12 - 07 - 2026

شاعر وناقد وصاحب بصمة في السينما والمسرح والإذاعة والتلفزيون والأغنية | سعد القليعي.. مشروع إبداعي متعدد الوجوه

شاعر وناقد وصاحب بصمة في السينما والمسرح والإذاعة والتلفزيون والأغنية | سعد القليعي.. مشروع إبداعي متعدد الوجوه

ينتمي سعد القليعي إلى طراز من المبدعين لا تعترف تجاربهم بالحدود الفاصلة بين الأجناس الأدبية والفنون المختلفة، تحرك بحرية بين شعر الفصحى والعامية، وكتابة الأغنية والسيناريو والمسرح، والقصة القصيرة والرواية، فضلًا عن المقال النقدي والعمل الإذاعي، محتفظًا في كل ذلك بصوت خاص ورؤية تنبع من حساسية شاعر وقدرة حكّاء متمرس.

وُلد القليعي في التاسع والعشرين من أكتوبر عام 1970 بمحافظة قنا، في بيئة جنوبية مشبعة بالروح الشعبيّة والذاكرة الشفاهية، وسُمّي «سعدًا» تيمنًا بأحد رجال الأسرة الدندراوية المعروفين بالصلاح والتقوى، فيما يمتد نسبه إلى الإمام الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم، وهو ما منح تكوينه الروحي والوجداني المبكر أبعادًا ظلت حاضرة في كثير من كتاباته وأشعاره.

نبوغ مبكر

بدأت ملامح موهبة سعد القليعي تتكشف مبكرًا، لفت الأنظار إليه وهو لا يزال طالبًا بكلية العلوم في جامعة جنوب الوادي بقنا، بعدما حصد عددًا من الجوائز المهمة في الشعر وكتابة الأغنية، من بينها جائزة جريدة «أخبار الأدب» في شعر الفصحى عام 1993، وجائزة مؤسسة «اقرأ» الثقافية عام 1992، وجائزة الشركة الإعلامية وقنوات ART في كتابة شعر الأغنية عام 1993، قبل أن يتوج هذه البدايات بحصوله على جائزة سعاد الصباح في الإبداع الشعري عام 1995.

وبعد تخرجه، اختار القليعي أن يخوض الرحلة ذاتها التي خاضها كثير من مبدعي الجنوب المصري، من أمثال عبد الرحمن الأبنودي وأمل دنقل ويحيى الطاهر عبدالله، فارتحل إلى القاهرة باحثًا عن أفق أوسع لموهبته المتدفقة، وسرعان ما وجد نفسه محاطًا باهتمام عدد من كبار المثقفين والكتاب الذين تنبهوا إلى خصوصية صوته الأدبي، وفي مقدمتهم الروائي الكبير عبد الوهاب الأسواني الذي اعتبره ابنه. والروائي مجيد طوبيا.


القليعي بالجلباب في قريته بالصعيد.

صوت متفرد

كتب عنه الشاعر الكبير سيد حجاب في جريدة «القاهرة» مقالًا بعنوان: «سعد القليعي شاعر سامق القامة متفرد الصوت.. أدين له باعتذار»، في خطوة بدت آنذاك خروجًا على الأعراف التحريرية السائدة للجريدة التي كانت تتحفظ على تصدير أسماء المحتفى بهم عناوينَ للمقالات. وقد عكس ذلك المقال إدراكًا  لخصوصية الصوت الشعري الذي يقدمه القليعي.

كما ربطته علاقة وثيقة بالكاتب الكبير أسامة أنور عكاشة، بدأت حين اتجه عكاشة إلى تأسيس ورشة للكتابة بهدف نقل خبراته إلى جيل جديد من الكتّاب، في فترة حالت فيها بعض التحفظات دون استمراره في التدريس الجامعي. وكان القليعي واحدًا من أبرز الأسماء التي برزت داخل تلك التجربة، التي أثمرت لاحقًا مسلسل «القاهرة 2000»؛ ذلك المشروع الدرامي الضخم الذي قُدم في ثلاثة أجزاء بإنتاج قطاع الإنتاج باتحاد الإذاعة والتلفزيون، وشارك في كتابته عدد من أبناء الورشة تحت إشراف عكاشة، فيما تولى إخراجه المخرج الكبير محمد فاضل، وشارك في بطولته نخبة من الفنانين، من بينهم سوسن بدر وأحمد راتب وعبد الرحمن أبو زهرة وآخرون.

القليعي والأبنودي

كما توثقت صلة سعد القليعي بالشاعر الكبير عبد الرحمن الأبنودي، الذي رأى في تجربته الشعرية صوتًا يمتلك خصوصية نادرة، لا سيما في قدرته على الكتابة بالفصحى والعامية بالكفاءة والصدق نفسيهما، حتى إنه كان يحرص على دعوته إلى جلساته الخاصة كلما حضر إلى القاهرة.

