للعب مع الكبار فلسفة ، واستراتيجيات عميقة الأغوار ، بعيدة كل البعد الفلسفي عن الهوى وذلك بمناحي الحياة المختلفة، بدءا من الرياضة - كرة القدم - مرورا بالاقتصاد والسياسة التي ابغضها وأكره الحديث فيها كراهة التحريم.
أما عن الرياضة وخصوصا كرة القدم ، فالحديث فيها شائق وممتع؛ لأن الرياضة "هي رسالة حب وسلام وأمن وطمأنينه وتواصل بين الشعوب المختلفة " ؛ لأنها تكتب بلغة واحدة ،كل شعوب الارض تعرفها، بل تجيد الحديث فيها بكل سهولة ويسر ولا تحتاج لمترجم خاص يترجمها.
ولكي تقوم الرياضة بأداء رسالتها السامية على أكمل وجه بكل شفافية وصدق وعدالة دون تميز وتفرقة بين الشعوب، يجب عليها أن تتخلص، وتتجرد من العنصرية بكل أشكالها، وألوانها المختلفة.
فيجب أن تكون نظرتها نظرة عدل ومساواة بين الشعوب و ترك الفرصة للجميع؛ كي يمارس حقه بكل سهولة ودون تميز وتفرقة، والتجرد من النظرة التاريخية، ومستوى الدول وانجازاتها في وضع جداول المسابقات الرياضية.
عند وضع تصنيفات الفرق الرياضية في جداول البطولات؛ لا ننكر أن هذه التصنيفات تمثل جماليات الكرة؛ لأنها تجمع بين جميع المستويات وتخلص في النهاية إلى الوصول للقاء فرق متقاربه المستوي، فنا وتخطيطا، ورغبة في الفوز .
وما شاهدناه في بطوله كأس العالم الأخيرة (أمريكا ٢٠٢٦ )، أمر جلل يضع كل القائمين على لعبة كرة القدم أمام ما يحدث من تجاوزات للقضاء عليها حتى لا تستشري ويضيع الهدف الأسمى لها، وهي التواصل ونشر الحب والسلام.
فعليهم أخذ الأمر بجدية؛ لدراسة الظواهر الخطيرة التي ظهرت علي السطح وهي ظاهرة تفضيل بعض المنتخبات على أخري حسب التاريخ والبطولات، والانجازات بدواعي الاستمرار في بقاء الأقوى والأكثر أداء وامتاعا، وشهرة في مجال كرة القدم.
هذه الظاهرة كانت موجودة بجميع البطولات السابقة علي مر التاريخ، أي منذ ما يقرب من قرن من الزمن وتحديدا تسعة عقود زمنية، ولو عدنا للخلف، لتذكرنا الذاكرة ببطولة كاس العالم ١٩٨٢ بأسبانيا عندما حدث تواطؤ بين بعض الفرق لإخراج فرق تشارك، لأول مرة، وقد مر هذا التواطؤ مرور الكرام دون تدخل، أو حتى استنكار لها.
هذا السلوك غير الأخلاقي والتصرف العنصري جاء علي استحياء، ولم يكن بصورة فجة؛كما لاحظنا في البطولة الأخيرة حتى الآن.
قد يلاحظه المتابع القريب من اللعب، ويمر دون إحداث أي نوع من أنواع الخلل في رسالة الرياضة، وهي نشر العدالة والقضاء علي التمييز والعنصرية ولكن هذه الظاهرة بدأت تنمو مع البطولات، وتزداد دون أن تحرك ساكنا لمسؤول من مسؤولي اللعبة، لتحجيمها والقضاء عليها، بل اكتفي بعض المسؤولين بإنكارها ، والحديث عن التجاوزات البسيطة، التي تؤثر في رسالة الرياضة السامية.
والنسخة الأخيرة من كأس العالم ٢٠٢٦ المقامة (بأمريكا، وكندا، والمكسيك) زادت بها حدة ظاهرة مجاملة الفرق الكبيرة صاحبة الشهرة والإنجازات و الميداليات الذهبية في مجال كرة القدم .
فقد تمت الإطاحة ببعض الدول، بدور المجموعات وهذا الأمر كان محل جدل من قبل بعض الرياضيين ،ولكن الأمر زاد حدة، حيث رصد تجاوز بدور ٣٢ إلى دور ١٦، فقد تمت الإطاحة بتسع دول من قارة إفريقيا - منجم كرة القدم - في العالم فخرجت هذه الدول (السنغال ،جنوب إفريقيا ، الكونغو ،ساحل العاج، غانا ،جزر الكاب، مصر ) ، ولم يتبقَ من إفريقيا إلَّا المغرب ،التي استطاعت أن تصعد إلى الدور ربع النهائي متجاوزة دولا كثيرة، وذلك لثقافة لاعبي ومدربي المغرب، وتمرسهم في مواجهة الكبار بكرة القدم ،فكان أداؤها متوازنا، يحمل كل مقومات وثقافة وفلسفة اللعب؛ حتي النفس الأخير؛ حيث إنها لم تتعامل بالتصريحات الاعلامية الجوفاء الهشة، التي لا تقدم ، ولا تؤخر من الأمر شيئا؛ إلَّا إنها تجلب عليك البلاء. تعامل لاعبو المغرب بنفس القوة والاصرار والعزيمة، منذ بدء المباراة حتي صافرة الحكم.
الكل بتركيز عالٍ، وذهنٍ صافٍ، وقتال حتي صافرة الحكم.
أما الدول الأخرى ،التي خرجت فقد أبلت بلاء حسنا، بل كانت متسيدة ومسيطرة على مجريات المباراة بإحكام شديد وأداء متميز أجبر منافسيها على التراجع وليس الاستسلام.
هذه الدول كانت فائزة حتي الدقائق الأخيرة، وفجأة انقلبت الطاولة ،وتبدل الموقف في الدقائق العشرة الأخيرة من المباراة.
فما هو السبب ؟
هل التحكيم ؟
قد يكون للتحكيم دور في ذلك، وأنا لا أذهب مع من ذهبوا إلي هذا السبب، و ذلك أن هذه الدول كانت فائزة بنتيجه مريحة إثنين مقابل صفر.
ولكن السبب الرئيسي هي سياسة إدارة المباراة وخصوصا الجزء الأخير، أو النفس الأخير من المباراة .
ثقافة اللعب مع الكبار، هي ثقافة الرمق الأخير، حتي صافرة الحكم مهما كنت فائزا، أو مهزوما والهدف يأتي بجزء من الثانية، في لحظه عدم تركيز من اللاعبين، والإدارة الفنية للفريق التي يجب عليها أن تدعم أماكن الخلل بأقصى سرعة عندما يلاحظون خللا.
مطالبة اللاعبين بالتركيز وتطويل فترة امتلاك الكرة، وتناقلها باتقان وتركيز شديدين والاحتفاظ بها أكبر فترة زمنية ممكنة؛ لبث الهزيمة في عقل المنافس؛ مما يصيبه بإحباط.
لو لديك فرصة؛ كي تعاود مشاهدة المباريات في الدقائق الأخيرة، تجد عشوائية الأداء، وعدم الانضباط في التمركز، وفتور لبعض لاعبي الفريق. إضافة لعدم التركيز والسرحان .
برغم أن لاعبي هذه الفرق لاعبون دوليون لديهم من الخبره ما يمكنهم من إحكام السيطرة، علي هذا التوقيت ولكن هذه هي ثقافة اللعب مع الكبار لا ترمِ الفوطة إلَّا مع صافرة الحكم
------------------------
بقلم: نبيل حُزَيِّن
مفكر و خيير تربوي






