15 - 07 - 2026

مصر في زمن التمزق: وعي استراتيجي أم رهان أوليجاركي؟

مصر في زمن التمزق: وعي استراتيجي أم رهان أوليجاركي؟

ليس ثمّة ما هو أكثر خداعاً من وهم "الانتقال" في زمن التمزق، فبينما يظن المرء أن العالم يسير في منحنى تاريخي من نظام إلى آخر، تكون الحقيقة أكثر قسوة؛ فنحن لسنا في لحظة انتقال، بل في قلب تمزق.. هكذا، وبجملة قاطعة كالسكين، دشن رئيس الوزراء الكندي مارك كارني خطابه في منتدى دافوس 2026، مضيفاً تحذيراً دبلوماسياً مشهوراً أوجع من سابقه: "إذا لم يكن لك مكان على طاولة المفاوضات، فاعلم أنك على قائمة الطعام"، ولم يكن كارني سوى صدى لوعي جماعي بدأ يتشكل في قمة الشتاء السويسرية (يناير 2026)، حيث اجتمع قادة العالم ليس كمهندسي نظام دولي مشترك، بل كلاعبين في حلبة مفتوحة، يحاول كل منهم تحديد موقعه تحت أنقاض منظومة لم تعد قادرة على احتواء تناقضاتها، ولم يعد بمقدورها إخفاء تشققاتها

هذا التمزق ليس نازلة عابرة، بل هو ما تصفه المراكز البحثية الكبرى "بالفوضى الانتقالية"؛ تلك المرحلة الهامشية المريعة بين موت نظام قديم وولادة نظام جديد لم تتضح ملامحه بعد، مرحلة تسقط فيها القواعد ولا تحل محلها قواعد أخرى، وتتلاشى فيها المرجعيات وتنهار الثوابت، لتحل محلها سيولة مرعبة من الصراعات المتقاطعة والتحالفات المتقلبة، حيث لا شيء مضموناً سوى أن كل شيء مرشح للسقوط

وفي محيط هذه الفوضى التي تغلي، تقف مصر، بموقعها الجيوبوليتيكي الفريد الذي لا يحتمل التردد، وكثقل إقليمي لا يمكن تجاهله حتى في أكثر لحظات العالم عمىً، وكأنها صخرة في وسط نهر عارم، أو نقطة ارتكاز في معادلة لا تكتمل إلا بها، ولكن السؤال الذي يفرض نفسه بقسوة اللحظة الراهنة: هل تدرك الدولة المصرية ــ بقيادتها ومؤسساتها ــ عمق هذا الخطر الوجودي الذي تختزنه الفوضى الانتقالية؟ أم أن ما يسمى "بالثورة المضادة"، بتركيزها على السلطة وتغليب مصالح القلة الحاكمة (الأوليجاركية) الضيقة، قد حجب عنها رؤية الهاوية التي تتسع تحت قدميها، وجعلها أسيرة لحظة آنية في مواجهة عصر بكامله ينخلع من مفاصله؟

فالمنظومة الليبرالية التي قامت على أنقاض الحرب العالمية الثانية، بتعددية مؤسساتها ومرجعياتها القانونية، تمر اليوم بانهيار بنيوي غير مسبوق، ليس مجرد اضطراب عابر كما يصفه مركز "المستقبل للدراسات"، بل زلزال عنيف يضرب أعمدتها حتى النخاع، وهذا الزلزال تجلّى بأوضح صوره في تحولات السياسة الخارجية الأمريكية في عهد الرئيس ترامب، حيث لم تكتفِ واشنطن بانتقاد تعددية الأطراف، بل شرعت في تفكيكها عملياً؛ من خلال استهداف المحكمة الجنائية الدولية، فرض عقوبات على قضاتها، والانسحاب الممنهج من الاتفاقيات البيئية والتجارية التي كانت تشكل عموداً فقرياً للمشروع العالمي الأميركي، وهذا ليس عزلة أمريكية، بل هو إعادة تعريف جذرية للهيمنة، تقوم على يقين مفاده أن تعددية الأطراف لم تعد أداة نافعة بقدر ما هي قيد يكبّل حركة الأقوى ويمنح منافسيه مزايا مجانية. 

