11 - 07 - 2026

​بين صدى التراث وروح العقيدة.. هل فقدنا جوهر الإسلام؟

​بين صدى التراث وروح العقيدة.. هل فقدنا جوهر الإسلام؟

في لحظة تاريخية فارقة، يجد المتمعن في واقع المجتمعات التي تحمل هوية الإسلام نفسه أمام سؤال وجودي مؤلم؟ هل نحن نعيش الإسلام كعقيدة واستسلام، أم أننا نعيش مجرد تراث ثقافي وعادات ورثناها عن آبائنا دون أن تمس جوهر قلوبنا أو تعيد صياغة ضمائرنا؟

أزمة المعنى حين يتحول الدين إلى هوية

إن المفهوم الحقيقي للإسلام هو الاستسلام لله؛ أي أن يكون الله هو الحاكم على ضمير العبد في سره وعلانيته، في ميزان تجارته، وفي تربية أولاده، وفي عدله مع خصمه. لكن الواقع المعاش في مصر، السعودية، الجزائر، المغرب، وغيرها من ديار المسلمين، يكشف عن فجوة سحيقة؛ فقد تحول الدين لدى الأغلبية إلى "قالب شكلي".

إننا نعيش حالة من الانفصام الصارخ: تجد الفرد يصلي ويصوم ويحج، ولكنه في الوقت نفسه يكذب، يسرق، يغش، يظلم، ويهمل رعاية بيته وأولاده. وعندما يذهب للسوق، يستفتح باسم الله ويقول توكلت على الله بينما يغش في الميزان ويدلس في سلعته. هذا ليس إسلاماً؛ هذا استخدام للدين كغطاء تبريري، أو ما يمكن تسميته بـ تخيل لله على مقاس الرغبات والأهواء، وليس إيماناً بحقيقة الإله العادل الرقيب.

الغثائية والوهن لماذا يخذلنا النصر؟

لقد نجحت قوى التغييب في نزع "روح" العقيدة من صدور الكثيرين، فأصبح الإنسان يمارس طقوساً شكلية، بينما يطلق العنان لهواه وطمعه. هذا هو التشويه الذي جعل الدين تراثاً يُتغنى به لا منهجاً يُحيا به.

لقد أصبحت أمة الملياري مسلم، التي تتوزع على 52 دولة، غارقة في الفساد، انعدام الضمير، وخراب البيوت، حتى في المحاكم التي يُفترض أنها ملاذ المظلومين، نجد الظلم والجور. وعندما يسأل المسلمون لماذا يحدث لنا هذا؟ ولماذا لا نتمكن من نصرة إخواننا في غزة ولبنان وإيران؟ ينسون القاعدة الإلهية القطعية: {إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ}. إننا لم ننصر الله في معاملاتنا، في أسواقنا، وفي أخلاقنا، فكيف ننتظر نصرة الله لنا؟

لقد وصف الرسول ﷺ حالنا بدقة متناهية في حديث غثاء السيل:

توشكُ الأممُ أن تداعى عليكم، كما تداعى الأكلةُ إلى قصعتِها. فقال قائلٌ ومِن قلَّةٍ نحن يومئذٍ؟ قال بل أنتم يومئذٍ كثيرٌ، ولكنَّكم غُثاءٌ كغُثاءِ السَّيلِ، ولينزعنَّ اللهُ مِن صدورِ عدوِّكم المهابةَ منكم، وليقذفنَّ اللهُ في قلوبِكم الوهنَ. فقال قائلٌ: يا رسولَ اللهِ، وما الوهنُ؟ قال: حُبُّ الدُّنيا، وكراهيةُ الموتِ».

هذا "الغثاء" ليس غثاءً في العدد، بل في "الوزن الأخلاقي". فالعقيدة التي لا تمنع صاحبها من أكل الحرام، ولا تمنع الظالم من التمادي في ظلمه، هي عقيدة مغيبة عن الواقع، معطلة عن التأثير.

رسالة إلى من تبقى في قلبه نبضُ الحقيقة

إن بقاء الإسلام كعقيدة حية لا يعتمد اليوم على جموع الناس الذين اتخذوا الدين تراثاً وفلكلوراً، بل يعتمد على الفرد" الذي يقرر استعادة عقيدته من ركام الزيف. إن الاعتراف بأننا نعيش أزمة فقدان الله في معاملاتنا، واستبداله بتراث صوري، هو أول خطوات الإصلاح.

علينا أن ندرك أن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم. هذا التغيير يبدأ بالصدق مع الله، وإحياء الضمير، ورفض الغثائية. إن الإسلام كعقيدة لم ينتهِ، لكنه "اغتُرب" داخل واقعنا المادي والمصلحي.

 إن كنت معترضاً على هذا التشخيص، فافتح عينيك وانزل إلى الأسواق، قابل التجار والصناع، ادخل أروقة المحاكم، وانظر إلى حال الأطفال في الشوارع؛ إن وجدت الإسلام حياً في معاملاتهم وأخلاقهم، فابلغني أين هو؟ إننا نعيش في "تراث" وتخيل، والواقع يشهد بخلو المكان من الإسلام كعقيدة حاكمة.
---------------------------
بقلم: عز الدين الهواري


مقالات اخرى للكاتب

​بين صدى التراث وروح العقيدة.. هل فقدنا جوهر الإسلام؟