15 - 07 - 2026

استدعاء الماضي في رواية الكلاَّف لأبي المجد البحيري

استدعاء الماضي في رواية الكلاَّف لأبي المجد البحيري

 ينبثق الحاضر من الماضي في أغلب الدول المعاصرة، إلا أنّ هناك تطورات يشهدها العالم، هذه التطورات تعتمد على التراكم والمنجز البشري، الذي يعتمد على العقول الخلاقة، وفي المشهد الروائي المعاصر نجد الكثيرين من الروائيين المصريين يستدعون الماضي البعيد والقريب؛ ربما هروباً من الحاضر أو مقاومة له، ففي رواية ملحمة المطاريد استدعى عمار علي حسن خمسة قرون من تاريخ القرية المصرية التي صمدت في وجه التغيرات، واستطاعت الاستمرار في معترك الحياة، وفي رواية الكلاَّف لأبي المجد البحيري يستدعي فترة ما بعد ثورة يوليو مباشرة للحديث عن التغيرات العميقة التي أحدثتها تلك الثورة وخاصة فيما يتعلق بإعادة توزيع الأراضي الزراعية في الريف المصري. (يمكن وضع رواية الكلاّف على نفس الخط الزمني لملحمة المطاريد)

  ففي ملحمة المطاريد (الصادرة عن الدار المصرية اللبنانية عام 2025م) لا تتغير القرية إلا تغيراً خفيفاً بفعل قوى خارجية، لكن الإطار العام الداخلي لبنية العلاقات داخل القرية يظل كما هو صراع قائم بين عائلتي الصوابر والجوابر، أما في رواية الكلّاف (الصادرة عن مؤسسة حورس الدولية 2026م) فإنها تتحدث عن تغيير عميق في بنية العلاقات داخل القرية ذاتها، وتغيير جذري وشامل لبنية التراتب الطبقي، الناجم عن إعادة توزيع الأراضي على الفلاحين، وخاصة المُعدمين، حيث وزَّعت الثورة على كل فلاح خمسة فدادين، حولته من مجرد فلاح مُعدم إلى صاحب أرض وصار من المُلاك.

  زناتي أبو شوشة الشخصية الرئيسة في رواية الكلاف كان يعمل كلَّافاً لدى العمدة رزيقة أبو سليمان عمدة كفر أبو سليمان في المنصورة، يقول الكاتب:" زناتي أبو شوشة المعدم الذي كان يعمل كلَّافاً بحظيرة ماشيته، جُل عمله في رفع الروث وإطعامهم وسقايتهم.

 وبعدما منحته الثورة خمسة أفدنة ضمن الأرض التي قام الإصلاح الزراعي بتوزيعها على العمال الزراعيين، استقل بها عن خدمته لدى العمدة، وأصبح من ضمن مزارعي القرية الذين أصبحوا ذوي أملاك، بعدما كانوا يعملون بالأجر في أرض العمدة وأغنياء الكفر."(الرواية، صـ10) 

تخبرنا هذه الفقرة عن تحول عميق في الحياة، فمن الأجير والكلاَّف إلى صاحب أرض، وتتساوى الرءوس في القرية، ولكن هذا يُحدث صراعاً عنيفاً، فالأرض لم تُكسب الفلاح قيمة مالية فحسب، بل أكسبته كرامة وعفة وأنفة، وهي كانت فرصة اقتصادية حقيقية لإثبات الذات، ثم تمضي الرواية في دراميتها ونعرف أن العمدة نفسه كان قد تزوج أم زناتي عرفياً، وأن زناتي ابنه، فلما تُوفي العمدة أثبت زناتي ذلك في المحكمة بعد صراع مع زوجة العمدة، فورث زناتي عشرة أفدنة من العمدة، لكن الإصلاح الزراعي سحب الخمسة أفدنة منه، واجتهد زناتي في تجارة منتجات الألبان بين القرية والبندر، ما مكَّنه من تكوين ثروة طائلة استطاع من خلالها تشييد سرايا في القرية واحتضان إخوته من العمدة عقب مقتل والدتهما وجدهما لأمهما، وصارت له تجارة وأصبح رأسمالياً واسع الثراء وعضواً بمجلس الأمة، لكنه تخلَّق بأخلاق أخرى غير التي كابدها قبل قيام ثورة يوليو، يقول الكاتب:" احتضن أبناء الفلاحين وقام بتوظيفهم في تجارته، استخدم العمال في زراعته وأجزل لهم العطاء، عمَّ الخير في كفر أبو سليمان ليتحدث عنه القاصي والداني."( الرواية، صـ 207)

  فالإنسان المصري في أصله مرتبط بالأرض وابنها الوفي، يعرف قيمتها ويغترف من خيرها، فحينما يجد له مكاناً حقيقياً فيها، تنبثق في نفسه الكرامة التي تعني الإنسانية، وهذا ما فعلته الثورة في الكثيرين من أبناء الشعب المصري، وتحول الخادم في حظيرة الماشية إلى رجل أعمال بالتعبير المعاصر، لكنه يعطف على ذوي الحاجات، ويجزل لهم العطاء لقاء كدهم وعرقهم.( أي يتحول من مجرد خادم إلى عقلية خلاَّقة)

