عندما سألت شات جي بي تي عن النهج الإيراني في التفاوض قال بكل بساطه، تعتمد إيران نهجاً تفاوضياً شديد التعقيد يُعرف بـ "صبر صانعي السجاد"، حيث تستثمر إرثاً حضارياً يمتد لآلاف السنين وثقافة "البازار". ترتكز حرفية طهران الدبلوماسية على المماطلة، واستنزاف الخصم، وفصل الملفات، وتجنب الحلول السريعة، مع دمج المسارات الدبلوماسية والعسكرية لتحقيق أقصى مكاسب ممكنة.تتميز العقيدة التفاوضية الإيرانية بعدة ركائز أساسية طول النفس والاستنزاف: تبرع إيران في تحمل كلفة الصراع وإرهاق خصومها عبر جولات ماراثونية لا تنتهي، مبعدةً شبح الضربة العسكرية أو مفرغةً إياها من مضمونها.
لا تنظر طهران للتفاوض على أنه تنازل، بل كجزء من استراتيجية المقاومة وحماية المصالح. تعمد إلى أسلوب "الفوضى المقصودة" وتقسيم القضايا إلى أجزاء صغيرة لإشغال الخصم في تفاصيلها.
اللعب على التناقضات
تستثمر إيران الانقسامات بين التيارات الداخلية (المتشددة والمعتدلة) كورقة ضغط في المفاوضات، مما يمنحها مرونة في التراجع أو التصعيد دون خسارة سياسية كبرى.
إدارة المشهد الإقليمي:
تسعى إيران دائماً لإدارة الأزمات في المنطقة كورقة تفاوضية رابحة (مثل التلويح بتهديد الملاحة في مضيق هرمز) لتحسين شروطها على الطاولة وخلق أوراق ضغط ميدانية.تاريخياً، عُرفت إيران في تفاوضها بقدرتها على إعادة الملفات إلى نقطة الصفر كلما شعر الخصم بقرب الوصول إلى اتفاق نهائي، مما يجعلها قوة دبلوماسية قادرة على تحويل نقاط ضعفها إلى أوراق قوة.
وأشعلت إسرائيل الحرب مع إيران ثم انسحبت منها تاركه أمريكا وحلفائها تحت مرمى النيران الإيرانيه وانشغلت هي بشئونها الداخليه واكتفت فقط بتلقي الضربات الإيرانيه غير المؤثرة على اقتصادها أو على مهمتها الحقيقيه وهي إكمال إبتلاع الاراضي العربيه في فلسطين ممثلة في إستمرارية احتلال غزة وإلتهام الضفة بالمستوطنات التي لاتفتأ اسرائيل بالاصرار عليها رغم أنها في وضع لا تحسد عليه أمام العالم.
لو لم تقم اسرائيل بإشعال الحرب مع إيران لأشعلتها أمريكا بنفسها ويثور السؤال حول قانونيه الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران وتسليط الضوء على ميثاق الأمم المتحدة، الذي ينص على "الامتناع عن التهديد باستعمال القوة أو استخدامها ضد الدول الأخرى" فكيف بررت واشنطن وإسرائيل ضرب إيران؟ ومتى يمكن استخدام القوة؟
قد تبدو الفقرة الرابعة من المادة الثانية من ميثاق الأمم المتحدة مجرد جملة قصيرة، لكنها تعتبر "ركيزة القانون الدولي الحديث" - وخطه الأحمر وذلك لأنَّها تُلزم جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة بـ"الامتناع في علاقاتها الدولية عن التهديد باستعمال القوة أو استخدامها ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأي دولة" وهذه المادة تم وضعها بعد الحرب العالمية الثانية بهدف الحفاظ على السلام والاعتماد على المفاوضات كإجراء معياري لحل النزاعات، بدلًا من النزاعات المسلحة.
برّرت الولايات المتحدة الأمريكية و إسرائيل "ضرباتهما الاستباقية " الأخيرة ضد إيران في 28 فبراير 2026 بأسباب من بينها ضرورة "تقييد برنامج إيران الصاروخي" و"إنهاء دعمها للجماعات الإرهابية" وفي المقابل يرى النقاد أنَّ هذه الأسباب لا تندرج تحت استثناءات ميثاق الأمم المتحدة، ويشيرون إلى أنَّ هناك هيئات معينة فقط في الأمم المتحدة - وخاصة مجلس الأمن - يمكنها اتخاذ قرارات ملزمة تحدّد متى يكون استخدام القوة قانونيًا.
