- كيف سقط نجم إبراهيم الهلباوي؟ وكيف كرهه الناس أكثر من سلطان الدعارة إبراهيم الغربي؟
- حادثة "دنشواي" نقطة التحول في تاريخ تعامل مصر مع الاحتلال .. رد فعل المصريين أعاد إليهم مصريتهم وثقتهم وفيها ولدت الصحافة المصرية الحقة
- "هؤلاء السفلة وأدنياء النفوس من أهالي دنشواي قابلوا الأخلاق الكريمة للضباط الإنجليز بالعصي والنبابيت" من أقوال الهلباوي!
- "قولوا لعين الشمس ما تحماشي... لحسن غزال البر صابح ماشي" غناها الناس لإبراهيم الورداني قاتل بطرس غالي ليلة إعدامه
سواء بثلاثين من الفضة أو بخمسمائة؛ وسواء كان الخائن يهوذا أو الهلباوي أو قائدًا سيَّدًا؛ فلن يشفع له شيء، ولن يغير حُكم الجماعة الشعبية مغيرٌ، ولن يشفع لذي الصيت شيء، وسيسقط لا بيد شهير مثله بل بيد أرسلها الحق، فما حجم داود عليه السلام إلى حجم عملاق العماليق جالوت؟ وما حجم عبد الله بن مسعود حتى يصعد على جسد أبي جهل ويحز رأسه؟
***
"هأنذا ألقي في ثقة بسلامي/ هأنذا أبرز لشهير أعرف إسمه/ ... من طرف حسامي/ وأكيل الضرب ولا أهدأ/ باسم الكلمة/ باسم الأرض الخضراء/ باسم قرى غنيناها باسم الإنسان" هكذا يقول حجازي في قصيدته دفاع عن الكلمة.
***
تمثل حادثة "دنشواي" نقطة التحول في تاريخ تعامل مصر مع الاحتلال، وفي تعامل العالم معها؛ بما يمكن وصفه: "بأن رد فعل المصريين على المذبحة المهينة أعاد إليهم مصريتهم وثقتهم، وأسقط كرومر ورجال كرومر وأصاب في مقتل تطبيقه لاستراتيجية وكلاء الاستعمار - ولعل أوفى مصدر يمكن الرجوع إليه هو مقال الدكتور عماد الدين أبو غازي " "الخواجة أتل المره..." إذ علاوة على كونه موسوعيا بامتياز؛ فقد بني بمنهجية دقيقة - في هذه الحادثة ولدت الصحافة المصرية الحقة وصدق قول مصطفى كامل لأحمد حلمي: "أنت الصحفي الأول في مصر" في هذه الحادثة سقط نجمٌ لامع في وحل الخيانة على يد صحفي صغير، لا لأنه تعاون مع المستعمر، ولكن لأنه أوهم الناس بكلامه أنه وطني؛ فيما أثبتت فعله أنه الخائن! كيف سقط نجم إبراهيم الهلباوي؟ وكيف كرهه الناس أكثر من سلطان الدعارة إبراهيم الغربي؟
***
"وكان من آيات شهرته أنها دخلت في «النكتة المصرية»؛ فكان الذين يساومون القصابين (الجزارين) في شراء لسان الذبيحة يقولون إذا اشتط عليهم القصاب في الثمن: والله ولا لسان الهلباوي!" يذكر العقاد هذا في درته الفريدة "رجال عرفتهم" الذي خصَّصه العقاد للحديث عن الصحفيين في زمانه من مقالٍ أفرده لإبراهيم الهلباوي (توفي 1940) الذي أعيا منطقه جمال الدين الأفغاني.
