11 - 07 - 2026

ملامح | الممرات المائية في مواجهة "أرض الميعاد"

ملامح | الممرات المائية في مواجهة

سيبقى الشرق الأوسط محل صراع دائم ما لم يجد "حل الدولتين" طريقه للنور؛ خاصة وأن خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في قطاع غزة لم تعد سراً، فهي تركز بالأساس على "التطوير العقاري"، والسيطرة الكاملة على ساحل البحر المتوسط لتنفيذ مشروعات النفط والغاز الطبيعي، بالتوازي مع تهجير الشعب الفلسطيني. هذا المخطط يجري تنفيذه قسراً عبر التوسع الإسرائيلي والاستيلاء على نحو 70% من مساحة القطاع، وسط أحاديث عن إقامة "منطقة إنسانية تجريبية" في رفح قرب الحدود مع سيناء لاستيعاب عشرات آلاف المدنيين الخاضعين لتدقيق أمني، مع تسليم إدارة المنطقة للجنة تكنوقراط فلسطينية مجردة من الصلاحيات السيادية.

وفي المقابل، يتسارع النشاط الاستيطاني المسعور في الضفة الغربية وسط اعتداءات وحشية للمستوطنين بحماية عسكرية مباشرة، أمام مرأى ومسمع السلطة الفلسطينية التي تكتفي بموقع المتفرج دون إطلاق رصاصة واحدة دفاعاً عن شعبها، حتى باتت بيانات الاستنكار الصادرة عنها فاقدة لأي زخم أو اهتمام إعلامي.

إن تهميش فكرة الدولة الفلسطينية هو بمثابة زرع قنبلة موقوتة؛ فالمقاومة لن تهدأ طالما أن القضية تُصفى بالمال لا بالحقوق. وإذا كانت الفصائل الفلسطينية تقدم بعض التنازلات التكتيكية حالياً لحماية شعبها وحفظ قضيتها، فإن الغد لن يحمل سوى الكفاح المسلح؛ خاصة وأن "الصهيونية المسيحية" المهيمنة على القرار في واشنطن وتل أبيب لن تقبل بأي حل يمنح السيادة للفلسطينيين على ما يعتبرونه "أرض الميعاد"، وبالتالي، فإن استمرار الصراع بالنسبة لهم هو جزء من المخاض اللاهوتي الضروري لتحقيق النبوءات.

** النبوءة تحرك السياسة الأمريكية

من أبرز أسباب عدم استقرار المنطقة، هو طبيعة الصراع الصهيوني (الأمريكي - الإسرائيلي) مع إيران، التي يُنظر إليها كـ "عدو نبوئي"، مما يجعل أي اتفاق معها مجرد "استراحة محارب". فوفقاً لعقيدة الصهيونية المسيحية والمحافظين الجدد في الولايات المتحدة، فإن إيران ("فارس" تاريخياً) هي الحليف الرئيسي لجيش "يأجوج ومأجوج". وترتبط مأجوج عقائدياً بالقبائل التي سكنت شمال بحر قزوين والبحر الأسود وتشمل القوقاز وآسيا الوسطى (روسيا المعاصرة)، أما "جوج" فهو لقب الرئيس الأعلى لـ "روشن" (روسيا) وميشك وتوبال، وفقاً لسفر حزقيال في العهد القديم؛ فيما يروي سفر الرؤيا (العهد الجديد) أن تحالف إيران وروسيا سينضم إليه "ملوك الشرق"، والمقصود بهم الصين.

الخوض في تفاصيل سفر حزقيال والرؤيا يطول، لكنه يمثل الترجمة الحرفية لما نشهده اليوم من تلاعب صهيوني بالمنطقة. يسعى ترامب ونتنياهو لفك الارتباط بين لبنان وإيران عبر مسار تقوده واشنطن للاستفراد بالمقاومة اللبنانية، والحفاظ على الجيش الإسرائيلي المنهك من سنوات الحرب الطويلة (منذ أكتوبر 2023) بسحبه من جنوب لبنان، واستبداله بنظام "جبهة النصرة" في سوريا. والهدف هو تفرغ الاحتلال لحسم ملفي غزة والضفة، والمسارعة بإنشاء حزام أمني أعمق في القنيطرة ودرعا لقطع شرايين إمداد المقاومة.

هذا السيناريو الذي تعتبره الصهيونية المسيحية تأميناً لـ "أرض الميعاد"، يكتمل بإسناد مهمة تصفية المقاومة اللبنانية وتنظيف الجنوب من السلاح لأبي محمد الجولاني، لتأمين شمال دولة الاحتلال، مع بقاء الجيش الإسرائيلي فيما يُعرف بـ "الخط الأصفر" الذي يبتلع نحو 60 بلدة وقرية لبنانية.