ولكن الحقيقة التي يعرفها الجميع ان العداء الامريكي الإيراني تمتد جذورة إلى فترة الخمسينيات من القرن الماضي وهناك ثلاث محطات رئيسية شكلت مواقف الإيرانيين والأمريكيين تجاه بعضهم البعض وتوضح لماذا يستمر انعدام الثقة والعداء فهل يمكن أن يدور حوار بين الطرفين بعد كل ما جرى ويجري؟
تدبير انقلاب امريكي
الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل مع إيران التي اندلعت في 28 فبراير لم تبدأ بشكل مفاجئ، فالصراع بين الولايات المتحدة وإيران تطور عبر أجيال، نلقي نظرة على كيف أن ثلاثة أحداث رئيسية مهدت أيضًا الطريق للحرب وهي تدبير انقلاب امريكي على رئيس الوزراء الإيراني محمد مصدق ودعم الشاه عام 1953، والحدث الثاني أزمة الرهائن 1979، والنزاع النووي المستمر الذي تغذيه الدعاية الصهيونيه ضد أيران منذ قيام الثورة الإسلاميه وخلع اكبر مناصر للصهاينه وهو الشاه محمد رضا بهلوي.
خلال جزء كبير من القرن العشرين، كانت إيران والولايات المتحدة تتمتعان بعلاقة وثيقة بعد الحرب العالمية الثانية، رأت واشنطن طهران كحليف رئيسي ضد الاتحاد السوفيتي دعمت الولايات المتحدة الشاه، محمد رضا بهلوي، الذي وضع إيران كملكية موالية للغرب في الشرق الأوسط
لكن في عام 1951، قام رئيس الوزراء الإيراني المنتخب، محمد مصدق، بتأميم صناعة النفط في إيران، متحديًا السيطرة الغربية على الموارد الإيرانية. بعد عامين، ساعدت وكالة الاستخبارات المركزية والاستخبارات البريطانية في دعم انقلاب ضد مصدق، وأعاد الانقلاب سلطة الشاه، لكنه خلق أيضًا شعورًا عميقًا بالظلم في المجتمع الإيراني ورأى العديد من الإيرانيين فيه تدخلاً أجنبيًا ضد الديمقراطية وأن المشاكل التي كانت في البلاد كانت بسبب تدخل الولايات المتحدة كانوا يرون الشاه كدمية للولايات المتحدة، وأصبحت هذه الذاكرة قوة دافعة للثورة الإسلامية بعد نحو ثلاثة عقود لم تؤكد الولايات المتحدة دورها في الانقلاب ضد رئيس وزراء إيران إلا بعد 60 عاما، في عام 2013.
الثورة وأزمة الرهائن
بحلول نهاية سبعينيات القرن العشرين، كان السخط على نظام الشاه يتزايد بشكل مستمر رأى كثيرون في هذا الجيل أن حكم الشاه حكم قمعي، واعتقدوا أن واشنطن لعبت دورًا حاسمًا في استمراره
في عام 1979، أنهت الاحتجاجات الجماهيرية حكم الشاه عاد الزعيم الديني آية الله روح الله الخميني من المنفى وأنشأ الجمهورية الإسلامية، متبنيًا أيديولوجيا واضحة معادية للغرب ومعادية للولايات المتحدة بالذات واليوم، لا يزال العديد من أفراد الجيل، الذي ساعد في تأسيس الجمهورية الإسلامية وسياساتها التصادمية تجاه الولايات المتحدة، يشغلون مناصب رفيعة في إيران ولا تزال القيادة الإيرانية الحالية تعتمد بشكل كبير على رموز وشعارات ثورة 1979 لتبرير سلطتها أحد الأعمدة الرئيسية لهذا النظام هو الحرس الثوري الإسلامي، وهو قوة عسكرية وسياسية أنشئت للدفاع عن الثورة وقمع المعارضة الداخلية، ويقوم بشكل روتيني بقمع الاحتجاجات ووسائل الإعلام والمجتمع المدني
في الولايات المتحدة، تهيمن ذاكرة مختلفة: أزمة الرهائن 1979-1981 في 4 نوفمبر 1979، وبالنسبة لكثير من الأمريكيين، كان الاستيلاء على السفارة هجومًا على بلادهم وإذلالًا بُث يوميًا على شاشات التلفزيون تم احتجاز الرهائن لمدة 444 يومًا وتم بث إطلاق سراحهم علنًا تلاه استقبال الأبطال وعرض في نيويورك، مما ترك أثرًا لا يزال يشكل الرأي العام وصنع السياسات حتى اليوم ، الأشخاص المحيطون بالرئيس الأمريكي والرئيس نفسه"، شكلوا آراءهم عن إيران كخصم متجذر بشكل كبير في أجيال معينة ولكن حتى خلال الحرب، ظل الشعور المعادي للولايات المتحدة بين الشباب محدودًا لأنهم "لن ينظروا إلى الخارج للعثور على عدو لديهم العدو بجانبهم في الداخل ازدادت العداوة أكثر مع تفجيرات ثكنات بيروت عام 1983، التي قتلت فيها ميليشيا حزب الله المدعومة من إيران أكثر من 200 من مشاة البحرية الأمريكية في لبنان.
