ناقش البرلمان المصري مشروع قانون يهدف إلى إنشاء صندوق جديد للاستثمار من داخل جهاز مستقبل مصر، وهو خبر لا يعتبر من الأخبار الاقتصادية العابرة. فقد يُفهم منه أنه خطوة لجذب الاستثمارات وتعظيم الفائدة من أصول الدولة، إلا أن القراءة المتأنية تكشف أن الخبر لا يتعلق بالصندوق في حد ذاته، فيعكس الخبر تحولًا أوسع في الطريقة التي يُدار بها المال العام في مصر.
فعلى مدار السنوات الأخيرة، توسع الشكل الاقتصادي ليتجاوز الوزارات والهيئات العامة والشركات التي تملكها الدولة، وظهرت إلى جانب ذلك شبكات من الأجهزة والصناديق تتولى إدارة أصول ضخمة، وتعمل على تأسيس شركات تباشر من خلالها الاستثمارات، فضلًا عن حريتها الكبيرة واستقلالها الواسع ماليًا وإداريًا. الأمر الذي يتبادر إلى الأذهان معه طرح سؤال حول عدد هذه الصناديق، وهل وجودها يعتبر تغييرًا في الشكل الاقتصادي للدولة؟
فمن المعروف أن الدولة الحديثة قامت على مبدأ بسيط وفي غاية الأهمية، وهو وحدة المال العام، والذي يستلزم لإدارته وحدة الموازنة العامة. والأخيرة ليست مجرد ورقة مدرج بها الإيرادات والنفقات، فهي تعد الأداة التي بمقتضاها يستطيع المجتمع رقابة السلطة التنفيذية ومحاسبتها عبر ممثلين منتخبين في انتخابات حرة ونزيهة، ويحق لهؤلاء الممثلين المنتخبين سؤال السلطة التنفيذية عن كيفية تحصيل الأموال وإنفاقها. ولذا لم يكن مستغربًا ارتباط فكرة الموازنة بمبدأ المساءلة السياسية، وليس فقط الإدارة المالية.
وما نشهده اليوم مختلف تمامًا عن كل الصيغ المتعارف عليها، ويشير إلى اتجاه مختلف. فبجانب الموازنة العامة تتزايد الكيانات التي تدير الأصول والموارد، وتعمل على استثمارها عبر تأسيس الشركات. وليس بالضرورة أن يكون ذلك مخالفًا للقانون، ولكنه يعني أن إدارة جزء كبير من الثروة العامة المملوكة للشعب تتم عبر أطر ومؤسسات تختلف طبيعتها عن الوزارات التقليدية، مما يطرح سؤال الشفافية وحدود الرقابة، وتحديد المسؤولية السياسية عن قرارات تلك المؤسسات.
قد يطرح البعض خلطًا بين توسع الدولة في النشاط الاقتصادي وبين ظاهرة الصناديق السيادية، وهو خلط يجب تجنبه. فالملكية العامة ليست مشكلة في ذاتها، واعتُبرت في مراحل تاريخية كثيرة واحدة من الأدوات والروافع لمشروعات التنمية في دول عديدة، وتشهد التجربة الصينية على ذلك، والتي تؤكد أن توسع الدولة في النشاطات الاقتصادية بإنشاء كيانات استثمارية يمكن أن يكون جزءًا من مشروع تنموي يرتبط بسياسات صناعية وأهداف استراتيجية.
إلا أن المسألة في مصر تبدو مختلفة تمامًا، فالسؤال الذي يطرح نفسه لا يمتد إلى امتلاك الدولة للصناديق والشركات، إنما في الكيفية التي تُدار بها هذه الملكية، وأولوياتها، ووسائل الرقابة والمحاسبة، وكيف ترتبط بالموازنة العامة ووحدتها، وبمجمل السياسات الاقتصادية الكلية.
وتصير أهمية هذه الأسئلة أكثر فأكثر، بالنظر إلى ظاهرة الصناديق السيادية باعتبارها تحولًا مؤسسيًا، لا مجرد إجراءات إدارية. فانتقال أجزاء متزايدة من المال العام إلى مؤسسات وكيانات تمتلك كل منها لوائح وآليات للعمل، يدفع إلى فهم أن ما يحدث ليس بغرض تنظيم الاستثمار، إنما إلى إعادة توزيع مراكز القوة الاقتصادية داخل الدولة، والذي ربما يعد تكثيفًا لمراكز القوى السياسية.