ومن ثم، فإن الهدف المعلن هو إنزال العالم بكامله من منصة القواعد الجامعة إلى حلبة المصارعة المفتوحة، حيث لا صوت يعلو فوق صوت القوة الاقتصادية والعسكرية، وحيث تصبح الغلبة للعضلات لا للحجج، وهذا التحول الجذري يقودنا إلى التمييز الفلسفي الذي أشار إليه كارني بين الانتقال والتمزق، فليس الأمر مجرد فرق لغوي، بل فصل وجودي بين تصورين متعارضين للَّحظة التاريخية الراهنة؛ فالانتقال يفترض استمرارية ومساراً معلوماً، بينما التمزق هو قطيعة عنيفة، وانفجار مفاجئ لا يحمل في طياته أي وعد بالاستقرار، بل عنفاً محتملاً يتربص في كل زاوية

وقد وجد هذا التشخيص صدى عميقاً في خطابات قادة آخرين، ففي دافوس حذّر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون من أن تكاثر النزاعات التي تجاوز عددها ستين حرباً دائرة في العالم ليس مجرد فشل أمني عابر، بل دليل صارخ على ضعف القانون الدولي نفسه، وقال بعبارة باتت أيقونية: "عندما يُنتهك القانون مراراً وتكراراً دون عواقب، تحل القوة محل القواعد حتماً، وعالم بلا قانون قابل للإنفاذ ليس محايداً، بل هو منحاز بنيوياً لصالح الأقوى"، أما المستشار الألماني فريدريش ميرتس فكان أكثر صراحة في مؤتمر ميونيخ للأمن 2026، حيث أعلن أن هذا النظام العالمي، رغم كل قصوره، لم يعد موجوداً بالصيغة التي عرفناه بها، وكأننا أمام جثة نظام مازال البعض يتحدث عنها بلسان الأحياء

وتعود الأسباب العميقة لهذا الانهيار، كما يرى الخبراء، إلى عاملين متشابكين: الأول هو فقدان المصداقية الذي أصاب النظام نتيجة النفاق الممارس من قبل قواه الكبرى، فالنظام الذي كان يُباع على أنه قائم على قواعد عادلة وملزمة للجميع، كان في حقيقة الأمر نظاماً تمنح فيه القوى الكبرى نفسها استثناءات كلما شاءت، وتطبق القواعد بشكل غير متماثل على الضعفاء وحدهم، وهذه المفارقة البنيوية فتحت شهية الجنوب العالمي، ممثلاً بالصين والهند والبرازيل، للمطالبة بإعادة تشكيل المشهد الدولي، فلم يعد ممكناً الاحتفاظ بشرعية نظام يفضح نفسه بنفاقه كل يوم، وهذا الفقدان للمصداقية، مقترناً بتحول موازين القوة لصالح قوى جديدة صاعدة، خلق فراغاً هيكلياً رهيباً لم يملأه أي نظام بديل بعد، بل ترك العالم في حالة من "سيولة الأقطاب"، حيث لم يعد هناك قطب مهيمن بمفرده، ولم يتشكل بعد نظام متعدد الأقطاب مستقر، بل إن بعض المحللين يرون أن العالم مازال ثنائي القطب في بنيته العميقة، لكن هذا الثنائي نفسه يعيش تنافساً شرساً قد ينزلق في أي لحظة إلى مواجهة مباشرة لا تحمد عقباها.

وفي خضم هذا الانهيار العالمي، تبرز مصر كلاعب لا يمكن اختزاله في المعادلات الإقليمية الضيقة، فهي ليست مجرد دولة من دول المنطقة، بل أشبه بعقدة محورية في النظام العالمي المتطور، وكما تصفها بعض التحليلات الاستراتيجية، فإن مصر لا تحتاج إلى أن تهيمن عسكرياً بقدر ما تمتلك قدرة فريدة على ضبط التوازن في منطقة تعصف بها الفوضى، وملء الفراغ الذي يتركه تراجع النفوذ الروسي والإيراني، ومواجهة التحديات النيلية التي تطرحها إثيوبيا، لتصبح بذلك مركز الثقل الذي يحدد مسار التحولات الإقليمية في عام 2026، وكأنها البوصلة التي تتجه إليها الأنظار في زمن ضاعت فيه كل البوصلات، وهذه المكانة ليست وليدة صدفة تاريخية، فالموقع الجغرافي الفريد يعبر كجسر حي بين أفريقيا والعالم العربي والبحر المتوسط، ويسيطر على قناة السويس، ذلك الشريان الملاحي الأهم، الذي يجعل مصر نقطة التقاء استراتيجية بين ثلاث قارات، حيث تتقاطع مصالح الشرق والغرب وتتلاقح إرادات الشمال والجنوب

