10 - 07 - 2026

هل نذهب إلى جولة جديدة من الحرب على إيران؟

هل نذهب إلى جولة جديدة من الحرب على إيران؟

لم يدم عمر مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية طويلًا. فما بدا، قبل أسابيع قليلة، محاولة لفتح نافذة تفاوض، تحول فجأة إلى إعلان صريح من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأن المذكرة "انتهت"، وأنه لم يعد يرغب في التعامل مع القيادة الإيرانية، واصفًا إياها بأوصاف غير مسبوقة في حدتها.

بهذا التصريح، لم تعد القضية مجرد تعثر في مسار تفاوضي، وإنما انتقال واضح من مرحلة إدارة الأزمة إلى مرحلة جديدة تتجاوز لغة التفاهم نفسها. فالمذكرة التي وُلدت وسط حديث عن احتواء التصعيد، تبدو اليوم وكأنها أدت وظيفة مؤقتة ثم أُسدل الستار عليها.

وكانت مؤشرات هذا التحول قد بدأت قبل تصريح ترامب. فطلب بنيامين نتنياهو زيارة عاجلة إلى البيت الأبيض أوحى بأن إسرائيل كانت تنظر إلى المذكرة باعتبارها محطة مؤقتة ينبغي ألا تتحول إلى قيد دائم على حرية الحركة العسكرية. وفي الوقت نفسه، كشفت تصريحات نائب الرئيس جي. دي. فانس أن الإدارة الأمريكية كانت تتعامل مع الوثيقة بقدر كبير من البراغماتية، حين قال إن الهدف منها هو "إعادة شحن مخزونات النفط العالمية، وتعويض بعض الاحتياطيات، ثم نرى ما يحدث بعد".

 وهي صياغة توحي بأن المذكرة لم تكن، في الحسابات الأمريكية، التزامًا سياسيًا نهائيًا، بقدر ما كانت أداة لإدارة لحظة معينة، ريثما تتهيأ ظروف المرحلة التالية.

ثم جاءت خطوة وقف العمل بالتصريح الذي كان يسمح لإيران بتصدير جزء من نفطها لتؤكد أن أدوات الضغط الاقتصادي لم تتراجع، وأن واشنطن لم تكن بصدد الانتقال إلى مرحلة تطبيع مع طهران، وإنما كانت تعيد ترتيب أوراقها.

واليوم، بعد إعلان ترامب انتهاء المذكرة، تبدو الصورة أكثر وضوحًا. فالوثيقة التي ظن البعض أنها قد تؤسس لمسار سياسي جديد، تحولت إلى محطة عابرة في صراع لم يتوقف يومًا، وإنما غيّر أدواته فقط.

ويبقى السؤال: لماذا الآن؟

لا أحد يملك إجابة قاطعة، لكن توقيت التحول يدعو إلى التأمل. فمن الواضح أن واشنطن لم تعد ترى فائدة في استمرار الغطاء السياسي الذي وفرته المذكرة. كما لا يمكن استبعاد أن تكون الولايات المتحدة وإسرائيل قد أعادتا تقييم الموقف العسكري والاستخباراتي بعد الجولة السابقة، وانتهتا إلى الاعتقاد بأن فرص تحقيق نتائج أكثر حسماً أصبحت أكبر مما كانت عليه قبل أسابيع.

ويعزز هذا الاحتمال أن الظهور العلني لعدد من كبار المسؤولين والقادة الإيرانيين في مناسبات جماهيرية، وما قد يكون وفره ذلك من معلومات استخباراتية إضافية، ربما شجع بعض دوائر القرار على الاعتقاد بأن بنك الأهداف أصبح أكثر اكتمالًا. وهذه، بطبيعة الحال، تبقى فرضية تحليلية لا يمكن الجزم بها، لكنها تفسر جانبًا من التحول المفاجئ في الخطاب الأمريكي.

إذا صح هذا التقدير، فإن ما يجري لا يعكس فشلًا لمذكرة التفاهم، بقدر ما يعكس أنها أدت الدور الذي رُسم لها منذ البداية. فقد منحت واشنطن وقتًا لإدارة أسواق الطاقة، وإعادة ترتيب أولوياتها، وتهيئة البيئة السياسية قبل الانتقال إلى مرحلة جديدة.

وفي المحصلة، لا يبدو أن الخلاف بين ترامب ونتنياهو كان يومًا حول الهدف النهائي، وإنما حول التوقيت وأسلوب الوصول إليه. فترامب كان يريد إدارة الصراع بما يخدم حساباته الاقتصادية والاستراتيجية الأوسع، بينما كان نتنياهو يريد التعجيل بالحسم العسكري. واليوم، تبدو المسافة بين الموقفين أقل مما كانت عليه قبل أيام.

أخطر ما كشفته التطورات الأخيرة أن مذكرة التفاهم لم تكن يومًا مشروع سلام بالمعنى التقليدي، بل محطة تكتيكية داخل صراع أكبر لم يُحسم بعد.

ولا ينبغي إغفال أن حكومة نتنياهو لم تتعامل مع وقف القتال باعتباره نهاية للحرب، بل باعتباره توقفًا مؤقتًا فرضته الظروف. فمنذ انتهاء الجولة السابقة، واصل رئيس الوزراء الإسرائيلي الدفع في اتجاه استئناف المواجهة، انطلاقًا من قناعته بأن أهداف الحرب لم تتحقق كاملة، وأن أي تهدئة لا ينبغي أن تتحول إلى تسوية دائمة. 

ولذلك بدا نتنياهو حريصًا على إبقاء خيار العمل العسكري حاضرًا، انتظارًا للحظة التي يلتقي فيها التقدير الأمريكي مع الرغبة الإسرائيلية.

وإذا صح هذا التقدير، فإن المنطقة مقبلة على جولة جديدة من الحرب، بعد أن أعادت الأطراف تقييم موازين القوة وبنت قراراتها على معطيات تختلف عما كان متاحًا قبل أسابيع.
--------------------------------
بقلم: محمد حماد

مقالات اخرى للكاتب

كيف تُهزم الأمم؟ | الحرب على الذاكرة