أما إبراهيم الغربي (توفي - 1924) فقد كان: "يشاهد كل مساء جالسا علي مقعد خارج منازله بشارع عبدالخالق واضعًا ساقًّا علي ساق مرتديًا ملابس النساء ومنقبًا بنقاب أبيض، ويُخرج في العادة يدًا مغطاة بالمجوهرات، كان لهذا الرجل سلطة مذهلة في البلاد امتد نفوذه ليس فقط في عالم الدعارة، ولكن أيضا في محيط السياسة والمجتمع الراقي كان شراء وبيع النساء في كل من القاهرة والأقاليم في يد الغربي، ولم يكن قراره بالنسبة للسعر يقبل المناقشة، وصل نفوذه علي كل بيوت البغاء درجة أن القوادين و البغايا نصبوه سلطانا علي عالمهم وألبسوه تاجا ذهبيًّا مرصعًا بالألماظ و الزمرد و الياقوت، و تربع علي عرش تجارة الدعارة وحكم مملكته بديكتاتورية صارمة" بلغة رشيقة يصف مصطفى عبيد سلطان البغايا في كتابه "ليل المحروسة" وبحصر علمي ممتدة صفحاته، مفزعة أرقامه يعرض عماد الدين هلال إمبراطوريته في كتابه "البغايا في مصر".
(1)
"محام أي محام، وخطيب أي خطيب! لقد يقف في الجمهرة والناس أكثرهم على غير رأيه فيما يجول فيه، فما يزال يدور على مواطن إحساسهم يجسها من ههنا ومن ههنا في رشاقة وخفة قول، ولطف شاهد، وبراعة نكتة، حتى إذا آنس من الآذان تطامنًا من جماح، واسترخاء بعد عصيان، هجم منها بكله على النفوس، فظل يهزها هزًّا، ويرجها رجًّا. فما الفحل إذا هدر، ولا الليث إذا زأر، ولا البحر إذا زخر، بأشد صولة على الأسماع من الهلباوي يتدفق في الكلام، فما يروعك من هذه الجماهير الواجمة إلا أن تراها، برغمها، قد أرسلت حناجرها بالهتاف، وبعثت أكفها بالتصفيق!" هكذا يصف البشريُّ الهلباوي.. رجلٌ يستطيع أن يغير الناس من حال إلى حال، صار الرجل ملء السمع والبصر، حاز الباشوية، وأصبح شيخ المحامين غير المنازع.. لكن دم "أم صابر" كان له رأي آخر، رأي محا تاريخ الزهو والعجب والإعجاب.

(2)
في ذلك اليوم.. تخرج مجموعة من الجنود ليصطادوا الحمام، ويصلون إلى مكان مثالي؛ جرن واسع يمتلئ بجبال التبن وأبراج الحمام الطينية؛ ولأن آلة (الدريس) وقتها كانت (النورج) فقد امتلأت الأرض بالقمح، وهكذا تتجمع الفرائس والصياد ككل شبر في مصر وقتها، وكما أخذ الإنجليز القطن والقمح والبشر والشجر والحجر، رفعوا البنادق ليحصدوا الحمام، وإذ تخرج امرأة خافت من البارود أن يلضم شرره بجبال التبن فتحترق القرية، يوجه لها جندي رصاصه فتسقط "أم صابر" وترتفع الصيحة: "الخواجه كتل المره" وهنا كما يقول أحمد الحوفي في كتابه (وطنية شوقي): "ووافى الخفراء في الوقت نفسه ليفرقوا الجمع وينقذوا الضباط، فتوهم الإنجليز انهم يريدون بهم شرًّا؛ فأطلقوا عليهم بندقياتهم؛ فأصابوا شيخ الخفراء واثنين آخرين فحمل الأهلون على الضباط الإنجليز جميعًا بالعصي والطوب؛ فأصيب واحد بكسر في ذراعه، وأحاط الخفراء بهؤلاء الثلاثة وزميل رابع، وحجزوهم حتى جاء ملاحظ النقطة وأوصلهم إلى المعسكر" حتى هذه اللحظة لا قتلى إنجليز في دنشواي فأين قتل الكابتن بول؟ يجيب الحوفي بأنه أصيب بضربة في رأسه فانطلق هاربًا في قيظ يونيه حتى وصل إلى سرسنا على بعد ثمانية كيلومترات، وحين سقط من الإعياء رآه فلاح مصري فأسرع إليه بقلة ماء، وكان الإنجليز قد تحركوا من كمشوش، وظنوا أن "سرسنا" هي "دنشواي" فهشموا رأس الفلاح المصري! وشكلت محاكمة مخصوصة بلغ عدد المحاكمين فيها تسعة وخمسين مصريًّا.