من هنا يمكن النظر إلى هذه الظاهرة باعتبارها واحدة من صور ما يمكن تسميته بـ"التحديث العكسي". فيبدو للوهلة الأولى أننا بصدد أدوات حديثة، كالصناديق والشراكات المالية، لكن في المقابل هناك تراجع وتقزيم للمبادئ التي قامت عليها الدولة الحديثة، وفي مقدمتها وحدة المال العام، ووحدة الموازنة، ووضوح المسؤولية السياسية، وتحديد المسؤول عن إدارة الموارد العامة.
بالطبع لا يمكن إصدار أحكام نهائية عن هذه المؤسسات، وتجاوز ما قد تحققه من سرعة في التنفيذ وكفاءة في إدارة بعض المشروعات. فتقييم هذه الصناديق لا يجب أن يكون قاصرًا فقط على الربحية وحجم الاستثمارات داخلها، ففي الأساس هي ليست ملكية خاصة، إنما مال عام، يظهر فيه السؤال السياسي الخاص بالكيفية التي تؤثر بها هذه التحولات في طبيعة الدولة نفسها.
فالدولة ليست مجموعة من المشروعات الاقتصادية، بل هي منظومة للمساءلة، وتوزيع الاختصاصات، وإدارة المال العام، ومحاسبة المخطئ، وتحميل السياسيين المسؤولية عن خطأ إدارة المال العام. ومع تكاثر هذه الأدوات الجديدة، فيجب التنبه إلى أن ذلك قد يؤدي إلى إعادة تشكيل الدولة برمتها التي تتكون أمامنا.
إن الصناديق السيادية أو الاستثمارية التي تقوم الدولة بإنشائها تحمل في داخلها مؤشرًا على تغيير في الدولة المصرية يتجاوز المسألة الاقتصادية، حيث لا يُدار المال العام عبر الموازنة وحدها، فهناك كذلك شبكات متنامية من الأجهزة والصناديق السيادية والاستثمارية، مما يطرح سؤالًا حول: هل نحن بصدد تطوير أدوات الدولة، أم إعادة تعريف الدولة ووظائفها الاقتصادية والسياسية أصلًا؟
فالمسألة ليست اقتصادية فقط، بل تتعلق بفكرة الجمهورية ومضامينها التاريخية. فلا يتعلق الأمر بإنشاء صندوق سيادي أو استثماري، فهناك الكثير من الدول الديمقراطية لديها صناديق سيادية نجحت في إدارتها وتعظيم الفائدة منها، ولكن المسألة تتعلق بخضوع الصندوق لرقابة ممثلي الشعب، وهل جاء هؤلاء الممثلون بناءً على اختيار حر ونزيه من الشعب، أم بناءً على توازنات القوى داخل الأجهزة السيادية؟ وكيف سيتم مساءلة القائمين على إدارة الصناديق السيادية؟ وما هو مدى الشفافية المطلوب لإيضاح ما إذا كانت الأصول تُدار باعتبارها مالًا عامًا، أم باعتبارها أصولًا تُدار في دائرة مغلقة؟ فكلما ضعفت هذه النقاط، صرنا أكثر بعدًا عن المضمون الجمهوري، لأن المال العام وإدارته صار أقل اتصالًا بالمجال العام، وأكثر اتصالًا بما يمكن تسميته بالمجال السيادي، والبعيد كل البعد عن المناقشة والرقابة والمحاسبة، وبالشكل الذي قد يطرح تعريفات جديدة عن معنى الملكية العامة.
أتصور أن هذا السؤال هو ما يستحق أن يكون محورًا للمناقشة في المرحلة المقبلة، لكونه لا يتعلق بالإدارة الاقتصادية فحسب، إنما ينسحب على مستقبل العلاقة بين الاقتصاد والسياسة، وبين السلطة وإدارة المال العام، والذي هو بالأساس ملك للشعب، الشعب الذي هو صاحب الجمهورية في الأساس.
--------------------------------
بقلم: محمد الخولي






