بيروت، 17 مايو 2015
ما زال دكتور صبره يكرر على مسامعي نصائحه الأثيرة؛ التحلي بالصبر والمثابرة على البوح المكتوب، "مهم كثير إنك تُمسكي القلم وتكتبي أي شي، ولو بس التاريخ"، قال لي ذات مرة، ثم أردف وهو يشد على يدي مودعًا؛ "وهيدا كمان مؤشر إيجابي بالنسبة لعدم الكتابة.. المهم المواظبة".
ما أقسى أن تمسك بالقلم وتدون أحزانك بحبر آلامك. تسترجع شريط خيباتك وانكساراتك، تشعر بطعم الملح في فمك قويًا ولاذعا، فلا تملك سوى الاستمرار في نقش جراحاتك الحية على لحم الورق، عَلَكَ تبرأ من سقمك، وتتطهر من آثامك.
أتوق إلى لحظة أتجاوز فيها أسواري الشائكة، أتسلق بذراعي العاريتين شجرة شوك الأيام، ألمٌ فوق ألم. حين يَعظُم الألم يتحول الوخز إلى إبر تخدير، فلا أشعر بالألم، أعظم الألم وأقساه ذلك الذي لا تشعر به.
تَعلَقُ أوصال عيني المسهدتين في أشواك الحيرة والأرق. روحي كومة خيوط مبعثرة من صوف علقت في إبر قنفذ القلق النفسي. لا أكاد أُخلِصُ خيطًا، حتى تعلق خيوط أخرى، حتى تداخلت مع بعضها البعض، وما عدتُ أدري كيف أميز الخيوط ولا كيف أفصلها.
في الصباح وأنا على باب الله، بالكاد أفتح عيوني بعد ليلة ألهب الأرق فيها عقلي وجسمي، استيقظت منقبضة الصدر من دون سبب. تحاملت على نفسي وارتديت ملابسي. لا، حشرت نفسي في (التيشيرت) البرتقالي والشورت الأسود. كنت متوترة إلى أقصى حد. تناولت مفتاح السيارة بيد مرتجفة. غصبت على نفسي ودلقت جرعة ماء في فمي، تجاوزت حلقي بصعوبة مرور حجر.
أخفيت وجهي تحت كاب رياضي، وجلست في السيارة ينازعني التردد والخوف. بقيت لفترة جامدة، أنظر إلى المقود دون أن أجسُر على إدارة المحرك. كنت بين شعورين متناقضين، رغبة جامحة في الهروب والعودة إلى شقتي، ووهن التحدي. رنت في أُذني كلمات دكتور صبره؛ "راح يكون قدامك دايمًا خيارين، يا إنك تقهري الوساوس وتعلني قوة وجودك، يا إنك تسلّمي حالك إلها، وتعترفي بضعفك وفشلك بالمواجهة، وفي الحالة دي ما راح نتقدم، راح نرجع لورا وبأقصى سرعة.. القرار بإيدك مايا".
حلقي عود حطب جاف. عيناي زائغتان. يداي ترتعشان. ساقاي تهتزان كبندول ساعة عتيقة. لاشيء مستقر أو ثابت.
هل أتحدي القلق أم أُعلن الهزيمة وليكن ما يكون! لا توجد حلول وسط. ولا مساحات بينية. إما الخضوع للوساوس والقلق وكل مفردات الهزيمة، ورفع الراية البيضاء والانسحاب التام، أو الفوز بالجولة ومعها بعض ثقةبالنفس.
رغم قِصره، يمتد الشارع الجانبي أمام عيناي إلى ما لا نهاية. فارق هائل بين الصورة الواقعية والصورة الذهنية، تشبثت بيقيني أن الواقع مختلف عما في ذهني، أدرت السيارة بعصبية وسرت ببطء شديد. ترتعش كفاي على المقود، وكل خلايا جسمي تترجرج. نَفَشَتْ خميرة الحيرة عجين القلق في صدري حتى فاضت على الجانبين. كنت في أقصى مستويات التوتر.