وإضافة إلى ذلك، فإن انضمام مصر إلى مجموعة بريكس+ وتطوير شراكتها مع الاتحاد الأوروبي يمثلان حجر الزاوية في استراتيجية التحوط التي تنتهجها القاهرة لتنويع بدائلها الاقتصادية، في لعبة شد حبل عالمية تزداد شراسة كل يوم، وهنا يبرز السؤال الأكثر إلحاحاً: هل السياسة الخارجية المصرية في 2026 هي مجرد محاولة لإدارة الفوضى، أم أنها تتواطأ معها وتستسلم لمنطقها؟

وتتبنى مصر مبدأً واضحاً وصارماً؛ هو عدم التورط في حالة الاستقطاب الدولي الحاد، والتمسك باستقلالية القرار المصري مهما تكن الضغوط، وهذه السياسة تعكس وعياً استراتيجياً بطبيعة الفوضى الانتقالية، ومحاولة جادة لبناء مساحة من المناورة بين القوى الكبرى المتنافسة، وكأنها تمشي على حبل مشدود بين عوالم متصارعة، وهذا النهج تجلى بوضوح في الموقف المصري من الحرب الإيرانية - الإسرائيلية - الأمريكية التي اندلعت في فبراير 2026، حيث انخرطت مصر في وساطة مكثفة لإنهاء الحرب، ليس بدافع التنافس على دور الوسيط الرئيسي، بل كجزء من استراتيجية طويلة الأمد لإدارة المخاطر وحماية مصالحها الاقتصادية والأمنية في منطقة تحولت إلى برميل بارود، والأكثر دلالة أن مصر شكلت جزءاً من رباعية إقليمية جديدة مع باكستان وتركيا والسعودية، تتشارك هذه الدول مخاوفها من الهيمنة الإسرائيلية المتصاعدة، وكأنها تحاول بناء جدار دفاعي مشترك في مواجهة تيار قوي يهدد باجتياح كل شيء، وفي الملف الفلسطيني، تواصل مصر دعم حل الدولتين وتعمل على تثبيت اتفاق غزة والانتقال إلى مرحلته الثانية، بجهود دبلوماسية متعددة المسارات تهدف إلى دفع خطة السلام نحو تسوية تاريخية قد تبدو بعيدة المنال في زمن تتسع فيه رقعة الحرب وتضيق فيه مساحة السلام

لكن هذه السياسة الخارجية الطموحة تواجه تحديات جسيمة، فمعهد "تشاتام هاوس" يحذر من أنها قد تظل قليلة جداً ومتأخرة جداً، في ظل التهديدات الأمنية المتراكمة على حدود مصر، واحتمال اضطرارها لاستيعاب سياسات إدارة ترامب في غزة التي لا تترك مساحة للرقص بين الأطراف، بل إن بعض المحللين يرون أن مصر، رغم نشاطها الدبلوماسي، تواجه صعوبة وجودية في التحول من سياسة إطفاء الحرائق إلى سياسة استباقية تبني نظاماً إقليمياً جديداً، وهذه الفجوة بين الإدراك الاستراتيجي للخطر والقدرة الفعلية على التعامل معه تظل الهاجس الأكبر، فكم من دولة أدركت الخطر قبل فوات الأوان لكنها افتقدت الأدوات اللازمة لمواجهته، وكأن المعركة ليست في الرؤية وحدها، بل في القوة على تحويل الرؤيةإلى فعل ملموس.

