حالة من البهجة والسرور ارتسمت على وجوه الأطفال وهم يرسمون على الماء بمرسمي، الذي ألحقت به مركزا لتعليم الفنون والعلاج بالفن.. ضحكات الأطفال تتلون وتتراقص مع تموجات السائل السحري. أطفال في مراحل سنية مختلفة، تمسك أناملهم الصغيرة بالفرشاة كأنها عصا سحرية، وتلمع أعينهم ببريق من الدهشة والفرح حين ترفع لوحاتهم من الماء بعد أن طبعت عليها الألوان والخطوط المتناغمة.
هذا المشهد الآسر لم يكن حلما، بل كان واقعاً حيا شهده الحاضرون في ورشة الرسم على الماء بمركز الفنون والعلاج بالفن.
فن "الإيبرو" أو الرسم على الماء هو أحد أقدم الفنون التقليدية، وهو يعتمد أصلا على مزج الألوان فوق ماء عولج بمادة خاصة تجعله كثيفا، ليسمح للألوان بالطفو وتشكيل لوحات تجريدية أو زهور وأشكال هندسية غاية في الجمال.
أما في هذه الورشة، فلم نعالج الماء بل تركناه كما هو لتسبح جزيئات الألوان وتعانق بعضها البعض بمجرد أن يحركها الطفل بفرشاته، أو حينما ينفخ في الماء بفمه الصغير ليصنع دوائر وحلزونات. وبذلك تحول هذا الفن النخبوي إلى أداة مثالية لتفجير طاقات الأطفال الإبداعية. لم تكن التجربة مجرد درس في الرسم، بل كانت رحلة بصرية وحسية متكاملة؛ فالأطفال لم يعتادوا رؤية الألوان تطفو وتتحرك مع أنفاسهم وحركات أيديهم الخفيفة.
تنقل الأطفال بين حوض الرسم ولوحاتهم البيضاء التي خططوا فيها ببراءة أشكالا بسيطة قبل اللعب على الماء؛ تنقلوا بروح يملؤها الفضول. فبمجرد أن يضع الطفل قطرات اللون على سطح الماء، تبدأ اللعبة؛ حيث تتماوج الألوان وتتشابك لتشكل خطوطا فريدة لا تتكرر مرتين.
وحين ترفع أيديهم اللوحات من فوق الماء يصرخ جميع الحضور دهشة، لتنطلق كلمة "وااااو". إنها الذروة الحقيقية للبهجة التي تكمن في "لحظة السحب"، وهي اللحظة التي ترتفع فيها لوحاتهم ببطء محتضنة الألوان العائمة، لتدفع جميع الحضور من صغار وكبار إلى التعالي بصياح الإعجاب والضحكات وهم يرون كيف انتقل التصميم المائي الساحر إلى اللوحات الخاصة كاملة ودون أي تشويه ليتعانق مع خطوطهم البسيطة التى جهزوها بالخط فقط لحيوانات وطيور وأشجار يحبونها.
لم تكن الورشة مجرد نشاط ترفيهي لملء وقت الفراغ، بل حملت في طياتها أبعادا نفسية وتربوية هامة للأطفال؛ أولها تفريغ الطاقات وتخفيف التوتر من خلال حركات الماء والألوان الانسيابية التي ساعدت الأطفال على الاسترخاء والهدوء. أيضا عززت الورشة الثقة بأنفسهم؛ فشعور الطفل بأنه صنع لوحة معقدة وجميلة من "لا شيء" عزز من تقديره لذاته.
ولأن فن الإيبرو يتطلب لمسات خفيفة وتوقيتا دقيقا، فإن هذا يطور الصبر والتركيز لديهم، ويدربهم على التحكم في حركات أيديهم.
انتهت الورشة بنجاح وغادر الأطفال وهم يحملون بأيديهم لوحاتهم المبللة بالفن، وعلى وجوههم ابتسامة امتدت لقلوب أهاليهم الذين راقبوهم بفخر. لقد أثبتت ورشة "الإيبرو" أن الفن لا يعرف عمرا، وأن قطرات من اللون فوق سطح الماء كفيلة بصنع ذكريات من الفرح لا تنمحي من ذاكرة الطفولة.
--------------------------
بقلم: د. سامي البلشي
