بدا ارتباكي واضحًا على قيادتي، داس كل من مرإلى جواري آلة التنبيه بانزعاج واضح، بدا في كثير من المواقف أن الاصطدام واقع لا محالة، ولكن الله سلم.
بالكاد وصلت إلى نهاية شارع الحمرا وانحنيت مع الطريق يمينًا مرورًا بشارع كمال شاتيلا ومنه إلى الكورنيش، بذلت مجهودًا كبيرًا لاستجمع تركيزي والتزم أقصى يمين الطريق.
عن بعُد، لمحت لافتة كافيتريا (آنكل ديك) فاطمأن قلبي قليلاً وما أن اقتربت بالسيارة حتى صففتها قبيل المحل ثم استجمعت قواي وغادرتها. صفقت الباب بقوة مبالغ فيها، غير مقصودة وإن عكست قلقًا داخليًا، رن الصوت في أُذنيّ. وقفت أمام النادل بوجه متعرق رغم برودة الجو وطلبت كوب قهوة مع بسكويت سادة، حاولت أن اتماسك وأن اصطنع بعض الابتسامات، وأن أبدو طبيعية أمام الآخرين.
عبرت الشارع في تردد واضح إلى الكورنيش فاندلقت بعض القهوة الساخنة على يدي، فتحاملت حتى لا أُلقي بالكوب من فرط الحرارة التي لسعت كفي. جلست على أحد المقاعد الرخامية قبالة البحر ورحت أرتشف من حين لآخر قطرة قهوة واقضم معها قطعة بسكويت صغيرة، ومن وقت لآخر اغتصب ابتسامة وأحرك يدي بما يعني أني متعبة، ردًا على دعوات الأصدقاء لمشاركتهم أشواط الجري كعادتنا.
قاربت القهوة أن تبرد في يدي وما زال الكوب - على غير العادة - أكثر من نصفه، رشفت رشفة ثم أخرجت قطعة بسكويت وفتتها حول قدمي، فتجمعت العصافير حذرة تلتقط الفتات ثم تتراجع مسرعة، يتكرر اقترابها ما اطمأنت، وتتراجع سريعًا كلما توجست، علمتها الحياة أن لا أمان، وأجبرتها غريزة البقاء على الحذر، قد يتكفل خطأ واحد بكتابة كلمة النهاية لتسكن في لحظة واحدة خانة الماضي، وهكذا نحن، خيط أرفع من شعرة الرأس يفرق بين ما ندعيه حاضرًا وما نظنه ماضيًا.
تحكمنا - أنا والعصافير- غريزة البقاء، تخاطر العصافير لالتقاط فتات البسكويت تحت وطأة غريزة البقاء، وعاندت نفسي وخرجت وقُدت السيارة واشتريت قهوة وبسكويت، لا لشيء إلا رغبة في إثبات أنني ما زلت على قيد الحياة. برغم الأحزان، وبرغم الاكتئاب، وبرغم أعراض الفصام، وتفكيري الـمُلح في الانتحار كي أضع حدًا لهذه المأساة، إلا أنني اكتشف فجأة أنني ما زلت أرغب في الحياة!
تمشيت بخطى متثاقلة على الكورنيش تلفحني نسمات الهواء البارد، وبعد قرابة الساعة بدأت أعصابي ترتخي شيئًا فشيئا، ونبتت في صحراء يأسي بعض بذور الطمأنينة والتفاؤل، عجبًا لهذا الإنسان يحمل في ثنايا خلاياه أفراحه وأحزانه، طمأنينته وخوفه، شجاعته وجُبنه.
وهل حياتنا إلا سفر متواصل بين اليأس والأمل؟، بين الصعود والهبوط، بين السعادة والقنوط، لكم عذبتني هذه الثنائيات!! ما أحوجنا ونحن نتنقل بينها إلى كثير أمل وعظيم جهد وصبر.
