21 - 07 - 2026

الجامعة العربية 80 عاما من الأمل والإخفاق

الجامعة العربية 80 عاما من الأمل والإخفاق

تجاوز عمرها 80 عاما. أقامت غالبية هذا العمر على الضفة الشرقية لنيل القاهرة. أسست لغرضين، أحدهما معلن وهو جمع الشمل العربي، والآخر حماية المصالح البريطانية في المنطقة خلال الحرب العالمية الثانية. جاءت مباردة التأسيس من أنتوني إيدن وزير خارجية بريطانيا في عام 1941. اجتمع 7 ملوك ورؤساء لدول عربية لتفعيل المبادرة البريطانية هم: ملوك مصر، السعودية، العراق، اليمن، أمير شرق الأردن، رئيسا سوريا ولبنان. 

في 22 مارس عام 1945 ولدت جامعة الدول العربية كأول منظمة إقليمية في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، سابقة على الأمم المتحدة بسبعة أشهر، حاملة آمال أمة في الوحدة والتضامن والتعاون. الآن بعد ثمانين عاما صارت تضم 22 دولة تمثل ما يقرب من 500 مليون عربي. 

فهل حققت الجامعة أهدافها؟ أم أصبحت مجرد ناد للنقاش، يفتقر إلى الفعالية والتأثير؟

أقامت الجامعة عند تأسيسها في قصر البستان الذي كان يملكه الملك فؤاد والذي هدم فيما بعد وأقيم محله مول البستان!! في عام 1955 بدأ إنشاء المبنى الحالي للجامعة على الضفة الشرقية للنيل في ميدان التحرير، في جزء كان من قبل موقعا لمعسكرات الجيش البريطاني والذي أخلاها عام 1947. افتتح المبنى الجديد في عام 1960 وعقدت فيه أول قمة عربية عام 1964.

في بداياتها لعبت أدوارا إيجابية في عدة محطات عربية، قدمت دعما سياسيا وماديا للدول العربية المحتلة، مما ساعد هذه الدول على نيل استقلالها والانضمام إلى الجامعة لاحقا. كما لعبت دورا في احتواء العديد من الأزمات العربية وتسوية النزاعات بين أعضائها، وإرسال بعثات تقصي الحقائق، ونشر قوات مراقبة وأمن عربية. التزمت الجامعة بمبدأ تسوية النزاعات الداخلية بين الأعضاء ضمن إطارها، لتجنب التدخلات الخارجية. 

شكلت القضية الفلسطينية منذ تأسيس الجامعة أولوية للعمل العربي المشترك، تم تخصيص مواد خاصة في ميثاق الجامعة لها. أنشأت الجامعة هيئات داعمة مثل مكتب المقاطعة العربية لإسرائيل ومكتب الإعلام العربي، وقدمت دعما سياسيا وقانونيا وماديا للسلطة الفلسطينية، وعملت على تعزيز اعتراف المجتمع الدولي بها. وكانت سباقة في تنظيم جيش الإنقاذ العربي للتصدي للمشروع الصهيوني في فلسطين قبل قيام إسرائيل.

يقابل هذه الإنجازات سجل حافل بالإخفاقات والأزمات التي كشفت عن عيوب بنيوية في صميم عمل الجامعة. تعاني الجامعة من الانقسام وغياب الإرادة السياسية الموحدة،وهذا التحدي الأكبر للجامعة. فهي تعاني من غياب إرادة سياسية عربية موحدة، وتغليب المصالح الوطنية الضيقة على المصلحة العربية المشتركة، واختلاف رؤى الدول الأعضاء. ويعزى هذا الضعف إلى تصميم الجامعة نفسه، حيث يفضل القادة العرب إبقاءها منظمة ضعيفة تضمن استمرار أنظمتهم، مع التأكيد الشديد على مبدأ السيادة الوطنية الذي يعيق أي تدخل في الشئون الداخلية للدول الأعضاء. كما تعاني الجامعة من عجز مالي مستمر، ولا تلتزم معظم الدول الأعضاء بدفع حصصها المالية بانتظام. كما أن نظام التصويت يتطلب الإجماع في القضايا الجوهرية، ما يجعل اتخاذ القرارات الفعالة أمرا مستحيلا،فالقرارات التي تتخذ بأغلبية الأصوات تكون ملزمة فقط للدول التي صوتت لها. تشير التقديرات إلى أن أكثر من 80% من القرارات التي اتخذتها الجامعة منذ تأسيسها لم يتم تنفيذها. ورغم تأسيس صندوق النقد العربي، إلا أن الجامعة فشلت في تحقيق اندماج اقتصادي ملموس بين أعضائها، رغم أنها سبقت في التأسيس السوق الأوروبية المشتركة. نسبة التجارة البينية العربية لا تتجاوز 10% من إجمالي تجارة الدول العربية، مما يعكس اعتمادا كبيرا على الأسواق الخارجية وغيابا للرؤية الاقتصادية الموحدة.