مخاوف نووية ودبلوماسية فاشلة
بعد ثورة 1979، كان الشعور المعادي للولايات المتحدة في إيران قويًا. الإيرانيون الذين بلغوا سن الرشد في التسعينيات وبدايات الألفية شهدوا فترة تميزت بمحاولات الانفتاح السياسي ولكن في إيران، واجهت حركة الإصلاح مقاومة من المتشددين، وتلاشت آمال التغيير، وفي الولايات المتحدة،أصبح الخوف من تطوير إيران لسلاح نووي مصدر قلق مهيمن. في أوائل الألفية اشتبهت واشنطن في أن إيران تحاول بناء قنبلة نووية، بينما أصرت طهران على أن برنامجها مخصص للطاقة المدنية أدت هذه الشكوك إلى سنوات من العقوبات والضغط والتهديدات، مما خلق دورة من التصعيد شكلت السياسة على كلا الجانبين. أسفرت محاولات الدبلوماسية عن الاتفاق النووي لعام 2015 ، الذي حد من تخصيب إيران مقابل تخفيف العقوبات لكن منتقدين في الولايات المتحدة جادلوا بأن الاتفاق كان ضيقًا جدًا ومؤقتًا وعندما انسحبت إدارة ترامب منه في عام 2018، تعمق انعدام الثقة مرة أخرى
والضربات الجوية المشتركة من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران، التي قتلت المرشد الأعلى لإيران، علي خامنئي، شكلت بداية حرب 2026.
مصطلح «الأجيال»
تعتمد بعض الدراسات الاستراتيجية مصطلح «الأجيال» لتوصيف التطور الحاصل في الحروب وللتمييز بين أدوات هذه الحروب وإداراتها من جيل إلى آخر وبحسب الخبراء الجدد فإنّ معاهدة «صلح ويستفاليا» العام 1648، وبسبب ارتباطها بنشأة الدول القومية صاحبة السيادة، وامتلاكها القوة والأسلحة العسكرية واحتكارها، أسست لنشوء مفهوم الحروب الحديثة
يختلف المحلّلون الاستراتيجيون والعسكريون في تعريف أجيال الحروب أو حقباتها نظرًا إلى اختلاف المعايير العسكرية والتكتيكية، والمفاهيم النظرية التي يستخدمونها في التعريف أو التحليل مع ذلك، يمكن التمييز بين خمسة أو ستة أجيال
ويؤكد بعض المحلّلين أنّ معظم هذه الحروب كان يتزامن مع المعارك الحربية في الأجيال السابقة من الحروب، لكن ما يميّز الحروب الجديدة، هو أنّه يمكن تطبيقها، حتى في حالة عدم وجود صراعات عسكرية عنيفة معلنة بين الدول
تَميّز الجيل الأول من الحروب بالحشد الكبير للقوات والمواجهات المباشرة بين الجيوش في أرض معركة محدّدة، واستخدام البنادق والمدافع البدائية أمّا الجيل الثاني، فقد تميّز بالاعتماد الكبير على القوة النارية أكثر من الاعتماد على حشد أعداد كبيرة من الجنود، واستخدام أسلحة أكثر تطورًا ممثّلة في المدرعات الثقيلة والبنادق الآلية وغيرها، وذلك نتيجة للثورة الصناعية وما أتاحته من تطور في مجال الأسلحة وظهر الجيل الثالث من الحروب في الحرب العالمية الثانية (1939-1945) وتميز بالتطور الكبير للمدرعات والاعتماد الأكبر على القوات الجوية وسرعة الحركة والمفاجأة، والعمل خلف خطوط العدو، فضلًا عن الاعتماد بشكل أكبر على الخنادق؛ ولذا يُطلق عليها اسم الحروب الوقائية، أو الاستباقية، أو الخاطفة وبرغم التباين بين هذه الأجيال الثلاثة من الحروب، فإنّها تتفق في سمة مشتركة؛ وهي أنّها كانت بشكل أساسي حروبًا بين الجيوش النظامية.
الجيل الرابع من الحروب
أمّا الجيل الرابع من الحروب، فيقوم على ضرب العدو من الداخل، من خلال إثارة القلاقل، والتمرد، والتشجيع على الحروب الأهلية والطائفية والعرقية، بحيث يتحوّل المجتمع إلى أداة لتدمير نفسه، أو يغدو عدوًا لنفسه، بوعي أو بدون وعي، عبر دفع قواه إلى التصادم والتقاتل، أو العمل ضد أمن المجتمع واستقراره بذرائع ومبرّرات غير حقيقية ولعلّ المنطقة العربية تعيش هذا النوع من الحروب منذ عام 2011 في سياق ما عُرف بالربيع العربي.
