شيك "الآيرس" وصاروخ غزة - من يدفع... ومن يقرر؟
في الحادي عشر من أبريل من كل عام، يقف المسلم الأمريكي أمام شاشة حاسوبه أو طاولة محاسبة القانوني، ليوقع بملء إرادته - وقسراً بحكم القانون - على إقراره الضريبي السنوي لـ "هيئة الإيرادات الداخلية" (IRS).
في تلك اللحظة، تعبر آلاف الدولارات من حسابه البنكي لتستقر في الخزانة الفيدرالية بواشنطن، كصكٍّ لا غنى عنه لإثبات المواطنة وصون "الحلم الأمريكي".
لكن خلف هذا الإجراء البيروقراطي الروتيني، تكمن واحدة من أبشع المفارقات الأخلاقية في العصر الحديث، تلك الأموال المستقطعة بدقة متناهية من عرق جبين الطبيب، والمهندس، والتاجر المسلم في نيويورك أو كاليفورنيا، لن تذهب فقط لتمهيد الطرق أو تحسين المدارس، بل سيسلك جزء معلوم منها طريقه فوراً عبر ممرات الكونغرس ليتحول إلى قذائف مدفعية وصواريخ ذكية تهبط فوق رؤوس الأطفال في غزة والضفة. إنه الانفصام الأخلاقي في أقصى تجلياته، حيث يجد المسلم الأمريكي نفسه - تحت طائلة القانون - شريكاً في تمويل الآلة التي تبيد أهله وتلتهم وطنه التاريخي.
هل "المسلمون الأمريكيون خنجر في ظهر فلسطين" !!؟
فخ التمويل القسري ومفهوم "المواطنة الرهينة"
تتعامل المنظومة الرأسمالية الأمريكية مع مواطنيها كمجرد أرقام في موازنة ضخمة، ولا تقيم وزناً للاستثناء العقائدي أو المبدئي، عندما يتعلق الأمر بتمويل حليفتها الاستراتيجية في الشرق الأوسط. وهنا يقع المسلم الأمريكي في فخ "المواطنة الرهينة"؛ فالقانون الفيدرالي الصارم لا يترك مساحة للاعتراض، والتخلف عن دفع الضرائب يعني السجن، ومصادرة الأموال، وتدمير المستقبل المهني.
هذا الإكراه القانوني يحوّل أموال الجالية الإسلامية التي تقدّر بمليارات الدولارات سنوياً نظراً لارتفاع متوسط دخل الفرد فيها مقارنة بأقليات أخرى - إلى وقود مستدام لآلة الحرب الإسرائيلية.
ووفقاً لآليات الدعم العسكري الثابت والاتفاقيات العابرة للإدارات، فإن جزءاً من هذه الضرائب يُترجم آلياً إلى طائرات وحزم تسليح متطورة.
المفارقة هنا تتجاوز الألم النفسي إلى العجز البنيوي؛ فالجالية التي تملأ الشوارع بالهتافات، وتعتصم في الجامعات، وتخوض معارك شرسة في دهاليز صناعة القرار لإدانة العدوان، هي نفسها الجالية التي تمول هذا العدوان كل صباح من خلال دوريتها الاقتصادية داخل النظام الأمريكي.
إنه حصار ذكي تفرضه المنظومة، صوتك لك، لكن جيبك لنا.
تفكيك التناقض الداخلي.. فجوة الدعم وعقدة الصمود المعطل
لكن النقد لا يمكن أن يتوقف عند أسوار المنظومة الأمريكية ليلقي عليها بالملائمة كاملة؛ بل يجب أن ينفذ إلى عمق البنية الوجدانية والاقتصادية للجالية نفسها.
وهنا تبرز الطعنة الأكثر إيلاماً، التناقض الصارخ بين التمويل القسري الفيدرالي، والتقصير الاختياري العائلي.
بينما تتدفق أموال المسلمين الأمريكيين بانتظام حديدي ودون انقطاع لخزائن واشنطن، تشهد قنوات الدعم المالي المباشر الموجهة للعائلات والامتدادات الأسرية في فلسطين التاريخية حالة من التراجع والضمور، مما يكشف خللاً استراتيجياً حاداً
• غياب شبكات الأمان العائلية : ينظر الكثير من مسلمي أمريكا إلى القضية عبر عدسة "الإغاثة الموسمية" أو التبرع للجمعيات الكبرى عقب الكوارث، بدلاً من تبني "اقتصاد الصمود" الذي يقوم على تحويلات مالية عائلية مستدامة تحمي النسيج الاجتماعي من الانهيار، وتثبت الإنسان الفلسطيني في أرضه وتحمي منزله من الهدم.
• الانغماس في الرفاهة المحلية: يسقط جزء لا يستهان به من الجالية في فخ الاستهلاك والرفاهة التي يفرضها نمط الحياة الأمريكي، مما يجعل الهامش المخصص لدعم الأسر في الداخل ضئيلاً لا يتناسب مع حجم الثروة والنفوذ التي تحظى بها الجالية اليوم.
• الفزع من القوانين الأمنية: تذرع البعض بالقوانين الأمريكية الصارمة المتعلقة بتحويل الأموال (قوانين مكافحة الإرهاب) أدى إلى حالة من الارتداع والرقابة الذاتية المبالغ فيها، مما قطع شريان الدعم العائلي المباشر الذي كان يمثل في السابق أحد أهم ركائز البقاء للمجتمع تحت الاحتلال.