غير أن النشاط الدبلوماسي المصري في الخارج يصطدم بواقع داخلي يرسم صورة أكثر تعقيداً وإيلاماً، فبينما تحاول القاهرة إقناع العالم بأنها مركز ثقل في زمن الفوضى، يكشف المشهد الداخلي عن تناقض صارخ قد يقوض كل تلك الجهود، فبعد خمسة عشر عاماً على ثورة 25 يناير، يصف المعهد الألماني للتنمية والاستدامة ما حدث بأنه فشل ذو أبعاد ثلاثية: سياسي واقتصادي وأخلاقي، وكأن الأحلام التي حملتها الميادين تحولت إلى كابوس يعيد إنتاج ذات الأنماط الاستبدادية التي قامت الثورة لقلبها، فمنذ 2013، تحركت البلاد في اتجاه معاكس تماماً لوعود الثورة، حيث تركزت السلطة مرة أخرى في قبضةالسلطة التنفيذية، وتم تحييد الضوابط والتوازنات، وتعديل النصوص الدستورية مراراً لخدمة شاغلي المناصب وتطويل أعمارهم في الحكم

والأكثر إثارة للقلق أن التقرير الألماني يذهب إلى أن تمديد حكم الرئيس السيسي إلى ما بعد 2030 ليس انحرافاً طارئاً، بل هو النتيجة المنطقية لنظام يعتبر الحدود الدستورية مجرد إزعاجات مؤقتة يمكن تجاوزها، وكأن الدستور بات ورقاً لا يحميه سوى من يكتبه، وهذا التراجع الديمقراطي، الذي يصفه المراقبون الدوليون بأنه الأكثر دراماتيكية في المنطقة، له تكلفة بشرية فادحة مثل؛ وجود آلاف المعتقلين السياسيين، والاختفاء القسري، والاحتجاز لفترات طويلة قبل المحاكمة، والمحاكمات الجماعية، وكلها أدوات حكم لا تليق بدولة تطمح إلى لعب دور محوري في النظام العالمي الجديد، والأسوأ أن الوضع الراهن أصبح أسوأ مما كان عليه في عهد مبارك، في مفارقة مأساوية تجعل الثورة تبدو وكأنها لم تحدث، أو حدثت فقط لإنتاج نسخة أكثر صلابة من النظام القديم.

وفي موازاة هذا التراجع السياسي، يعاني الاقتصاد المصري من أزمة معيشية خانقة، فرغم تراجع التضخم من ذروته البالغة 38%، إلا أنه لايزال مرتفعاً بشكل ينذر بالخطر، ففي يونيو 2026 بلغ 14.3%، بينما يتوقع البنك المركزي أن يتراوح متوسط التضخم خلال العام بين 16% و17%، مما يعني أن المواطن العادي يواجه ارتفاعاً متواصلاً في الأسعار بينماتظل الأجور ثابتة أو متزايدة بوتيرة أبطأ بكثير، وتشير تقديرات البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية إلى تباطؤ النمو الاقتصادي من 5.1% في 2025 إلى 4.9% في 2026 و2027، مع استمرار الضغوط الهيكلية وتأثير التوترات الجيوبوليتيكية الإقليمية التي تلقي بظلالها على كل نشاط اقتصادي.

وفي هذا السياق، تشير تقارير "فريدوم هاوس" و"هيومن رايتس ووتش" إلى استمرار القمع وتقييد الحريات المدنية، وتصف مصر بأنها تعيش في إطار استبدادي تقبض فيه الحكومة بقبضة حديدية على المواطنين، وهذه الأوليحاركية، التي تركز السلطة وتقمع المعارضة، تبدو منشغلة بالحفاظ على بقائها أكثر من انشغالها بمواجهة التحدياتالوجودية التي تفرضها الفوضى الانتقالية، وكأنها تعيش في كوكب آخر لا يرى الهاوية التي تتسع تحت أقدام البلاد.

وعندما ننظر إلى الصورة من الخارج، نجد أن القوى الكبرى تنظر إلى مصر بعينين مختلفتين تماماً: عين ترى فيها شريكاً استراتيجياً لا غنى عنه في زمن الفوضى، وعين أخرى تراقب بتوجس تناقضاتها الداخلية، ففي سياق الحرب الإيرانية، لعبت مصر دوراً محورياً في التوسط، مما جعلها محط أنظار واشنطن وعواصم أوروبية، ولم يكن حضور الرئيس السيسي في قمة مجموعة السبع بإيفيان الفرنسية مجرد مناسبة بروتوكولية، بل اعترافاً ضمنياً بأن مصر باتت رقماً صعباً في معادلات الأمن الدولي، حيث أكد التزام بلاده بالتوصل إلى حلول سياسية مستدامة للأزمات الإقليمية، وهذا الحضور تجسد في شراكات استراتيجية ملموسة، حيث بلغت الشراكة مع فرنسا ذروتها في 2026 مع بناء قوة جوية وبحرية حديثة بتقنية فرنسية، وكأن باريس تراهن على القاهرة كحجر زاوية في استراتيجيتها المتوسطية والأفريقية، وفي الوقت ذاته تواصل مصر تنويع علاقاتها بحذر مع الحفاظ على قناة مفتوحة مع إدارة ترامب.