  فلماذا يستدعي الروائي المعاصر هذه الأحداث البعيدة؟

  حين نعقد مقارنة يسيرة بين عمار علي حسن وأبي المجد البحيري، نجد الأول ابن الصعيد، ابن محافظة المنيا، عاش فيها طفولته وشبابه، واستمع في طفولته إلى حكايات الجدات والأجداد عن تاريخ القرية وصراعاتها ومكابدة الفلاح للعيش، بل قد طال الكاتبُ بعضاً من هذه المكابدات، لذا اختزن هذا كله داخله وأفرغه في تلك الملحمة.

  أما أبو المجد البحيري، فقد كان ضابطاً في وزارة الداخلية، ووُلِدَ في محافظة كفر الشيخ، وقد اختزن في طفولته ما رآه وسمعه عما كان يفعله أصحاب الوسايا الواسعة والأملاك الشاسعة من تعنت وتزمت وتجبر على الفقراء والفلاحين المعدمين، ووصل الأمر ببعضهم أن كان يُعاقب مَنْ يخرج عن أوامره الصارمة بأن يربطه بجوار الماشية ويأمره أن يتناول مما تأكله الماشية، وكان الفلاح يرضخ لهذه العقوبات وينفذها أو يجد ما هو أشد وأنكى. فكلا الكاتبين قد ذاقا من الكأس نفسه عن طريق الحكي أو المكابدة الشخصية بطريق أو بآخر.

  إنَّ الإصلاح الزراعي لم يهب الفلاح أرضاً، بل وهبه قيمةً ومكانةً، وقد رصدَ البحيري في روايته تغيرات عميقة في بنية المجتمع، ووجدنا زناتي حين وجد الفرصة المناسبة يصبح رجل أعمال وصاحب تجارة واسعة وأملاك كبيرة، يتفوق على أبناء الثراء القديم في القرية، بل يعطف عليهم ويحتويهم، فالناس قبل الثورة كانوا:" يخافون من ذوي السلطان والنفوذ، قناعتهم أنهم ليس لهم من حقوق سوى ما يتفضل به الأغنياء والسادة، طموحات أبنائهم يقتلها حِرص الوالدين على أن لا ينظر ابنهم لمن هو أعلى، فمن بالأعلى من طينة ونحن من طينة أخرى، وكأنَّ الله قد خلق الفقراء من مادة غير التي خلق منها الأغنياء وذوي النفوذ!."(الرواية، صـ196)

   ولكن بعد الثورة أصبح هناك قانون جديد فلا نفوذ لأحد على أحد، يقول الكاتب:" لا يصح بعد قيام الثورة أن يكون لمثل هؤلاء نفوذ، وإنما هم مواطنون عاديون يسري عليهم القانون كما يسري على البسطاء، وأنه لابد للثورة أن تضرب بيد من حديد على كل مَنْ تسول له نفسه محاولة استرجاع الماضي أو التدثُّر بعباءته."( الرواية، صـ 197)

 فهل كانت هذه الإبداعات المعاصرة عن استدعاء هذا الماضي سواء البعيد في ملحمة المطاريد( 1419-1919م) أو القريب في الكلّاف (عقب ثورة يوليو) هروباً من الواقع المعاصر، أم رغبة في استنهاض واستحداث ثورة جديدة على الأوضاع التي تأسست وتنكرت لكل نجاح حققه الفلاح بفعل الثورات السابقة؟

  إن الإجابة عن هذا السؤال العريض لا تتمخض عن قراءة الروايات وإنما عن استنطاقها، وستخبرنا الروايات أن التغيير طالما لم يأت من داخل الإنسان المصري فإنه لو حظي بكثير من المزايا بفعل تغيرات سياسية كبرى، فلن تدم له هذه المميزات طويلاً، ويعود كل شيء لسابق عهده في صور جديدة، حين يصبح الإنسان المصري مجرد متسوق لمنتجات لم ينتجها، وتصبح البلاد مجرد مول كبير لمنتجات مستوردة ويحيا المواطن المعاصر في موجات غلاء تعصره وتعيده مرة أخرى للعمل كلاَّفاً، لكن ليس في حظيرة العمدة، بل في مول الغرب كثير المنتجات التقنية المعاصرة، فنعود لحكايات قديمة تخبرنا أن دوام الحال محال، وأنه لابد من تغيير عميق وشامل قادم، وهذا دور الأديب المبدع، أن يخبرنا أن التغيير قادم وشامل، ويجدد فينا الأمل، ويعطينا ثقة في النفس وطاقة لمواجهة الغد.
---------------------
بقلم: د. علاء الدين سعد جاويش