إن النتيجة المقلقة لهذا المشهد هي أن المسلم الأمريكي بات يساهم بانتظام في تمويل دمار فلسطين عبر مؤسسات دولته، بينما يعجز -أو يتراخى- عن تمويل صمود أسرته وأبناء جلدته بأدواته الخاصة، مما يعمق من أثر هذا "الخنجر" ويجعله قصوراً بنيوياً يُدار من الداخل قبل الخارج.
حين تموّل الضرائب حرباً يرفضها أصحابها..
ينتقل التناقض من مربع العجز المالي إلى مربع العبث السياسي عندما نوضع هذا التمويل في مواجهة الحراك الشعبي للجالية. فالمجتمع المسلم والعربي في الولايات المتحدة لم يكن يوماً أكثر حيوية وتنظيماً وصخباً مما هو عليه الآن؛ فالشوارع تضج بالمسيرات، وصوت الجالية بات يملك القدرة على تهديد مصير رؤساء ومشرعين في الولايات المتأرجحة. ومع ذلك، تكشف هذه الحالة عن العطب البنيوي في مفهوم "الديمقراطية التمثيلية" الأمريكية.
تحت قبة الكونغرس، يتضح أن المسار الذي تسلكه أموال الضرائب منفصل تماماً عن مسار صناديق الاقتراع أو لافتات الاحتجاج. إنها آلية صماء؛ فحتى لو نجحت الجالية المسلمة في حشد رأي عام يرفض الحرب بنسبة 100%، فإن المنظومة التشريعية مصممة بحيث تظل حزم المساعدات العسكرية لـتل أبيب عابرة للأحزاب والحكومات ومحصنة ضد التغيير الشعبي. هذا الواقع يضع المسلم الأمريكي في مواجهة حقيقة مرة، صوته السياسي ملك له، يمنحه لمن يشاء، لكن نتاجه الاقتصادي وعرق جبينه تم تجيرهما مسبقاً لصالح الأجندة الإمبراطورية، مما يحول أدوات التعبير الديمقراطي إلى مجرد صمام أمان لامتصاص الغضب، بينما تستمر الماكينة في العمل بكفاءة ودون توقف.
بين المواطنة والاعتراض.. مأزق "الترياق والمصل"
أمام هذا الحصار الأخلاقي المحكم، حاولت الجالية ابتكار أدوات لتخفيف وطأة الشعور بالذنب، تمثلت في الانخراط في حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات (BDS)، وتكثيف التبرعات للمنظمات الإغاثية المستقلة العاملة في قطاع غزة والضفة الغربية.
لكن عند وضع هذه الأدوات تحت مجهر النقد، نكتشف مأزقاً راديكالياً يُشبه محاولة علاج مريض بـ "الترياق والمصل" من نفس اليد. فالمسلم الأمريكي يضخ ملايين الدولارات عبر الجمعيات الخيرية لإعادة بناء مستشفى مهدد أو توفير طرود غذائية لأسرة مشردة، في حين أن الصاروخ الذي دمر المستشفى أو هجّر تلك الأسرة تم شراؤه وتطويره بجزء آخر من أمواله التي خرجت عبر الـ (IRS).
هذه الدائرية المفرغة تحول العمل الإغاثي إلى أداة لترميم مخلفات الدمار الذي ساهمت المنظومة الأمريكية في إحداثه، مما يؤكد أن الاندماج الكامل في المنظومة الاقتصادية الأمريكية، دون امتلاك القدرة على تفكيك روابط الدعم العسكري لسياساتها الخارجية، يظل ثمناً باهظاً تدفعه الهوية على حساب المبدأ.
نحو وعي استراتيجي جديد
إن وصف المسلمين الأمريكيين بـ "الخنجر في ظهر فلسطين" ليس تخويناً عاطفياً لكتلة بشرية تناضل في مغتربها، بل هو توصيف بنيوي وتشريحي للموقع الأخلاقي والاقتصادي الذي وضعتهم فيه المنظومة الرأسمالية الأمريكية قسراً؛ فهم ضحايا "تجنيد مالي إجباري" لخدمة مشروع استعماري يرفضونه عقائدياً وسياسياً.
لكن الخروج من هذا المأزق التاريخي لا ينتهي عند حدود البكاء على الأطلال الأخلاقية أو الاكتفاء بالهتاف في الميادين. إن مواجهة هذا التناقض تتطلب أولاً شجاعة الاعتراف بالقصور الذاتي، وتحديداً في ملف دعم صمود الأسر والعائلات في الداخل الفلسطيني كأولوية استراتيجية تتجاوز فكرة "الإغاثة الطارئة". كما تتطلب ثانياً الانتقال من مربع "الضغط السياسي الموسمي" إلى مربع "المواجهة البنيوية"؛ عبر ابتكار مسارات قانونية واقتصادية جديدة تجعل ثمن هذا الانفصام الأخلاقي باهظاً جداً على استقرار ومستقبل النخبة الحاكمة في واشنطن. ما لم يحدث هذا التحول، سيبقى شيك الضرائب السنوي بمثابة التذكير الأكثر قسوة بأن مواطنة المسلم في أمريكا تُكتب أحياناً بدم أهله في فلسطين.
"لا أحد حر حتى يتحرر"
"حرر نفسك"
"حرر عقلك"
-----------------------------
بقلم: حاتم نظمي