ولكن هذه المكانة الدولية تأتي مثقلة بانتقادات حقوقية متصاعدة، ففي يونيو 2026، وقّعت منظمات حقوقية إقليمية ودولية بياناً مشتركاً اتهمت فيه السلطات المصرية بمواصلة تجاهل سيادة القانون، كما يتجلى في الحرمان من الإجراءات القانونية الواجبة والمحاكمات غير العادلة، محذرة من أن هذا القمع يقوض سعي الاتحاد الأوروبي لتحقيق الاستقرار في مصر، وهذه المفارقة تضع مصر في موقف بالغ الصعوبة، فهي من جهة شريك استراتيجي لا غنى عنه في إدارة الأزمات الإقليمية، ومن جهة أخرى نظام يعاني من أزمة شرعية داخلية عميقة وانتقادات خارجية متصاعدة، وكأنها تعيش حالة من الانفصام بين هويتها الدولية التي تبنيها بعناية وبين واقعها الداخلي الذي يفضحها كل يوم.

وبعد هذا الغوص في طبقات المشهد المصري، يبرز السؤال الأكثر إيلاماً: هل تدرك مصر حقاً الخطر الأعظم المتمثل في الفوضى الانتقالية، أم أن القلة الحاكمة قد فقدت البوصلة؟، والإجابة ليست أحادية الجانب، بل هي معقدة كتعقيد اللحظة نفسها، تحمل تناقضاً صارخاً بين وعي استراتيجي متقدم وقصور داخلي مدمر، فمن ناحية، لا يمكن إنكار أن الدولة المصرية، بجهازها الدبلوماسي المخضرم ومؤسساتها الأمنية، تدرك طبيعة الفوضى الانتقالية، وهذه المعرفة تترجم إلى سياسات ملموسة: التحوط الاستراتيجي، والانخراط في مجموعات متعددة، والدور الوسيط في النزاعات، وكلها مؤشرات على وعي عميق بخطورة المرحلة ومحاولة لبناء مساحة من المناورة، وكما تصفه بعض التحليلات، تحاول مصر أن تكون مركز الثقل الذي يحدد مسار التحولات، لا مجرد ضحية تسحقها عجلات التاريخ، وكأن القاهرة تدرك أن في زمن الفوضى، من لا يصنع القواعد يصبح أسيراً لها، ومن لا يبني مكانه على طاولة المفاوضات يجد نفسه على قائمة الطعام

من ناحية أخرى، وكما يكشف المشهد الداخلي، فإن هذا الوعي الاستراتيجي يصطدم بجدار سميك من التناقضات الذاتية: الانشغال ببقاء حكم القلة، وقمع المعارضة، وتهميش الحريات، والإخفاق في بناء نموذج تنموي شامل، وكلها عوامل تتضافر لتقوض قدرة مصر على مواجهة الفوضى، فكيف لدولة أن تدير أزمة نظام عالمي وهي تعاني من أزمة شرعية داخلية تستنزف دمها؟ وكيف لقيادة أن تواجه تحولات جيوبوليتيكية كبرى وهي منشغلة بتأمين بقائها السياسي على حساب مستقبل شعبها؟ وكما لخصت ذلك بيانات المعارضة، "فإن الاقتصاد المصري يعاني من انعدام الثقة، واستعادة ثقة المستثمرين دون استعادة ثقة المواطنين أولاً هي مهمة مستحيلة". 

وفي زمن الفوضى الانتقالية، حيث تتغير موازين القوى كالسراب وتتفتت التحالفات كالزجاج، تظل الشرعية الداخلية هي الركيزة الأكثر صلابة لأي دولة تسعى إلى لعب دور مؤثر على الساحة الدولية، فالشرعية ليست ترفاً ديمقراطياً يمكن تأجيله، بل هي وقود المعركة في زمن الفوضى، وهي الضمانة الوحيدة أن يكون للدولة ظهر يحميها عندما تتقلب الرياح.

