تقول الباحثة المتخصصة في شؤون أميركا اللاتينية، الدكتورة صدفة محمد، إن الحديث عن سياسات الرئيس خافير ميلي يجب أن يسبقه الاعتراف بأن فوزه كان صدمة كبيرة للكثير من المراقبين والمحللين الدوليين؛ لأنه أتى من خارج المؤسسة السياسية؛ فهو لا ينتمي للأحزاب الرئيسية التي تناوبت حكم الأرجنتين خلال العقود الماضية، كما أن فارق الأصوات بينه وبين مرشح الحزب الحاكم كبير.
أعلن خافير ميلي العداء الأيديولوجي والرفض السياسي للصين ووصف الصين خلال حملته الانتخابية عام 2023 بـ "النظام السلطوي"، وأعلن صراحة أنه لن يتعامل مع "الشيوعيين"، كما رفض انضمام الأرجنتين إلى مجموعة "بريكس" التي تقودها الصين.
لكن ما الذي حدث بعد ذلك؟
لم تستطع حكومة الرئيس خافيير ميلي إخراج الشركات الصينية من الأرجنتين؛ بل اضطرت للتراجع عن خطاباتها الانتخابية الصارمة ضد الصين. نظراً لاعتماد الاقتصاد الأرجنتيني على بكين، واصلت الشركات الصينية العمل بشكل طبيعي وتوسعت استثماراتها في مجالات حيوية مثل التعدين، بل وافقت الحكومة على حوافز ضخمة لمشروعات صينية في قطاع الليثيوم.
تُعد الصين ثاني أكبر شريك تجاري للأرجنتين بعد البرازيل، وأحد أضخم المستثمرين في قطاعاتها الاستراتيجية. ورغم الخطاب السياسي المتقلب للرئيس الارجنتيني خافير ميلي تكشف الأرقام الرسمية والبيانات المحدثة لعام 2026 عن حجم اقتصادي ضخم متبادل بين البلدين:
أولاً: حجم التبادل التجاري:
استقرت حركة التجارة بين البلدين بعد فترات من الانكماش الاقتصادي. ووفقاً للبيانات الموثقة لقاعدة بيانات الأمم المتحدة OMTRADE) ) ووكالات الإحصاء يدور إجمالي التبادل التجاري حول 16.35 مليار دولار أمريكي سنوياً. وبلغت الصادرات الأرجنتينية إلى الصين حوالي 9.72 مليار دولار. وتتركز في السلع الزراعية مثل الصويا، اللحوم البقرية المجمدة، وزيت الصويا. والواردات الأرجنتينية من الصين بلغت قرابة 17.94 مليار دولار. وتشمل التجهيزات التكنولوجية مثل الهواتف، أجهزة الكمبيوتر، والآليات الصناعية.
الميزان التجاري الشهري،
تشير بيانات النصف الأول من عام 2026 إلى أن الصين تتبادل المراكز مع البرازيل شهرياً كأكبر مستورد ومصدر للأرجنتين (على سبيل المثال، استوردت الصين ما قيمته 1.29 مليار دولار من الأرجنتين في شهر واحد مقابل صادرات بـ 1.15 مليار).
ثانياً: الاستثمارات الصينية المباشرة:
تمتلك الصين محفظة استثمارية بمليارات الدولارات في الأرجنتين، تتركز في قطاع "المعادن الحرجية" والطاقة المخزنة: قطاع الليثيوم (الذهب الأبيض) والذي تهيمن عليه الشركات الصينية؛ حيث وجهت بكين استثمارات تعدينية تجاوزت 3.2 مليار دولار (شملت 7 مشاريع كبرى لليثيوم). وتستحوذ الصين على 43% من إجمالي صادرات الليثيوم الأرجنتيني.
وفي العام الجاري (2026) شهدت الاستثمارات الصينية في الأرجنتين توسعاً، حيث وافقت حكومة "خافيير ميلي" رسمياً على منح حوافز ضخمة وإعفاءات ضريبية وقانونية (عبر برنامج RIGI الاستثماري) لتحالف تقوده شركة Ganfeng Lithium الصينية لضخ 1.24 مليار دولار لتوسيع منجم ليثيوم في مقاطعة "خوخوي".البنية التحتية والتمويل: تمتلك الصين محطات طاقة كهرومائية، واستثمارات في الأراضي لإنتاج الغذاء، إلى جانب "اتفاقية تبادل العملات" (Swap) ) الحيوية التي يعتمد عليها البنك المركزي الأرجنتيني لدعم احتياطياته النقديّة من اليوان لمنع انهيار العملة المحلية.
رغم الوعود والاكاذيب بأنه سينقذ الاقتصاد الارجنتيني من الانهيار ويقضي على الفساد، وستكون أميركا أولاً، لكن الأوضاع تغيرت بسرعة كبيرة، فبعد عام وتحديدا في سبتمبر/أيلول 2025 تعثرت الحكومة الأرجنتينية، واضطر ميلي عند زيارته إلى نيويورك لحضور الجمعية العامة للأمم المتحدة، أن يشكو الاوضاع الاقتصادية الحرجة لبلده، فأبرمت الولايات المتحدة مع الأرجنتين صفقة مقايضة عملات بقيمة 20 مليار دولار لتعزيز احتياطيات البنك المركزي، كما اشترت سندات دين أرجنتينية، و"ائتمان احتياطي كبير عبر صندوق استقرار الصرف"، وفق صحيفة "إل باييس"، ولكن العلاقة والدعم لخافير (صديق ترامب الحميم وصديق إسرائيل والذي بالغ في العداء للصين ولروسيا وايران) باتت عبئاً على واشنطن التي اضطرت أن تتغاضى عن علاقات بلده مع الصين وارتفاع الميزان إلى أعلى مما كان عليه سابقا .. لكنها ربحت وكما خططت، حيث التحيز الدفاعي والعسكري لأمريكا بالتوازي مع مرونته التجارية مع الصين وتحالفه العسكري مع واشنطن لمواجهة النفوذ الصيني، عبر إطلاق مشروع قاعدة بحرية مشتركة مع الولايات المتحدة في أقصى جنوب الأرجنتين.
يذكر أن ميلي قبل الرئاسة كان حارس مرمى نادي "شاكاريتا جونيورز" الأرجنتيني، ومغنياً في فرقة روك تدعى "Everest" " تعزف أغاني فرقة "رولينغ ستونز".. ويستخدم خطاباً شعبوياً حماسياً، واشتهر برفع "المنشار" في حملاته كرمز لقطع رؤوس الفاسدين ،وغير متزوج ويمتلك عشرة كلاب ولا يمشط شعره ويوصف بالمجنون، وزار إسرائيل وبكى عند حائط البراق ..
---------------------------------
بقلم: د. محمود الهاشمي
مدير مركز الاتحاد للدراسات الاستراتيجية ـ العراق