في العقود الأخيرة انهار دور الجامعة في مواجهة التحديات الكبرى، تجسد الفشل بوضوح في الأزمات الأخيرة. في حرب غزة، اكتفت الجامعة بعقد اجتماعات طارئة وإصدار بيانات الإدانة، دون أن تتمكن من اتخاذ أي إجراء عملي لوقف العدوان أو حماية المدنيين، مما دفع العديد من المراقبين إلى وصفها بأنها "منظمة ميتة إكلينيكيا". صار واضحا أن الدول العربية باتت تفضل العمل الثنائي، كما حدث مع اتفاقات أبراهام، بدلا من انتظار إجماع عربي لا يأتي.

يمكن تلخيص أسباب ضعف الجامعة في عدة نقاط: الافتقار إلى نظام دفاع جماعي فاعل، فمعاهدة الدفاع المشترك الموقعة عام 1950، والتي تحاكي المادة الخامسة من حلف الاطلنطي، ظلت حبرا على ورق منذ توقيعها، وفشلت في تحقيق أي تكامل عسكري، والدليل الهزائم التي تعرضت لها الجيوش العربية. استغلت القوى الاستعمارية والإقليمية الفراغ العسكري العربي وتمكنت من توجيه الأنظمة العربية نحو مصالحها، وإشعال النزاعات الطائفية والعرقية، مما أفقد الجامعة أي دور محوري.

بعد 80 عاما من التأسيس، يعكس كشف حساب جامعة الدول العربية واقعا مريرا. الجامعة التي تأسست لتكون رمزا للوحدة والقوة، تعاني من وهن بنيوي وسياسي يجعلها غير قادرة على مواكبة تحديات العصر، أو الدفاع عن القضايا المصيرية للأمة العربية. فشلت فشلا ذريعا في مهمتها الأساسية، تحقيق الأمن القومي العربي المشترك وحماية المصير العربي.

لا دور للجامعة مؤخرا إلا إصدار بيانات الإدانة أو بيانات الشجب في مواجهة الاعتداءات الإسرائيلية على الشعب العربي في فلسطين وغيرها. صار الأمين العام للجامعة العربية لا يفعل شيئا إلا التوقيع على بيان، ربما كل يوم، أو أكثر من مرة في اليوم، بينما يحصل هو وطاقم موظفي الجامعة على مرتبات ضخمة بالدولار،حيث يتم تعيين المحاسيب من كل دولة في الجامعة، ولم نسمع يوما – كما تفعل الأمم المتحدة – عن مسابقة للعمل في الجامعة تفتح أمام كل صاحب جدارة ليتقدم ويحصل على الوظيفة. 

صارت الجامعة مجرد "تذكار" لا قيمة له، أداة لإضفاء الشرعية على واقع عربي متشرذم وضعيف. ولو لم يتم إصلاحها إصلاحا جادا وحقيقيا، يفضل إلغاؤها، لأن لا قيمة لوجودها، ما لم تعمل على تحقيق الوحدة العربية، خاصة الوحدة الاقتصادية وإلغاء الحدود وإلغاء تأشيرات الدخول للمواطن العربي في كل دولة عربية. 

يشغل منصب الأمين العام للجامعة مصري حسب تقاليد الجامعة التي عاشت على أرض مصر 70 عاما بينما رحلت إلى تونس عام 1979 – 1990، لمدة 11 عاما بعدما قطعت الدول العربية علاقاتها مع مصر بسبب معاهدة السلام مع إسرائيل. صار المنصب مكافأة نهاية الخدمة للأمين العام الذي يحصل في نهاية مدتيه على مبلغ طائل، بينما وظيفته إصدار بينات الإدانة والشجب والندب وحضور المناسبات الفاخرة، يا لها من وظيفة. الرحلة منذ التأسيس وحتى الآن تكشف عن الفرق بين الأمناء العامين الأوائل ومستوى الأمناء الأواخر. 

لو نظرنا إلى السوق الأوروبية المشتركة ثم الاتحاد الأوروبي لوجدنا فارقا هائلا بين التجربتين رغم أن تأسيس الجامعة كان في وقت الحرب العالمية التي كانت فيها أوروبا تعاني الويلات. إذا لم يكن هناك جدوى من الجامعة، فلتلغى ويباع المبنى الفاخر على النيل لإحدى شركات الفنادق.
-------------------------
بقلم: رفعت رشاد 

مقالات اخرى للكاتب

الجامعة العربية 80 عاما من الأمل والإخفاق