13 - 07 - 2026

عندما يتحول تشفير المباريات إلى احتكار للذاكرة الرياضية (3-3)

عندما يتحول تشفير المباريات إلى احتكار للذاكرة الرياضية (3-3)

من يظن أن كرة القدم مجرد لعبة تُلعب داخل المستطيل الأخضر، ربما لم يشاهد يومًا كيف يمكن لمباراة واحدة أن تجمع ملايين الأشخاص حول شعور واحد، أو كيف يتحول هدف في الدقيقة الأخيرة إلى ذكرى تعيش في وجدان شعب لعقود. فالرياضة، وفي مقدمتها كرة القدم، لم تعد مجرد منافسة على بطولة أو كأس، بل أصبحت إحدى أهم أدوات القوة الناعمة التي تمتلكها الدول في العصر الحديث.

القوة الناعمة لا تُبنى فقط بالسينما أو الموسيقى أو الأدب، وإنما أيضًا بالإنجازات الرياضية التي تصنع صورة الدولة في الخارج، وتعزز مشاعر الانتماء في الداخل. وعندما يحقق منتخب وطني إنجازًا كبيرًا، فإن أثره لا يتوقف عند حدود الملعب، بل يمتد إلى المجتمع كله، ويمنح الناس مساحة مشتركة للاحتفال والفخر، مهما اختلفت آراؤهم أو انتماءاتهم.

ولذلك فإن مباريات المنتخبات الوطنية ليست مجرد محتوى ترفيهي أو منتج إعلامي، بل هي جزء من الذاكرة الوطنية. إنها لحظات تُدرّس للأجيال، وتُروى في البيوت، وتُستعاد كلما أراد الناس أن يتذكروا محطات الفرح أو التحدي أو الإنجاز.

لكن ماذا يحدث عندما تصبح هذه الذاكرة محجوبة؟ عندما يجد شاب لم يعش بطولة تاريخية لمنتخب بلاده صعوبة في مشاهدة أهدافها أو لقطاتها، أو عندما تعجز المؤسسات الإعلامية عن إنتاج أفلام وثائقية متكاملة لأنها لا تمتلك حق استخدام الأرشيف؟ هنا لا تكون المشكلة مجرد قضية حقوق بث، بل تصبح قضية تتعلق بالحفاظ على التاريخ الرياضي وإتاحته للأجيال.

لقد شاهدنا جميعًا كيف تستطيع مباراة واحدة أن تُعيد الاهتمام بالمنتخب الوطني، وأن تُقرّب بين الشعوب عبر المنافسة الشريفة، وأن تخلق حالة من الحوار الإيجابي تتجاوز السياسة والاقتصاد. الرياضة كثيرًا ما تفتح نوافذ للتواصل الإنساني، وتمنح الدول فرصة لتقديم نفسها بصورة إيجابية أمام العالم. ولهذا توصف بأنها إحدى أدوات الدبلوماسية الشعبية، وليست مجرد نشاط ترفيهي.

وفي الداخل، تؤدي كرة القدم دورًا لا يقل أهمية. فهي تمنح الشباب نماذج للنجاح، وتخلق حالة من الانتماء، وتجمع الأسر حول حدث واحد، وتُعيد إحياء قصص الأبطال الذين صنعوا تاريخ اللعبة. وكل هذا يعتمد على وجود أرشيف متاح يمكن الرجوع إليه، لا أرشيف مغلق لا يراه إلا من يملك حق الوصول إليه.

من هنا، يصبح من المشروع أن نطالب بإعادة التفكير في العلاقة بين حقوق البث وحقوق الأرشفة. فالشركات التي تستثمر في النقل المباشر تستحق الحماية، لكن من حق الاتحادات الوطنية أيضًا أن تمتلك، بعد فترة زمنية معقولة، حرية استخدام مباريات منتخباتها في التوثيق والتعليم والترويج وصناعة المحتوى التاريخي. كما أن وسائل الإعلام ينبغي أن تمتلك مساحة قانونية واضحة لاستخدام مقتطفات محدودة في التحليل والإخبار، بما يحفظ حق المستثمر ويخدم حق الجمهور في المعرفة.

هذه ليست دعوة إلى إلغاء العقود أو الانتقاص من قيمة الملكية الفكرية، وإنما دعوة إلى تحقيق توازن أكثر عدالة. فالقوانين تُراجع عندما تتغير الظروف، وصناعة الرياضة اليوم أصبحت أكبر من مجرد بيع حقوق النقل، وأصبح لها تأثير ثقافي واجتماعي يتطلب رؤية أوسع من الحسابات التجارية وحدها.

ربما يكون من المناسب أن تبدأ الاتحادات الرياضية، بالتعاون مع الجهات المنظمة ومالكي الحقوق، في مناقشة نماذج جديدة لإدارة الأرشيف الرياضي. نماذج تسمح بحماية البث المباشر، وفي الوقت نفسه تضمن أن يبقى تاريخ المنتخبات والأندية متاحًا للتوثيق والبحث والإعلام بعد انتهاء فترة الحصرية التجارية.

في النهاية، لا أحد يعترض على أن تكون للمباراة قيمة اقتصادية، لكن قيمتها المعنوية قد تكون أكبر بكثير. فالمال يشتري حق النقل، لكنه لا يشتري مشاعر الجماهير، ولا يملك احتكار الذكريات التي صنعتها تلك المباريات. وتاريخ المنتخبات الوطنية لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مجرد محتوى إعلامي، بل باعتباره جزءًا من التراث الرياضي للدولة.

قد نختلف حول شكل الحلول، وقد تتباين الآراء بشأن مدة الحصرية أو آليات استخدام اللقطات، لكن يبقى المبدأ واحدًا: حماية الاستثمار أمر ضروري، وحماية الذاكرة الرياضية لا تقل أهمية. وعندما تنجح المنظومة في تحقيق هذا التوازن، فإن الجميع سيكون رابحًا؛ المستثمر، والإعلام، والاتحادات، والأهم من ذلك، الجمهور الذي يظل صاحب العلاقة الأعمق بهذه اللعبة، وحارس ذاكرتها الحقيقي.
-----------------------------
بقلم: إبراهيم خالد

مقالات اخرى للكاتب

عندما يتحول تشفير المباريات إلى احتكار للذاكرة الرياضية (3-3)