يمر الاقتصاد الصهيوني اليوم بواحدة من أدق وأخطر أزماته الهيكلية؛ فتراجع التصنيف الائتماني المتتالي، والنزيف المستمر في موازنة الحرب، وهروب رؤوس الأموال والاستثمارات الأجنبية، كلها عوامل وضعت منظومة الاحتلال أمام حتمية البحث عن "ممرات تبريد" وجسور تمويل طارئة.
لكن المفارقة الجيوسياسية الأكثر مرارة في هذا المشهد، هي أن رئة هذا الاقتصاد المأزوم باتت تتغذى قسراً أو طوعاً على شرايين المال الإسلامي والعربي، في مشهد يصنع ذروة الكوميديا السوداء لواقعنا المعاصر، حيث يُراد للضحية أن تمنح جلادها طوق النجاة.
بين نموذج "التمويل القسري" الذي يعيشه المسلم في الغرب، ونموذج "الاستدراج الطوعي" الذي يُراد للمسلم في الشرق السقوط في فخه، تتكشف هندسة خبيثة لإخضاع الوعي، وتأميم المقاومة المالية، وتسييل المواقف المبدئية لصالح براغماتية اقتصادية مشبوهة.
لقد فككنا سابقاً معضلة المسلم في المجتمعات الغربية، وتحديداً في الولايات المتحدة، حيث يعيش فاجعة أخلاقية يومية يجد فيها نفسه مكبلاً بين مطرقة القانون وسندان العقيدة.
يدفع ضريبته مجبراً بقوة الدولة وتأثير أدواتها الرقابية، ليرى عائداتها تتحول في اليوم التالي إلى قذائف وصواريخ تفتك بأهله في غزة والضفة. إنها "الطعنة الصامتة" التي يدمى لها جبين الإنسانية، حيث تُنتزع أموال الشرفاء انتزاعاً بقوة القانون والمواطنة لتصب في مصلحة آلة الحرب الإسرائيلية.
لكن المخطط الشيطاني لم يقف عند حدود التمويل القسري المفروض بالدستور والقانون؛ بل انتقل إلى الضفة الأخرى من العالم عبر ما يُسمى اليوم بـ "ائتلاف الرابطة المتينة" وأخواته من الشبكات والمنظمات التطبيعية.
هنا، لا توجد قوانين ضريبية صارمة، ولا مصلحة عائدات داخلية تُهدد الممتنع بالسجن؛ بل يوجد "التدليس الدعوي" و"الهندسة النفسية" الرخيصة.
هنا يُطلب من المسلم العربي والشرقي أن يقدم ماله طواعية، مغلفاً بشعارات "الحوار، والتعايش، والسلام الاقتصادي المشترك"، لدعم منظمات صهيونية والاستثمار المباشر في السندات الحكومية الإسرائيلية.
إن مقاربة السندات الحكومية بعباءة "فقهية" أو شعائرية تمثل ذروة السقوط الأخلاقي والتبعية لآلة البروباغاندا الصهيونية. فالشبه بين الضرائب الغربية المنتزعة قسراً والسندات المروجة شرقاً طوعاً، يكمن في أنهما يصبان في مصب واحد: توفير السيولة النقدية المباشرة للخزانة الإسرائيلية المنهكة، مما يعني إطالة أمد الحرب والتهويد.
لكن التناقض الصارخ والمؤلم يتجلى في الوقت الذي يخوض فيه الشرفاء في أمريكا والغرب معارك قانونية وحقوقية شرسة لفك الارتباط بين ضرائبهم والجرائم الإسرائيلية، تخرج فيه منصات ناعمة في عالمنا العربي والإسلامي لتدعو الجماهير للهرولة نحو شراء السندات الإسرائيلية باسم "الاستثمار وتجاوز الأحقاد"!
إن تمدد هذه الشبكات التمويلية الناعمة يضع القضية الفلسطينية أمام ميزان حساس من التداعيات والمخاطر. ففي كفة السلبيات، يسعى هذا التطبيع المالي إلى تجريد الصراع من بعده العقدي والأخلاقي، ومحاولة تحييد سلاح المقاطعة الاقتصادية الفعال الذي يؤرق الاحتلال، وتصويره كحركة "راديكالية معطلة للازدهار الإقليمي". لكن في كفة الإيجابيات غير المقصودة، فإن هذا الاندفاع الفج واللجوء لحيل رخيصة مثل تدليس المسميات واستعارة العباءة الإسلامية، يثبت بما لا يدع مجالاً للشك إفلاس الاحتلال الأخلاقي وسقوط أقنعته؛ فقد أدركت منظومته أن القوة العسكرية الغاشمة لم ولن تمنحها الشرعية، فجاءت تبحث عنها في جيوب وعقول المسلمين، وهي مناورة مكشوفة تعيد بحد ذاتها تنشيط الوعي الجمعي العربي والإسلامي وتكامل جبهاته.
لم يعد الصراع على أرض فلسطين صراعاً عسكرياً أو دبلوماسياً في أروقة الأمم المتحدة فحسب؛ بل هو صراع مالي ومعرفي بامتياز. وإذا كان المسلم في أمريكا مجبراً بحكم المواطنة على تقديم "الطعنة الصامتة"، فإن المسلم في بقية بقاع الأرض لا عذر له إن قدم "الطعنة الباسمة" بمحض إرادته. إن مواجهة ائتلافات التدليس تبدأ من فك الارتباط المعرفي أولاً، وإدراك أن الدولار والدرهم والدينار في هذه المعركة ليسوا مجرد عملات تبادل، بل هم إما رصاصة في صدر الطغيان، أو أكسجين في رئة الاحتلال.
و سيبقى التذكير الأكثر قسوة بأن مواطنة المسلم في أمريكا تُكتب أحياناً بدم أهله في فلسطين.
"لا أحد حر حتى يتحرر"
"حرر نفسك"
"حرر عقلك"
----------------------------------
بقلم: حاتم نظمي