(3)
كان من المنطقي أن يقف الهلباوي إلى صفوف المصريين، ويروي أنه حاول الذهاب إلا أن القطار تأخر؛ فعاد إلى بيته وأرسل أحد محاميه؛ وفي البيت يزوره رئيس الوزراء ويطلب منه أن يكون "المدعي العام للإنجليز" ويوافق!
في مقالاته البديعة عن الهلباوي بتساءل محمد فرحات: هل ما جرى للهلباوي كان مصادفة؟ وفي تحليل شائق يقارن بينه وبين "سيزيف" ذلك الرمز الإغريقي الذي يدفع صخرة كي يوصلها إلى أعلى الجبل، لكنها تسقط، يختار فرحات أن ينحاز إلى "موجبات الظرف التاريخي" وكأن الهلباوي وسعد ويكن والعقاد كانوا ريشة في مهب الريح، وأن جريمتهم كانت ما أورده أحمد بهاء الدين على لسان سعد زغلول في كتابه (أيام لها تاريخ): "مصيبتنا أننا صدقنا"، يحضر سعد زغلول في قلم محمد فرحات باعتباره المنافس الذي كان الهلباوي يحلم بأن يسبقه.. وأن هذا الشعور ربما هو ما قاده إلى قبول عرض وكيل المستعمر مصطفى باشا فهمي رئيس الوزراء، والد صفية زوجة سعد زغلول! وربما عزز هذا القبول المبلغ الضخم الذي تقاضاه: خمسمائة جنيه.
(4)
"الاحتلال الإنجليزي لمصر حرر المواطن المصري وجعله يترقى ويعرف مبادئ الواجبات الاجتماعية والحقوق المدنية" قال الهلباوي.
"هؤلاء السفلة وأدنياء النفوس من أهالي دنشواي قابلوا الأخلاق الكريمة للضباط الإنجليز بالعصي والنبابيت، وأساؤوا ظن المحتلين بالمصريين بعد أن مضى على الإنجليز بيننا خمسةٌ وعشرون عاماً، ونحن معهم في إخلاص واستقامة" قال الهلباوي.
"إعدام الإمام حسن محفوظ وثلاثة قرويين وآخرون تراوحت أحكامهم بين الأشغال الشاقة المؤبدة (محمد عبد النبي مؤذن القرية زوج أم صابر المقتولة، وآخر) وخمس عشرة سنة وسبع سنين وسنة وآخرون بالجلد خمسين جلدةً" حكم المحكمة التي رأسها بطرس غالي وكان أحد أعضائها الثلاثة أحمد فتحي زغلول الشقيق الأصغر لسعد.
(5)
لكن الصحفي الأول في مصر رأى.. وكتب (يا دافع البلاء) قال: "كاد دمي يجمد في عروقي بعد تلك المناظر الفظيعة، فلم استطع الوقوف بعد الذي شاهدته، فقفلت راجعًا وركبت عربتي، وبينما كان السائق يلهب خيولها بسوطه كنت أسمع صياح ذلك الرجل يلهب الجلاد جسمه بسوطه، هذا ورجائي من القراء أن يقبلوا معذرتي في عدم وصف ما في البلدة من مآتم عامة، وكآبة مادة رواقها على كل بيت، وحزن باسط ذراعيه حول الأهالي، حتى أن أجران غلالهم كان يدوسها الذين حضروا لمشاهدة هذه المجزرة البشرية، وتأكل فيها الأنعام والدواب بلا معارض ولا ممانع، كأن لا أصحاب لها، ومعذرتي واضحة، لأني لم أتمالك نفسي وشعوري أمام البلاء الواقع الذي ليس له من دافع إلا بهذا المقدار من الوصف والإيضاح".
وقال قاسم أمين: "رأيت عند كل شخص تقابلت معه قلبًا مجروحًا وزورًا مخنوقًا، ودهشة عصبية بادية في الأيدي وفي الأصوات، كان الحزن على جميع الوجوه، حزن ساكن مستسلم للقوة، مختلط بشيء من الدهشة والذهول، ترى الناس يتكلمون بصوت خافت، وعبارات متقطعة، وهيئة بائسة، منظرهم يشبه منظر قوم مجتمعين في دار ميت، كأنما كانت أرواح المشنوقين تطوف في كل مكان من المدينة، ولكن هذا الاتحاد في الشعور بقي مكتومًا في النفوس لم يجد سبيلًا يخرج منه فلم يبرز بروزًا واضحًا حتى يراه كل إنسان".
