12 - 07 - 2026

إبداعات | الإحساس نعمة .. قصة قصيرة لمحمد رحيم

إبداعات | الإحساس نعمة .. قصة قصيرة لمحمد رحيم

لا أعرف متى كان أول إحساس شعرت به. لكنني متيقن من شيء واحد: لم يكن إحساسي.

كان أبي يعود كل مساء حاملًا "إحساس اليوم" ملفوفًا في صحيفة، يفتحه على العشاء ويقول لأمي:

- الدولة تشعر بأن الوضع الاقتصادي يحتاج إلى الصبر.

وكانت أمي، رحمها الله، تأخذ ذلك الإحساس وتوزعه علينا نحن الصغار، واحدًا واحدًا، بالتساوي، كما كانت توزع أرغفة الخبز والرضا.

كبرت، وصرت أشغل وظيفة رسمية: موظف متابعة الإحساس العام، الطابق الثالث، المكتب رقم (7). وكل يوم يصلني إحساس من الطابق الأعلى، فأهذبه، ثم أمرره إلى من هم في الطابق الأسفل.

لكن الأسبوع الماضي... وصلني إحساس غير موقّع.

لم يأتِ من الأعلى، بل جاء من الشارع: بائع خضار قتل رئيس الحي.

يومها، فجأة... شعرت.

شعرت من غير استمارة، ومن غير ختم يحمل عبارة: "معتمد".

وقفت لا أدري ما أصنع به. فلا توجد في النموذج خانة اسمها "إحساس شخصي". فكرت أن أكتبه في خانة "الإحساس الوارد من الجهة العليا"، ثم تراجعت.

احتفظت به داخل تقرير عادي...

فاكتشفوه.

استدعاني المدير.

قال:

- ما مصدر هذا الإحساس؟

قلت:

- الناس.

قال:

- الناس ليست جهة اختصاص. ويبدو أن بيننا عنصرًا غير منضبط.

ظللت واقفًا صامتًا.

قال:

- لكن إحساسًا كهذا... إذا أُحسن ضبطه... يمكن تطويره.

وبعد أسبوع صدر نموذج جديد بعنوان:

"نموذج (9): إحساس الشارع (معتمد)."

وكانت فيه خانة إضافية اسمها:

"درجة العفوية"، وتحتها، بخط عريض:

"يُملأ فقط بواسطة الموظفين المدرَّبين على الإحساس التلقائي."

ومنذ ذلك الحين أصبحت المسؤول عن قسم الإحساس التلقائي. كلما جاء أحد بإحساس حقيقي من الخارج، أحضروه إليّ. فأستلمه، وأهذبه، وأختمه بختم:

"معتمد - تلقائي."

ثم أوزعه على الطوابق.

وبعد عدة أشهر، لاحظت شيئًا غريبًا.

لم نعد نراجع الإحساس...

بل صرنا نصنعه.

توقف الناس عن إحضار أحاسيسهم الحقيقية.

وصار كل واحد منهم يأتي بالإحساس الذي يعتقد أنه سيوافق النموذج.

يدخل أحدهم فيقول:

- أشعر بنسبة تفاؤل تبلغ ٧٢٪.

ويقول آخر:

- لدي غضب، لكنه غضب مسؤول.

أما الثالث، فيسألني قبل أن يتكلم:

- ما الإحساس المطلوب هذا الأسبوع؟

وفي آخر الأسبوع، دخل عليّ موظف جديد، لا تزال البراءة بادية على وجهه، ومدّ إليّ ورقة وهو مرتبك، وقال:

- أستاذ... أشعر بشيء غريب، ولا أعرف ماذا أفعل به.

فتحت الورقة.

نظرت إليها طويلًا...

ثم مزقتها.

وقلت:

- لم يعد معتمدًا.
----------------------------
بقلم: محمد رحيم