23 - 07 - 2026

شرم الشيخ 2025 هندسة "الهدوء الهش" وتسويق الوهم السياسي

شرم الشيخ 2025 هندسة

* ما كُتب على الورق وما تجسّد على الأرض

تاريخ الصراع في الشرق الأوسط ليس سوى سجّل طويل من القمم الساطعة تحت أضواء الكاميرات، والتي سرعان ما تنطفئ شرارتها على حجر الواقع الميداني الصلب.

لم تخرج "قمة شرم الشيخ للسلام"، التي عُقدت في أكتوبر 2025 برعاية أمريكية - مصرية مشتركة، عن هذه القاعدة التاريخية العتيدة؛ إذ قُدّمت للرأي العام العالمي بوصفها "نقطة تحول فارقة" لتأسيس هندسة إقليمية جديدة تحت مسمى "اليوم التالي"، لتكشف الأيام التالية أنها لم تكن أكثر من عملية تجميلية لإعادة إدارة الأزمة، لا حلّها.

جاء البيان الختامي للقمة، والمستند إلى خطة النقاط العشرين، مشبعاً بقاموس الدبلوماسية المتفائلة: "وقف فوري وشامل لإطلاق النار"، "انسحاب عسكري"، "إعادة إعمار كبرى"، و"مسار ذو مصداقية نحو تقرير المصير". غير أن المسافة بين حبر الاتفاقيات وواقع الميدان سرعان ما اتسعت؛ ليتبيّن أن ما رُوِّج له كـ "سلام شامل" لم يكن في جوهره سوى تفكيك تكتيكي للحرب إلى جولات موقوتة تُدار بالمياومة.

لقد أثبتت التطورات الميدانية أن الطرف الإسرائيلي تعامل مع مخرجات القمة كمنصة امتصاص للضغط الدولي وتفريغ للزخم الدبلوماسي المُحرج، دون تقديم التزامات بنيوية. فبدلاً من الانسحاب الشامل، شَهد القطاع عملية "إعادة تموضع" وتكريسٍ لمناطق عازلة (Buffer Zones) وممرات أمنية تحت ذرائع الحماية. وبدلاً من إطلاق الشرايين الإنسانية وعمليات الإعمار، تحولت المساعدات إلى سياسة "تنقيط مشروط" يرتبط بالملفات الأمنية ونزع السلاح، ليُستبدل الحق السياسي بالورقة الإنسانية والمساومة الخدمية.

تكمن الإشكالية الجوهرية لقمة شرم الشيخ في بنيتها المفهومية ذاتها؛ فقد سعت إلى صياغة مشهد معقد لـ "اليوم التالي" عبر معالجة الأعراض دون الجذور، وفي غياب شريحة واسعة من القوى المؤثرة ميدانياً.

الهروب الإسرائيلي من الاستحقاق السياسي

كشف الغياب المباشر للقيادة الإسرائيلية عن القمة مبكراً عن حجم الارتهان للتوازنات الحزبية واليمينية الفائقة في الداخل الإسرائيلي، والتي ترى في أي حديث عن "الدولة" أو "إعادة التمكين السياسي الفلسطيني" تهديداً وجودياً لائتلافها الحكومي.

شبح الفراغ الإداري أدى محاولة فرض ترتيبات أمنية جديدة أو نشر قوات شرطية بديلة دون توافق وطني محلي جامع إلى حالة من الهشاشة السياسية، وجعل من فكرة "إدارة القطاع" مهمة محفوفة بالمخاطر وعرضة للتعثر المستمر.

تحميل دول الطوق أعباء الانكشاف حيث وُضعت القوى الإقليمية، وفي مقدمتها مصر، أمام معادلة حاطة بالمسؤوليات المباشرة؛ حيث طُلِب منها إدارة الترتيبات اللوجستية والأمنية على الحدود، وسط غياب إرادة دولية صارمة تضمن إلزام إسرائيل بالوفاء بتعهداتها مقابل هذا الدور الإقليمي المحوري.

لغة الأرقام: الحقيقة العارية على الأرض

تتلاشى الوعود السياسية عندما تصطدم بلغة الإحصاءات الميدانية، حيث تكشف البيانات الموثقة حجم الانتهاك المستمر للتعهدات

حصيلة النزيف الإنساني منذ القمة منذ إعلان اتفاق القمة وتوقيع تفاهمات التهدئة في أكتوبر 2025، سُجّل سقوط ما يقارب 1,000 شهيد فلسطيني جديد، وأكثر من 3,000 جريح جراء الضربات المباشرة والخروقات الأمنية المتقطعة. لتتجاوز الفاتورة الإجمالية للإبادة والعدوان المستمر منذ أكتوبر 2023 حاجز 73,000 شهيد وأكثر من 173,000 جريح.

كثافة التوغل العسكري: لم يتوقف الاحتلال العسكري بعد القمة؛ حيث وثقت التقارير الأمنية تنفيذ قوات الاحتلال لـ آلاف الاستهدافات والعمليات الميدانية والآلاف من الضربات الجوية والقصف البعيد في مختلف مناطق القطاع تحت ذريعة "التعامل مع التهديدات الوشيكة" أو "العمليات النقطية".

تآكل جغرافيا الأرض (سبتمبر 2023 مقارنة بالواقع الحالي):

قبل سبتمبر 2023: كان قطاع غزة يمتد على مساحة 365 كيلومتراً مربعاً تحت سيطرة فلسطينية كاملة إدارياً وميدانياً، رغم الحصار الخارجي.

المشهد الميداني اليوم: اقتُطعت أجزاء واسعة من مساحة القطاع جراء فرض "المناطق العازلة" (Buffer Zones) على طول الحدود الشرقية والشمالية، وتوسيع "محور نيتساريم" و"محور فيلادلفيا"، مما أدّى عملياً إلى قضم وتحييد مساحات واسعة تجاوزت 30% إلى 40% من النطاق الجغرافي الفعلي لغزة، وتحويلها إلى أراضٍ محرمة عسكرياً تقع تحت السيطرة والرقابة النارية الإسرائيلية المباشرة.

تسكين أوجاع أم تأسيس لسلام؟

تُظهر قراءة ما حدث بين الطاولة والميدان أن "قمة شرم الشيخ 2025" نجحت بالفعل في إعادة إنتاج "الهدوء الشكلي" وتفادي الانفجار الإقليمي المباشر، لكنها فشلت في تقديم أفق سياسي ناظم ينهي أصل الصراع.

إن القناعة التي تترسخ يوماً بعد يوم هي أن السلام لا يُصنع بتقسيم الخسائر أو ترحيل الأزمات عبر صياغة البيانات المرنة. وطالما بقيت القوى الكبرى تتعامل مع القضية الفلسطينية عبر منظور "إدارة المخاطر" واختزال حقوق الشعوب في ملفات أمنية وإغاثية، فإن كل قمة تُعقد بلغة الوعود لن تجني سوى السراب، وسيبقى "اليوم التالي" مجرد امتداد مأساوي لليوم الذي سبقه.

"لا أحد حر حتى يتحرر"

"حرر نفسك"

"حرر عقلك"
---------------------------------
بقلم: حاتم نظمي


مقالات اخرى للكاتب

شرم الشيخ 2025 هندسة