وقد كان ترامب واضحاً وكاشفاً لنواياه يوم الأربعاء (8 يوليو 2026) خلال قمة الناتو في أنقرة، إثر اجتماعه بنظيره السوري "أبو محمد الجولاني" الذي استُدعي خصيصاً؛ حيث أعلن ترامب عزمه رفع اسم سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب. وكشفت وكالة "رويترز" عن رسالة وجهها ترامب للجولاني عقب الاجتماع قال فيها: "لقد وعدت بإزالة جميع الحواجز التي تمنعكم من إعادة بناء بلدكم، وقريباً جداً ستتمكنون من ذلك"، مشيراً إلى إبلاغ الكونجرس لبدء مراجعة مدتها 45 يوماً. هذا الدعم الأمريكي مشروط - كما صرح ترامب علانية - بأن "سوريا يمكن أن تساعدنا بشأن موضوع حزب الله"، وهو إعلان رسمي بإسناد المهمة العسكرية للنصرة، وتأكيد على تصريحات ترامب السابقة في قمة مجموعة السبع بفرنسا عندما عبر عن إحباطه من أداء الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان واقترح استبداله بالجانب السوري.

وبما أن الجولاني لا يتحرك بمعزل عن كفيله التركي، الرئيس رجب طيب أردوغان، الذي يتعامل مع السياسة بمنطق التاجر والصفقات، فقد منحه ترامب ثمن هذا التمرير بالموافقة على بيع 5 طائرات من طراز (F 35) لتركيا، متجاوزاً الاعتراضات الإسرائيلية.

ولا ينفصل هذا عن الضغوط التي تتعرض لها المقاومة العراقية في ظل حكومة علي الزيدي - التي جاءت برغبة أمريكية - وحصار المقاومة تحت شعار "حصر السلاح بيد الدولة". ووفقاً لسفر الرؤيا، فإن أرض بابل وآشور ونهر الفرات هي البوابة الجغرافية لمرور جيوش الشرق (روسيا، الصين، إيران) نحو فلسطين، حيث تُذكر بابل كمركز للإمبراطورية المناهضة لله. وفي المقابل، يصف سفر حزقيال جغرافيا لبنان (صور وصيدا وجبل لبنان) بأنها ستتأثر مباشرة بالصراع الشامل دون أن تكون قوة عسكرية مبادرة، بينما يضع دول الخليج (شبا وددان) في خانة "المتفرجين" الذين يكتفون بالاستنكار الدبلوماسي والتساؤل: "هل جئت لتغتنم وتسلب؟"، في حين تظهر مصر والسودان (كوش) وليبيا (فوط) كشركاء في الصراع الشامل وفقاً للقراءة العقائدية ذاتها.

** الممرات قنبلة الشرق الأوسط

أمام هذا التحرك الصهيوني المدفوع بأيديولوجيا دينية أسطورية، يجب أن ندرك أن أمريكا والغرب لا يفهمون إلا لغة المصالح الخشنة. والمنطقة تمتلك أوراق قوة جبارة باعتبارها تقبض على "مفاتيح الاقتصاد العالمي" من خلال ثلاثة ممرات استراتيجية مضيق هرمز (شريان النفط لآسيا والغرب) وباب المندب (بوابة البحر الأحمر)، وقناة السويس (قلب التجارة العالمية). لقد أثبتت التوترات الأخيرة والمواجهة المفروضة مع إيران مدى حساسية وخطورة وأهمية هذه المضايق وحيويتها، وكيف يمكن لإغلاقها أو تهديد الملاحة فيها أن يشل حركة المال والتجارة العالمية ويسقط غطرستهم. وبما أن المنطقة تمتلك هذه القوة الجيوسياسية الهائلة، فلماذا لا تتضامن دولها وتعلن صراحةً أن استقرار وأمن هذه الممرات المائية الثلاثة مشروط بشكل قطعي بقيام الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس.. وانسحاب إسرائيل الكامل من كافة الأراضي العربية المحتلة عام 1967.. وتفكيك وانسحاب كافة القواعد العسكرية الأجنبية من المنطقة.

يجب إبلاغ واشنطن والعواصم الأوروبية التابعة والمثقلة بالإرث الاستعماري، بأن زمن التلاعب بمصيرنا قد انتهى؛ وأنه طالما بقيت غزة والضفة الغربية تحت وطأة الاحتلال والتنكيل، فلن تنعم خطوط الملاحة بالأمن، وستبقى الممرات ساحة حرب غير مستقرة، مما يرفع تكلفة الشحن والتأمين ويهدد أمن الطاقة العالمي في مقتل.

لقد سطر التاريخ في أكتوبر 1973 موقفاً شجاعاً ورجولياً للأنظمة العربية حين استُخدم سلاح النفط، واليوم نحن أمام معركة وجودية تتطلب تنسيقاً استراتيجياً جاداً بين الدول التي تمثل جغرافيا هذه الممرات (مصر، إيران، واليمن) وبقية دول الشرق الأوسط. هذا التنسيق المشترك هو الرد الواقعي والوحيد الكفيل بكسر "الصلف العقائدي" لثنائي ترامب ونتنياهو، وإجبار القوى الغربية على الإذعان لحقوق الشعوب، بدلاً من المراهنة على تصفية القضية بالمال.. فالأرض لأصحاب الحق، والمستقبل لا يحمي الضعفاء.
----------------------------------
بقلم: محمد الضبع


مقالات اخرى للكاتب

ملامح | الممرات المائية في مواجهة