انشغلت بمتابعة مناورات طيور النورس لاصطياد أسماك الشبوط الصغيرة، تُفلِح مرة وتفشل مرات، رأيت في دأبها ومحاولاتها المتكررة بين الفشل والنجاح رسالة لي.
أفقت من شرودي على يد تربت على كتفي وتحدثني بصوت كله لوم وعتاب ينم عن محبة كبيرة، نظرت نحو الصوت بعينين متعبتين، وقلت بصوت واهن موجوع وأنا أضمها إلى صدري، "حبيبتي!!".
كانت روكسانا بطلعتها البهية تعاتبني بمودة على كسلي، على غير عادتنا حين نمارس الرياضة على الكورنيش، قَبَّلتها وضممتها إلى صدري، دون اهتمام بالعرق الذي يكسو وجهها وأعلي صدرها، نظرت نحوها بحنو واعتذرت وأكدت مشاركتي في الغد، كعادتها المشاكسة قالت وهي تجذبني من ذراعي "وليش الغد؟ .. يلا هلق"، قمت معها وسرت شوطًا أو شوطين أطلقا الكثير من بخار عذاباتي المحبوسة، تبادلنا خلال سيرنا الكثير من حكايات تخللتها تعليقات وضحكات متقطعة، إلى أن ودع كل منا الآخر، وأحسست بأن وقع الغصة في صدري قد خف قليلاً.
حنونة ولطيفة هي روكسانا، تكبرني بنحو عشرة أعوام أقصر مني طولاً مع بعض الامتلاء، تحرص على أناقتها وإظهار جمالها حتى وهي تمارس الرياضة. تنحصر ارتباطاتها اليومية بين الرياضة والعمل صباحًا، ومحال الكوافير وبيوت الأزياء مساءً. بدأ تعارفنا منذ أكثر من خمس سنوات، بنظرات استكشافية خجولة، ثم إيماءات بالرأس مع ابتسامات، فتحية فسلام، ثم ما لبث أن جرى الحديث بيننا، فذابت ألواح ثلج البدايات، وصرنا إذا ما غاب أحدنا، تفقده الآخر.
* * *
9
بيروت، 28 مايو 2015
"عزيزي دكتور صبره
ها أنا ذا أعمل بنصيحتك.. أوعلى الأقل أحاول العمل بها.. لكنني اليوم لا أملك أية قدرة على الكتابة أو حتى الإمساك بالقلم.. فما بالك بالحكي.."
سلام
* * *
10
بيروت، 13 يونيو 2015
مرت عدة أيام وما زلت على حالي من عدم القدرةعلى التركيز وخلق حافز داخلي يدفعني للبوح والكتابة.. عُذرًا دكتور صبره. سوف أحاول في وقت آخر.
أعذرني
* * *
11
بيروت 15 يونيو 2015
لم يعد أمامي غيرك، كي آتي وأجلس بين يديك، وأفيض دون خوف أو تردد، ودون خجل أيضًا.. انقطعت بي السبُل.. حوصرت من حولي ومن فوقي ومن تحتي.. ضاقت دائرة الحياة حول رقبتي.. وأوشكت على الاستسلام وإعلان الهزيمة..
ربما ارتاح حين أُعلن خسارتي، وأضع عن كاهلي أثقال المقاومة.. كثيرًا ما يكون تمسكنا بالأمل سببًا لآلامنا..
أنا هنا، عند حافة البحر، مسندةً رأسي على ركبتي كطفلةٍ أنهكها العالم، وصوتي ينساب خفيفًا، هاربًا مني كنسمة تائهة بين الأمواج، ولا تعرف أي شاطئ تقصد.