وفي ختام هذه الرحلة الاستكشافية في متاهات الفوضى الانتقالية، نقف على حافة الهاوية لنسجل الحقيقة الأكثر إيلاماً: العالم في 2026 ليس متعدد الأقطاب، بل هو في حالة انتقال فوضوي من نظام قديم يحتضر إلى نظام جديد لم يتشكل بعد، وهذه الفوضى، بتلك السيولة المرعبة التي تطمس كل الحدود وتفكك كل الثوابت، هي الخطر الأعظم، ليست لأنها تحمل العنف المباشر فحسب، بل لأنها تخلق فراغاً هائلاً تملأه القوى العظمى بصراعاتها، وتضيع فيه الأمم الصغرى بين عوالم متصارعة لا تمانع في سحق أي شيء يقف في طريقها

ومصر، بموقعها الاستراتيجي وثقلها التاريخي الذي يمتد لأكثر من سبعة آلاف عام، تملك من الإمكانات ما يؤهلها لأن تكون لاعباً فاعلاً في تشكيل ملامح النظام الجديد، لا لأنها الأقوى عسكرياً أو الأغنى اقتصادياً، بل لأنها تمتلك من الذاكرة التاريخية والعمق الجيوبوليتيكي ما يجعلها قادرة على رؤية البعيد حين يعمى الآخرون، وكما كانت على مر العصور ملتقى الحضارات، فإن لديها اليوم فرصة تاريخية نادرة لتكون مهندسة النظام الإقليمي الجديد، لكن تحقيق هذه الفرصة يتطلب أكثر من مجرد سياسة خارجية نشطة، يتطلب جراحة عميقة في البنية الداخلية، وإعادة بناء الدولة على أسس من العدالة الاجتماعية التي تلملم جراح الملايين، واحترام الحقوق التي تمنح المواطن كرامته، والحوكمة الرشيدة التي تجعل المؤسسات أقوى من الأفراد، لأن التاريخ يعلمنا أن الإمبراطوريات لا تسقط من الخارج إلا حين تتعفن من الداخل، وأن الأمم لا تهزم بقوة أعدائها بقدر ما تهزمبفشلها في بناء نفسها

أما إذا استمرت القلة الحاكمة في انشغالها الأعمى بمصالحها الضيقة، وتجاهلها لمعاناة شعب يتضور جوعاً تحت وطأة التضخم، فإن مصر تخاطر بأن تصبح، في النظام العالمي الجديد، مجرد أداة في أيدي القوى الكبرى، وليست فاعلاً مستقلاً يصنع مستقبله بيديه، ففي زمن الفوضى لا مكان للمترددين، ولا رحمة للضعفاء، وكما حذر ماكرون، فإن عالماً بلا قانون قابل للإنفاذ ليس محايداً، بل هو منحاز بنيوياً لصالح الأقوى، وفي هذا العالم، إما أن تكون جزءاً من صناعة المستقبل، أو تكون جزءاً من المواد الخام التي يبني بها الآخرون مستقبلهم

والسؤال الذي يبقى معلقاً كسيف دمشقي فوق رقبة المصير المصري: هل ستكون مصر في صف الأقوياء الذين يصنعون القواعد في زمن الفوضى، أم ستظل رهينة للقلة الحاكمة لا ترى أبعد من بقائها؟ وفي كل لحظة تمر، يكتب التاريخ صفحته الجديدة، فإما أن تكتب مصر اسمها بأحرف من نور في سجلات الأمم البانية، أو تظل أسيرة لوهم القوة الزائل، والفوضى لا تنتظر، والنظام الجديد لا يأتي بالمناداة، بل يأتي بمن يبني أسسه بعرق الجبين وبصيرة العقلاء، ويأتي بمن يدرك أن المجد لا يمنح، بل يُنتزع من رحم المعاناة، وأن المستقبل لا يُورث، بل يُبنى بحجارة الصبر وملاط العدالة، فهل آن الأوان لمصر أن تستيقظ من غفلتها، أم ستظل تنتظر حتى يكتب التاريخ نهايتها كما كتب نهايات كثيرين قبلها؟
----------------------------------------------
بقلم: د. أحمد حمدي درويش

مقالات اخرى للكاتب

مصر في زمن التمزق: وعي استراتيجي أم رهان أوليجاركي؟