أيُّ عالمٍ هذا الذي يصفق للقوة، ويشيح بوجهه عن العدالة؟ سؤالٌ يفرض نفسه في زمنٍ اختلت فيه الموازين، حتى أصبح الحق بحاجة إلى من يدافع عنه، بينما تجد القوة دائمًا من يبرر لها أفعالها. لم يعد الإنصاف هو القاعدة التي تُبنى عليها الأحكام، بل تحوَّل في كثير من الأحيان إلى استثناءٍ نادر، وأصبح الظلم لا يقتصر على السياسة أو الاقتصاد، بل امتد إلى كل مجالٍ يُفترض أن يقوم على النزاهة وتكافؤ الفرص.
ولم تكن الرياضة بمنأى عن هذا المشهد؛ فملاعب كرة القدم، التي وُجدت لتكون ساحةً للتنافس الشريف، أصبحت هي الأخرى تعكس جانبًا من أزمة العدالة التي يعيشها العالم. فما قيمة القوانين إذا اختلف تطبيقها؟ وما جدوى التكنولوجيا إذا بقي الجدل يطغى على الحقيقة؟ وما معنى المنافسة إذا شعر أحد أطرافها أن الكفة لم تكن متوازنة منذ البداية؟
لقد تابع الملايين مباراة مصر والأرجنتين، ولم يكن الجدل الذي أعقبها بسبب نتيجة اللقاء وحدها، بل بسبب ما رآه قطاعٌ واسع من الجماهير والمحللين من قراراتٍ تحكيمية أثارت كثيرًا من علامات الاستفهام. ولم يكن الاعتراض لأن منتخبنا المصري خسر، والأرجنتين فازت، فالرياضة تقبل جميع النتائج، وإنما لأن الشعور بالعدالة اهتز في نظر كثيرين، وهو أخطر ما يمكن أن يحدث لأي منافسةٍ رياضية.
إن المطالبة بمراجعة القرارات التحكيمية أو انتقاد الأداء لا تعني اتهام أحدٍ بسوء النية، لكنها حقٌّ مشروع لكل من يؤمن بأن العدالة هي أساس اللعبة. فالتحكيم ليس فوق النقد، كما أن تقنية الفيديو لم تُوجد لتكون شاهدًا صامتًا، وإنما لتقليل الأخطاء ومنح كل فريقٍ حقَّه، بعيدًا عن تأثير الأسماء أو التاريخ أو المكانة.
إن الجماهير قد تتقبل الهزيمة عندما تكون ثمرة تفوق المنافس، لكنها تجد صعوبةً بالغة في تقبلها إذا اعتقدت أن ميزان العدالة قد اختل. فالهزيمة الرياضية يمكن تعويضها في مباراةٍ أخرى، أما خسارة الثقة في نزاهة المنافسة فهي خسارةٌ يصعب إصلاحها، لأنها تمس جوهر اللعبة قبل أن تمس نتيجتها.
والأخطر من ذلك أن الاعتياد على الأخطاء المثيرة للجدل يجعل الظلم يبدو أمرًا عاديًا، فيفقد الناس حساسيتهم تجاهه، ويتحول الاعتراض على غياب العدالة إلى مجرد رد فعلٍ عاطفي، بينما تظل المشكلة الحقيقية قائمةً دون علاج. وعندما يصبح الإنصاف محل تفاوض، فإن الجميع يخسر، حتى المنتصر نفسه؛ لأن قيمة الفوز لا تكتمل إلا إذا جاء في منافسةٍ عادلة لا يطعن أحد في نزاهتها.
لقد كانت الرياضة دائمًا رسالةً قبل أن تكون منافسة، ورسالتها الكبرى أن الجميع يقفون أمام القانون على قدم المساواة. فإذا فقدت هذه الرسالة معناها، فلن تكون الخسارة مقصورةً على منتخبٍ أو بطولة، بل ستصيب الثقة التي تجمع الجماهير حول اللعبة.
إن العالم اليوم لا يحتاج إلى مزيدٍ من الشعارات عن العدالة، بل إلى ممارساتٍ تؤكد أن القانون يعلو على الأسماء، وأن الحق لا يتغير بتغير موازين القوة. وعندما تستعيد العدالة مكانها، سيصبح الفوز أكثر قيمة، والهزيمة أكثر احترامًا، وستعود الرياضة كما أرادها الجميع: منافسةً شريفة ينتصر فيها الأفضل، لا الأقوى نفوذًا، ولا الأكثر حظًا في قراراتٍ كان ينبغي أن تكون عنوانًا للإنصاف، لا سببًا للجدل.
-------------------------------
بقلم: إبراهيم خالد