كنتُ يومًا محاطة بالحياة كما تُحاط الشجرة بجذورها. بيتٌ ينبض بالصوت والضجيج والدفء، أهلٌ وإخوة، وضحكاتٌ كانت تتنقّل من غرفة إلى غرفة كطيورٌ قلقة لا تعرف السكون، وكان ثمة من يسألني كل صباح "كيفك اليوم؟" فأشعر أن وجودي مُلاحَظ، أن أحدًا يرى ظلّي حين أمرّ. أما الآن، فقد خَرِسَ بيتي حتى صار صمته صراخًا يوجع الآذان. الكراسي الفارغة تتحدّث بلغةٍ أبلغ من لغة أصحابها الغائبين، ولأول مرة أعرف أن صوت الغياب أعلى من صوتِ الحضور.
صار الأرق زائري الوحيد الذي لا يُخلف موعدًا ولا يتأخر عن طرق باب ليلي. لا، لا يطرق الأرق بابًا، إنه يهاجمني ويغتالني من كل الزوايا، يسد عليّْ منافذ الهروب، فلا أملك إلا أن أسقط بين مخالبه فريسة سهلة. يأتي كل مساء، رقيقًا في مظهره، قاسيًا في جوهره، يجثم فوق صدري دون اعتبار لتعبٍ أو إرهاق، ثم يُدَوي صفيره عاليًا حادًا، ويحشو عقلي بكل الأفكار السيئة، وكل الاحتمالات المقلقة.
القلق عندي ليس ضيفًا عابرًا، إنه تنّينٌ رابضٌ فوق صدري، يقتات من حشائش سكينتي، ويلتهم يقيني كما تلتهم النار الحطب. وما القلق من الغد إلا وجهٌ واحدٌ من وجوه هذا الخوف العميق؛ خوفي من الفراغ الذي بات يطوّقني من كل ناحية، كأنني في قلب صحراءٍ لا تعرف جغرافيتها حدودًا. طالما رددتُ "ولا يهمك، بكرا راح تنفرج"، لكن الغد نفسه صار قدَري المعلّق، صار كل صباحٍ جديدٍ يفتح جرحًا قبل أن يُغلق سابقه، يطرح سؤالًا ثم يمضي تاركًا إجابته معلّقة في الفراغ.
لهذا أتحدّث إليك أنت أيها البحر، فأنت وحدك لا تقاطعني، ولا تزنني بميزان الأحكام، ولا تحدثني بلهجة الواثقين من قبيل، وعلى شاكلة "يجب أن تكوني قوية.. ثقتنا فيك كبيرة"، ومثل هذه الجمل الرنانة، فارغة المعنى.
أراك تُصغي باهتمام مصحوب بصمتٍ عميقٍ كصمت الآلهة القديمة، وما أن أهم بالحديث حتى تردد صدى كلماتي. كم يحتاج القلب إلى من يسمعه دون مقاطعة، ودون محاولات بائسة يائسة لإلقاء مواعظ لا تُسمن ولا تُغني من جوع، كل ما هنالك أنه ربما يبحث عمن يسمعه.
"العينان نافذتا الروح"، هكذا كانت جدّتي تقول بحكمة العجائز التي لا تُشترى. والآن أشعر أن نافذتيّ قد علاهما غبار الأيام، ولم تُفلح موجات الدموع في مسح غبار الليالي الطويلة التي أمضيتها أحدّق في سقفٍ صامتٍ، أُحصي الدقائق كما تُحصى خطايا لا فكاك منها.
ومع ذلك، ما زالت خلف كل هذا الإعياء، ثمة جذوةٌ صغيرة في أعماقي ترفض الانطفاء الكامل. لستُ أقوى مما أحتمل، ولا أدّعي بطولةً لم أعشها، لكنني سئمتُ التعب من التعب نفسه، وتولّد في داخلي فضولٌ غريب: ماذا لو صمدتُ قليلًا بعد؟ ماذا يخبئ الغد لمن يرفض الرحيل؟ ليست هذه بطولة، إنما عنادٌ بسيط، عنادٌ هادئ كنبض القلب، هو ما يجعلني أفتح عينيّ كل صباح، حتى وإن لم أملك جوابًا عن السبب.
* * *
(يُتبع)
----------------------------------------
بقلم: د. محمد مصطفى الخياط






