كان على أن استقل القطار من مطار أمستردام إلى مدينة دلفت بهولندا، مسافة لا تتجاوز السبعين كيلو مترا، يقطعها القطار في حوالي ساعة من الزمن. توجهت إلى مكتب الاستعلامات في المطار، وبعد حديث قصير، حجزت تذكرة في أول قطار.
أخذت مقعدي إلى جوار النافذة، ورحت أتابع الحقول الخضراء الممتدة على امتداد البصر كحُلة أُحكمت أزرارها حول جسد الأرض الفتي، ومن حين لآخر يعلو صوت مذيع داخلي باللغة المحلية. كان عدد الركاب محدودًا، وبالفطرة خمنت أن الفتاة الجالسة قبالتي ربما تكون عربية، بادرتُها بالحديث، وعرفت منها أنها هولندية من أصول عربية، وبينما نحن نتحدث، قطعت كلامها وسألتني عن وجهتي، وهنا تغيرت ملامحها، وقالت بنبرة ضيق، وهي تشير إلى سماعة القطار: "قل لي بالله عليك ما فائدة تلك الرسائل الصوتية لراكب أجنبي لا يعرف الهولندية.. كم هم أغبياء"، ثم أخبرتني أنني يجب أن أبدل القطار في محطة معينة واستقل قطارًا آخر بنفس التذكرة إلى وجهتي.
حمدتُ الله أنه أرسل إليّْ هذه الفتاة، وإلا لكنت قد جلست في القطار حتى يصل إلى محطته الأخيرة، ولا أعرف حينئذ ما الذي كان سيحدث عندما اكتشف أن عليّْ أن أعود من حيث جئت!، وهل سيكون هناك قطارات في ذلك الوقت أم لا؟
تذكرت هذه المفارقة، التي مضى عليها أكثر من ربع قرن، عندما ابتعت تذكرة مترو من محطة عدلي منصور قاصدًا الدقي. المحطة بالغة النظافة والنظام، وعلى الرصيف شاشات رقمية تشير إلى الزمن المتبقي على وصول القطارات، واتجاهاتها. تتغير البيانات على الشاشة باللغتين العربية والإنجليزية، وفي الخلفية يشدو الموسيقار محمد عبد الوهاب بأحد أعذب أغانيه؛ (مضناك جفاه مرقده .. وبكاه ورحمَ عُوَدَهُ/ حيرانُ القلبِ مُعَذَبّهُ .. مقروحُ الجفنِ مُسَهَدَهُ).
إلى جانب الشاشات الرقمية الموضحة لخريطة المسار واسم المحطة التالية، كان صوت المذيع الداخلي ينبه الركاب باللغتين العربية والإنجليزية، للاستعداد للنزول، كلٌ وهدفه. أيضًا، كانت درجة حرارة التكييف معتدلة، على خلاف لهيب الظهيرة. استرخيت في المقعد ورحت أتصفح الجريدة الورقية، حين شعرت بالنظرات المختلسة من خلف شاشات هواتف الركاب من حولي، ربما بدا للبعض مشهدًا غير مألوف وسط عالم رقمي، إذ صار من النادر أن تجد شخصًا يقرأ في جريدة أو كتاب ورقي. تحول عالم المواد الـمُشكل قِوَامَهُ من الذرة، إلى عالم افتراضي قوامه الصفر والواحد، أو ما يُطلق عليه في علم الكمبيوتر، النظام الثنائي Binary System.
بالوصول إلى محطة العتبة، صار لزامًا عليّْ أن أُبدل القطار، واستقل قطارًا آخر. مئات الركاب يتحركون في انسيابية؛ سلالم متحركة، وأخرى ثابتة تضمن سهولة تدفقهم، وتتلافي التكدس، موجات بشرية من أجناس مختلفة تتحرك طبقًا للافتات المنتشرة باللغتين.
أيضًا، كان من السهل ملاحظة الفروق بين محطتين يفصل بين تاريخ إنشائهما قرابة عقدين من الزمان، وإن كانت بعض لمسات بسيطة من قبيل اللافتات الإليكترونية والمنظومة الصوتية وموائمة مستوى التكييف مع كثافة الركاب، كفيلة بأن تمنح الخط القديم رونقًا إضافيًا.
كان قد مضى على آخر تجربة لي مع مترو القاهرة، أكثر من عشر سنوات، لذا سعدت كثيرًا برحلة استغرقت قرابة الخمس وأربعين دقيقة، قطعنا فيها قرابة 35 كيلو مترا، مقسمة على أكثر من عشرين محطة، بثمن بخس، جنيهات معدودات، مما جعله الوسيلة الأولى لدى قطاعات كثيرة من المواطنين والزوار.
في المقابل، تغطي شبكة كبيرة من سيارات الميني باص شوارع القاهرة الكُبرى، حتى أنني أكاد أزعُم، أنها تغطي – على الأقل - كافة الطرق والميادين الرئيسية. شركات خاصة متعددة تتنافس فيما بينها، إلا أن أغلبها يغيب عنه كلاً من الإدارة الحازمة والالتزام. لم يعد من المقبول أن تتحرك الباصات بنظام السداح مداح، بلا ضابط ولا رابط، وأن ينتظر الراكب على المحطة إلى أجل غير مُسمى، يقف السائق في الطريق ما شاء له الله أن يقف، ويُسرع ما شاء له الله أن يُسرع، ويقرر إنهاء الخط عند نقطة معينة، وعلى الركاب انتظار باص آخر لاستخدام نفس التذكرة، وجود منصة إليكترونية كفيل بحل الكثير من المشاكل والحفاظ على وقت الجميع.
رقي المدن لا يُقاس التمدن بعدد الجسور والأنفاق والقطارات التي تجري في أرجائها، بل بمدى احترامها للإنسان الذي يستخدمها. فالوقت الذي نهدره في الانتظار يُقتطع من أعمارنا. وبين مترو يخبرك متى يصل ومتى يغادر، وميني باص يتركك رهينة للمصادفة، تتجسد فلسفتان مختلفتان: الأولى ترى المواطن شريكًا يجب احترام وقته، والثانية تراه مجرد تذكرة. وفي المسافة بين الفلسفتين، تتحدد المسافة الحقيقية بين التنظيم والفوضى.
-----------------------
بقلم: د. محمد مصطفى الخياط
[email protected]