ويروي القليعي واحدة من أكثر المواقف تأثيرًا في علاقته بالأبنودي، تعود إلى لقائهما الأول داخل الإذاعة المصرية، حين قدّمه إلى المستمعين بكلمات قال فيها: «إن كان بيرم التونسي قد استخرج لشعر العامية المصرية شهادة الميلاد الموثقة، ثم جاء فؤاد حداد فمنحه البطاقة الشخصية إيذانًا ببلوغه سن الرشد، فإن الأبنودي قد استخرج له جواز السفر الدبلوماسي، ليتجاوز الحدود ويُستقبل في صالات كبار الزوار ويكون الحكام في استقباله».

وحين التفت القليعي إلى الأبنودي بعد انتهاء التقديم فوجئ بعينيه تغرورقان بالدموع، بينما بدا صوته متحشرجًا وهو يبدأ الحديث. وبعد انتهاء الحلقة سأله عما أثاره بتلك الصورة، فأجابه الأبنودي: «أثر فيّ أن أرى واحدًا من أبناء الناس البسطاء الذين حملت أصواتهم وجئت بها إلى القاهرة، وهم يرونني ويقدرونني التقدير الذي أشعرتني به كلماتك». 

سعد القليعي يلقى إحدى قصائده

كتابة الأغنية

وإلى جانب حضوره الشعري والدرامي، يمتلك سعد القليعي رصيدًا لافتًا في كتابة الأغنية، تغنى بكلماته عدد من أبرز المطربين والمطربات في مصر، من بينهم على الحجار، محمد الحلو، عفاف راضي، حنان ماضي، حسن فؤاد، هدى عمار، غادة شبير، غادة رجب، عز الأسطول، ميس حمدان، وآخرين"، 

كما تعاون مع عدد من كبار الملحنين والموسيقيين، من بينهم ميشيل المصري، فاروق الشرنوبي، محمود طلعت، د. أحمد الحناوي، د. طارق عباس، محمد فهمي عبدالحميد وآخرين" ما أتاح لكلماته أن تجد طريقها إلى أشكال موسيقية متنوعة. وقد بلغ هذا التقدير ذروته حين اختاره الموسيقار الكبير عمار الشريعي لكتابة أوبريت غنائي من كلماته، غير أن رحيل الشريعي حال دون خروج المشروع إلى النور، ليبقى شاهدًا على المكانة التي حظي بها القليعي لدى واحد من أهم رموز الموسيقى العربية المعاصرة.

بكار

ولم تقتصر تجربة سعد القليعي على الكتابة للكبار، امتدت أيضًا إلى عالم الطفل،  فساهم في كتابة عدد من حلقات مسلسل الأطفال الشهير بكار، أحد أكثر الأعمال رسوخًا في ذاكرة أجيال متعاقبة من الأطفال العرب. ومن خلال هذه التجربة شارك القليعي في صياغة وعي لجيل كامل، عبر عمل جمع بين البساطة الفنية والارتباط بالهوية المصرية والبيئة الشعبية، وهو ما يمنحه حضورًا مهمًا في مجال الدراما الموجهة إلى الطفل العربي.

كما كتب مجموعة من السيناريوهات  للأعمال  لتلفزيونية مميزة منها  مسلسل "ورد النيل" إنتاج قطاع الإنتاج بالتلفزيون المصري،  إخراج / هشام عكاشة بطولة "كمال أبو رية، نرمين الفقي، منال سلامة"، ومسلسل "راسين في الحلال" Head writer حلقات كوميدية منفصلة "ست. كوم" إنتاج شركة بروميديا وإخراج عمرو فودة  بطولة "طلعت زكريا، ميمي جمال، سمير غانم، ثريا ابراهيم، أحمد راتب، علاء مرسي، سامي مغاوري، شعبان عبد الرحيم وآخرين" .

السينما

وفي مجال السينما، خاض سعد القليعي تجربة كتابة السيناريو عبر فيلم طرح الصبار، الذي أُنتج لصالح قنوات النيل المتخصصة وأخرجه سامح الشوادي، وواصل حضوره في هذا المجال عبر سيناريو فيلم «الأطلال السود»، الذي وصل إلى القائمة الطويلة لجائزة جائزة ساويرس الثقافية في فرع كبار الكتّاب عام 2021، قبل أن يتوج مسيرته السينمائية بحصوله على جائزة مهرجان الإسكندرية السينمائي الدولي في كتابة السيناريو عام 2022، في تأكيد جديد على قدرته على الانتقال بين أشكال التعبير المختلفة دون أن يفقد خصوصية صوته الإبداعي.

القليعي في صورة يتوسطها أسامة أنور عكاشة

الدراما الإذاعية

ويأتي رصيده الأكبر في الكتابة للإذاعة، قدّم أكثر من ستين مسلسلًا وعملًا دراميًا إذاعيًا، من بينها مسلسل «ورد النيل» إخراج عبد العزيز زكي، بطولة خالد النبوي وعلا رامي، و«المشكلة بابا» إخراج عايدة عبد الله، و«قمر بغداد» إخراج فاطمة حسن، بطولة مادلين طبر وليلى طاهر، ومسلسل «الشوك والحرير» إخراج نصار عبدالغني، و«الزينة.. بتّ النوايل» إخراج حسني غنيم، بطولة هالة صدقي وإبراهيم يسري.