وإضافة إلى هذه الأجيال الأربعة، نجد حروب الجيل الخامس التي تعتمد على خلق تناقضات بين السلطة والمجتمع في دولة ما، وذلك باستغلال الوسائل كافة، حيث “احتلال العقول لا الأرض”، وبعد احتلال العقول يتكفّل المحتل بالباقي، فهو يستخدم العـنـف غـيـر المـسلـّح، مـسـتـغلًّا جـمـاعـات عـقـائـديـة مـسـلـّحـة، وعـصـابـات الـتـهـريـب المنظمة، والتنظيمات الصغيرة المدرّبة، من أجل صنع حروب داخلية تتنوع ما بين اقتصادية وسياسية واجتماعية، بهدف استنزاف الدولة المستهدَفة، ووضعها في مواجهة صراعات داخلية، بالتوازي مع التهديدات الخارجية العنيف.
ويعتمد صانعو حروب الجيل الخامس على استخدام التقنيات الحديثة، التي تشمل القوة المسلحة، كالصواريخ المضادة للدروع، والعمليات الانتحارية، ونصب الكمائن، والأعمال الإرهابية، والقوة غير المسلحة، التي يكون فيها العدو فاعلًا من دون أن يَظهر بشكل مباشر كما تشمل هذه التقنيات الإرهاب الإلكتروني، والحرب السيبرانية، وإثارة الشعوب، وتحريكها وفق الأهداف السياسية لدول أخرى ويرى بعض الخبراء أنّ من بين التقنيات أيضًا استحداث حالة فوضى في مواقع الصراع بين أطراف محلية، تُتيح للدول الكبرى التدخل وتوجيهها لمصلحتها ووفق بعضهم، فإن ما يُسمى “الربيع العربي” هو أحد هذه التطبيقات كما يرى الخبراء أنّ إغراق المناطق المستهدفة بالمخدّرات هو أحد الأسلحة الفاعلة لحروب الجيل الخامس.
وتأتى حروب الجيل السادس لتدار عن بعد عبر استخدام الأسلحة الذكية لتأليب المجتمع عبر التجنيد الكامل لشبكات الإنترنت، ولهدم أركان الدولة وإفشالها، وتتنوع الوسائل الذكية لتشمل استخدام الطيور، والحيوانات كأدوات للتجسس، وإلحاق الأضرار عن بعد وضرب اقتصاد الشعوب، وإنشاء كوارث طبيعية من زلازل وأمطار وسيول، وهي التي تسمى “تكنولوجيا الكيمتيرل”؛ للتحكم في الطقس، وزرع السحاب بالفيروسات المسبّبة للأمراض، لتستهدف الجيوش والمدنيين، وتفتك بهم عن بعد.
جيل سادس من الحروب
وما حروب الجيل السادس إلا شكل من أشكال التطور الإنساني الكبير، وهي الأخطر على العالم من الحروب النووية وأسلحة الدمار الشامل، وهي لا تتطلّب ميزانية ضخمة لتطوير الأسلحة وتحسينها، كما لا تسبقها أي مؤشّرات؛ مما يصعّب كشفها والتنبؤ بها، وستعتمد في القضاء على الأنظمة السياسية على شعوب البلاد ذاتها؛ من خلال إشعال ثورات داخلية بالتضليل الإعلامي، والأخبار الزائفة.
إن هذه الحروب تركز على تهديد الأمن الإنساني، من خلال الحرب الاقتصادية، والسـيبرانيــة والمـعـلـومـاتيــة، والـحــرب الهجينة، وحروب أسلحة الدمار الشامل، وتشويه أهداف الدولة أو المجتمع؛ لإعطاء رؤية متلاعب بها مزيَّفة لأفراد المجتمع، أو لجمهور الدولة المستهدفة.
ولم تكن المنطقة العربية بمنأى عن كل أجيال الحروب المتلاحقة، بل ومع مرور الزمن، يزداد للأمام تركيز هذه الحروب على المنطقة أكثر من ذي قبل، ويبدو أن المنطقة العربية في مجملها تعيش حالة الجيل السادس، بل وتتغلف أرضها بكل أجيال الحروب الماضية، فهي حروب تهدف إلى استقطاب الشباب، وتخريب فكره وعقله، وهدم الأسرة، وهدم التعليم، وتشويه القدوة وإسقاطها.
-------------------------------------
تقرير يكتبه: إبراهيم الدسوقي