فقال برنارد شو: "إن كانت الإمبراطورية البريطانية تود أن تحكم العالم كما فعلت في دنشواي، فلن يكون على وجه الأرض واجبٌ سياسيّ مقدسٌ وأكثر إلحاحًا من تقويض هذه الإمبراطورية وقمعها وإلحاق الهزيمة بها".

(6)
طُرِد كرومر آمر المذبحة والمعتمد البريطاني عن مصر، وشيعه المصريون بما أنطق أحمد شوقي (الذي رفض قبول رواية عذراء دنشواي) بقوله: لَمّا رَحَلتَ عَنِ البِلادِ تَشَهَّدَت... فَكَأَنَّكَ الداءُ العَياءُ رَحيلا.
انتهى ذكر أحمد فتحي زغلول.
قُتِل بطرس غالي على يد إبراهيم الورداني الذي قال: "إذا كنا نسينا الإنجليز فإن المصريين الذين باعوا أهلهم لم ولن ينسى جريمتهم أحد" وحين أعلن الإنجليز موعد إعدامه، وتجريم ذكر اسمه أو حمل صورته، غنى له الناس في الشوارع: "قولوا لعين الشمس ما تحماش... لحسن غزال البر صابح ماشي"، ورغم أن القتيل – وفقًا لكتاب الكنائس في مصر الصادر عن المركز القومي للترجمة" بُنيت فوق مدفنه الكنيسة البطرسية، ونقش على تابوته بالعربية والفرنسية" الله يعلم بأنني لم أفعل شيئًا يضر بلادي"!
أما الهلباوي فقد عاش يتجرع كما قال يحيى حقي: " العذاب علقمًا وصبه كأسا بعد كأس.. سنين طويلة تكاد تكون هي عمره كله" رغم أنه لم يترك فرصة إلا حاول تكفير خطيئته فقد تطوع للدفاع عن البطل إبراهيم الورداني، وعن أحمد حلمي الصحفي الذي كان مقاله "يا دافع البلاء" هو الصرخة الأولى في البرية ليتداعى المصريون لحماية دمهم الحرام، وقَبِل الساسة الهلباوي بعدما قدم، لكن المصريين لم ينزلوه عن المشنقة، وبقي "جلاد دنشواي".
(7)
بعد فترة ظن الهلباوي أنه يستطيع الثأر ممن وقفوا ضده، فحاول مهاجمة الشيخ عبد العزيز جاويش لأنه وصفه بجلاد دنشواي، دون أن يدرك - كما أدرك محمد سعد عبد الحفيظ عنه - أن حافظ إبراهيم صوت الشعب وهو الذي سبق بعامين:
أنت «جلادنا» فلا تنسَ أننا ... قد لبسنا على يديك الحديدَا
...
"السيف إذا دخل المعركة الخاسرة تبلد، صار عصا في كف الملحد" هل يقول لنا حجازي هنا أن حُسن الكلام ليس بشيء، بل هو كل الضرر إن جعل المثقف يبيع نفسه ويخون وطنه، إن أسكنه قصرًا محميًا، إن جعله يشعر أنه سيد دائمًا، إن أشعره أنه في مأمن مهما فعل، هل سيلتف الناس حوله كما التفوا حول بينوشيه؟ هل سيعجبون به إعجابهم بجوبلز؟ هل غير استدعاء هتلر الاستعاري لبطولة ثلاثمائة جندي إسبرطي نهاية ستاليننجراد أم ساقه إلى نهايته على ساحل النورماندي؟ في النهاية لن يتحمل مصير عقاب الشعب حين صار جلاده، وسيتمنى مصير إبراهيم الغربي الذي ذكره هلال في كتابه (البغايا في مصر) نهاية الصفحة الرابعة والعشرين بعد المائة.
-----------------------------
بقلم: أحمد سراج
من المشهد الأسبوعية







