحبت الخادمة ساندرا من يدها وأدخلتها حجرتها، وعادت إليَّ بعد قليل بكوب من عصير الليمون، ظل في مكانه شاهدًا على خيباتي.
أفقت من أفكاري وقد فات مطعم الحلاب، فارتددت عائدة عند أول تقاطع، ثم صففت السيارة بالقرب من المحل، واتخذت جلستي إلى يسار المدخل، كان الجو معتدلاً يُغني عن الجلوس في المحل المكيف، ونشرت الشمس غلالة مطرزة بالقصب، تُغري بأشعتها الذهبية بالجلوس في الهواء الطلق والاستمتاع بالطقس، اتصلت بروكسانا، فأخبرتني أنها في الطريق، وكسبًا للوقت سألتها أي الفطائر تُفضِل.
أمليت الطلبات للنادل وسألته أن يُعد لي شايًا أخضر، ما أن وضعه أمامي حتى قطفت ورقتين يانعتي الخضرة من شجرة الحبق إلى جواري وأسقطتهما في الكوب الساخن، ورحت أُدخن في استرخاء فشردت بي الأفكار في مسارات حياتي، من كان يظن أن تلك الطفلة المدللة سوف تمر بكل هذه الأحداث، الغريب أن كل المسارات القاسية ارتبطت بقصص حب بذلت فيها من إخلاصي كل ما استطعت.
أحببت راني حبًا لم أكن أظن قلبي يتسع لمثله، حبًا صغته من كل ما أوتيت من سذاجة الصدق وغباء الإخلاص، فمنحته مفتاح كل أبوابي المغلقة، وظننت - بغباء العاشقين - أن الحب وحده كفيل بأن يبقيه، حتى جاء اليوم الذي اختار فيه أن يمضي، بلا وداع يليق، وبلا تفسير يشفي غليل سؤال ظل يُطاردني سنوات: لماذا؟
تهاوت الدنيا من حولي كبيت من ورق نفخت فيه ريح عاتية، وتسلل الاكتئاب إلى تفاصيل يومي كضباب كثيف لا يرى معه العابر يده أمام وجهه، توقفت عن الأكل إلا قسرًا، وعن النوم إلا غلبة، وصرت أرى الأيام صفًا رماديًا متطابقًا لا فرق فيه بين اثنين، حتى بتُّ لا أفرّق بين أمس وغدِ.
ولا أذكر من تلك الليلة سوى ظلام كثيف، وصوت أمي وهي تصرخ باسمي من خلف الباب، وأضواء بيضاء حادة في سيارة الإسعاف، ووجه أبي شاحبًا كورقة معلقة في ريح، يُمسك بيدي بقوة من يخشى أن يفلتها الموت من بين أصابعه.
ظن كل من حولي أن أيامي على الأرض صارت معدودة، لكنها إرادة الله، نعم إرادة الله، كما قال أبي الذي لا يعرف من الدين أكثر من كونه مسيحيا ملكانيا، ولو سأله سائل ما الفرق بينها وبين أي طائفة أخرى لأجاب بسخريته المعهودة؛ "ما بكفي إني قلتلك إني مسيحي ملكاني؟"، ومع هذا أوقن تمام اليقين أن أبي يعرف الله أكثر من أُناس كثيرين يدعون التدين، بل ومن بعض القساوسة والكهنة، يتعامل أبي مع الدين بالفطرة، ويتعامل الآخرون مع الدين طبقًا لطقوس محددة، أو كما يقول هو "بالكتالوج"، لم أسمعه مرة يكذب، ولم أره مرة يقدم على خطيئة، حتى أنني كثيرًا ما أظن أن قلبه نقي نقاء قلب طفل ولد للتو.
أغلقت الباب على قلبي، وبنيت حوله أسوارًا عالية تمنع أي شاب من الاقتراب منه، حتى انتهيت من دراستي الجامعية ثم تعرفت على إيلي فتغيرت الدنيا، وكالعادة أخلصت في حبي أكثر ما يكون الإخلاص، وكذلك إيلي، ولا يزال، ولولا شيطان تبذيره لكان لنا شأن آخر معًا.
أقبلت روكسانا ببهجتها وألقها فانقطع حبل الأفكار، وما أن جلست حتى أقبل النادل بالفطائر الساخنة الشهية تفوح منها روائح ذكية، تغري بالتهامها، تجاذبنا الحديث على غير هدى مستمتعين بالطقس الشتوي المعتدل، وخيوط الشمس تداعب عيوننا من خلف النظارات الشمسية، إلى أن حانت مني التفاتة نحو رجل طويل القامة انفلت خارجًا من باب المحل وفي يده كيس ورقي به بعض فطائر، شعرت أني أعرفه، حتى أنني هممت من جلستي كأنني أنهض، لكنه كان يسعى مسرعًا وفتح باب سيارة تقف على زاوية المحل وتومض أنوارها بلون أصفر، وما أن اتخذ مجلسه فيها حتى بان لي وجهه، فهتفت "هاشم .. هاشم!!"، لكنه كان قد مضى في طريقه، فهززت رأسي أسفًا، وزممت شفتيّ.
يُتبع
------------------------------------
بقلم: د. محمد مصطفى الخياط