كما كتب المسلسل الإذاعي الكوميدي «لاللو.. عامل باللو» إخراج أماني أحمد، بطولة نشوى مصطفى ووائل نور ولطفي لبيب وسليمان عيد، إلى جانب مسلسل «قيود ناعمة» إخراج عبد العزيز زكي، بطولة عمرو سعد وحنان مطاوع ومنة فضالي ومي كساب.

ومن أعماله أيضًا «غياث الدمشقي» إخراج رضا الجابري، بطولة أحمد ماهر ولقاء سويدان وأشرف عبد الغفور ومحمد محمود ومفيد عاشور وخالد الذهبي وأماني البحطيطي، إضافة إلى «سوار الأميرة تي» إخراج رجب الحلواني، و«شتات الشاهبندر» إخراج أمجد أبو طالب، بطولة أحمد بدير ونشوى مصطفى وأشرف عبد الغفور، و«حكايات مصرية» إخراج هالة الشال، فضلًا عن المسلسل الإذاعي الكوميدي «احك يا شهريار» في ثلاثة أجزاء، إخراج عبد العزيز زكي، بطولة أحمد راتب ونشوى مصطفى.

الأوبريت

وتمتد إسهامات القليعي إلى خشبة المسرح، ولا سيّما في واحدٍ من أصعب فنونه وأندرها عربيًا، وهو الأوبريت والمسرح الغنائي، قدّم العرض المسرحي الشعري «ألفين مدد يا مصر» على خشبة المسرح القومي، من إخراج رجب الحلواني. كما كتب العرض المسرحي الموسيقي «على جناح الترحال» (ابن بطوطة)، الذي قُدِّم على مسرح دار الأوبرا السلطانية، من إخراج وليد عوني، وبطولة عبد الرحمن أبو زهرة وغادة شبير، بمشاركة أكثر من مئة فنان وفنانة من مختلف الدول العربية، إلى جانب مطربين وراقصين من إحدى عشرة دولة، بينها مصر وسلطنة عُمان ولبنان وسوريا وألمانيا والمجر وإيطاليا وفرنسا والنمسا، ووضع موسيقاه الدكتور هشام جبر. وأُعيد تقديم «على جناح الترحال» لاحقًا على مسرح «إكسبو» في إيطاليا، كما قدّم مسرحية «الرحلة»، التي سُجّلت للإذاعة المصرية من إخراج رجب الحلواني. وإلى جانب ذلك، كتب أشعار عشرات العروض المسرحية التي قُدّمت على مسارح الأقاليم التابعة لـلهيئة العامة لقصور الثقافة، في تجربة تؤكد حضوره الممتد داخل المسرح الغنائي والشعري في مصر والعالم العربي.


مع أستاذه عبدالوهاب الأسواني

المكتبة الأدبية

أثرى القليعي المكتبة العربية بعدد من الإصدارات الأدبية المتنوعة، صدر له ديوانان بالفصحى هما «أجنّة الرؤى»، الذي حصد جائزة سعاد الصباح عام 1995، و«قِيلَ قُلْ.. فَبَكى» عام 2001. ومجموعة قصصية بعنوان «القارعات» عام 2005، ومسرحية بعنوان «الرحلة» عام 2006، إلى جانب روايته «وادي الأبالسة»، التي وصلت إلى القائمة القصيرة لـجائزة كتارا للرواية العربية عام 2023. بالإضافة إلى مئات المقالات التي نشرها عبر الصحف والمجلات المصرية من التسعينيات وحتى الآن

حصد القليعي أكثر من 19 جائزة طوال رحلته الإبداعية حتى الآن منها جائزة جريدة "أخبار الأدب" في القصة القصيرة 1996م، جائزة نادي القصة في القصة القصيرة عام 2002م ، جائزة "تيمور" في الإبداع المسرحي عام 2006م، أكثر من خمسة جوائز من مهرجان القاهرة للإذاعة والتلفزيون في دورات مختلفة عن أعمالي الدرامية الإذاعية ، كُرِّم في مؤتمر أدباء مصر الذي عقد بالمنيا عام ٢٠٢٤م.

تجربة سعد القليعي واحدة من التجارب المصرية الفريدة التي انشغلت بالإبداع نفسه أيا كان شكله، والقدرة على التعبير عن وجدان الناس البسطاء، إلى جانب استحضار الجنوب المصري بما يحمله من ثراء إنساني وثقافي وروحي.
----------------------------------
د. عبدالكريم الحجراوي
من المشهد الأسبوعية

سعد القليعي.. مشروع إبداعي متعدد الوجوه. من المشهد الأسبوعية